أعمدة ومقالات

نحو مساومة ثورية تاريخية للخروج من الهاوية

د. بكري الجاك

تمهيد

دون الخوض في تفاصيل لما حدث في السودان من تطورات سياسية منذ ديسمبر 2018 يمكن القول أن المشهد الحالي المتمثل في حكومة انتقالية هو محصلة التسوية السياسية التي انتجها التفاوض الذي خاضته قوي الحرية و التغيير كمعبر عن تطلعات قوي الثورة و التغيير و بين بعض بقايا اطراف نظام الانقاذ متمثلة في المجلس العسكري الانتقالي. الرصيد السياسي لقوي الثورة هي الحراك الثوري و شرعية المستقبل المتمثلة في نقل البلاد من حالة العزلة و الاختناق السياسي و الاقتصادي الي أفق يفتح الطريق لتحقيق السلام و بسط الحريات و اشاعة العدل و تحسين الوضع المعيشي و تهيئة البلاد لعملية انتقال ديمقراطي، كما أن لهذه القوي الثورية دعم معنوي اقليمي و دولي في بعضه اخلاقي و مبدئي بما يتطابق مع مصالح دولية و اقليمية و في بعضه الآخر محض مصالح. الطرف الاخر في المعادلة متمثل في المجلس العسكري والذي استمد رصيده السياسي في أنه استجاب الي هتافات و مطالب الشارع بازاحة اطراف متطرفة و أكثر دموية مما مهد لنقل البلاد الي مرحلة سياسية جديدة، وشرعية هذا الطرف هي شرعية وضع اليد و شرعية السلاح و السمسرة في المصالح الاقليمية. ليس هنالك حاجة للقول أن نتاج التسوية هذي كان شراكة السلطة عبر مرجعية الوثيقة الدستورية، و ليس هنالك حاجة ايضا للتذكير بأن توازن الضعف، أي أنه ليس هنالك فرصة لاي طرف لينتصر بشكل كامل، هو ما قاد الطرفين بالقبول بهذه التسوية، كل له مبرراته و دوافعه التي يمكن أن تتلخص في حقن الدماء و المراهنة علي نقل الصراع الي مربع سياسي جديد يمكّن من ترجيح كفة طرف علي آخر.

بالمقابل كانت هنالك اصوات و مازالت في صفوف القوي الثورية تري أن التفاوض علي شراكة السلطة و ما أنتجته من تسوية هو موقف خاطئ من حيث المبدأ و أن الثورة كانت و مازالت قادرة عبر العصيان المدني و المواكب و كافة اشكال التصعيد الاخري في تحقيق انتصار كامل بشكل ما بامكانه أن يعيد الجيش الي ثكناته و بقدرة قادر سيدمج الدعم السريع في صفوف الجيش و يعطي المدنيين سلطة كاملة تمكّنهم من هيكلة الاجهزة الأمنية و استلام مفاتيح الدولة المنهوبة لثلاث عقود من الدول الموازية التي ظلت تدير كل مناحي الحياة. المقام هنا ليس مقام نقد أو تقييم لمدي صحة أو خطأ تقديرات اي تيار الا أن الحقيقة الماثلة أن حالة توازن الضعف التي انتجت الوضع السياسي الراهن من الضعف بمكان الي درجة قد تؤدي الي تلاشي ما تبقي من مظاهر الدولة الحديثة في السودان.

ازداد هذا المشهد تعقيدا بتوقيع اتفاق السلام مع بعض القوي المسلحة ( الجبهة الثورية) لأن نتيجة السلام كانت تصدع في القوي التي فاوضت و انتجت هذا الوضع السياسي نيابة عن الثورة، بالاضافة الي أن اتفاق السلام اصبح هو المرجعية القانونية الأعلي بالرغم من أن التفاوض الذي انتج اتفاق السلام قامت به اطراف استمدت شرعيتها في الأصل من الوثيقة الدستورية التي اصبحت مرجع ثانوي في مرجعيات الحكم السياسية و القانونية. و هنا ايضا ليس بنا حاجة للخوض في الحديث عن التغيير و التعديل الذي طال الوثيقة الدستورية فهذا ليس بجديد، فهذه البلاد وقعّت العديد من الوثائق منذ مؤتمر جوبا في عام 1947 و مرورا بالمائدة المستديرة و اتفاق اديس ابابا، و ابوجا الاولي و ابوجا الثانية، و كوكادام و اتفاق الخرطوم للسلام، و اتفاقية السلام الشامل في 2005 و سيتوج التفاوض في جوبا باتفاق جوبا الثانية للسلام عما قريب و ربما في خلال اسابيع و ربما تكون هنالك جوبا ثالثة و رابعة، ارث هذه البلاد هو الكثير من حبر الاتفاقيات و القليل من ترجمة الحبر و الورق المهدر الي برامج و افعال تغير من حياة الناس.

يشير الوضع الداخلي للبلاد علي المستوي الاقتصادي و السياسي الي أن الدولة السودانية، التي ما زالت في طور التشكل، ربما تكون في اضعف حالاتها منذ ما قبل قيام الثورة المهدية، فاقتصاد البلاد في حالة انهيار و ليس هنالك من أمل في وقف هذا التدهور حيث لا توجد رؤية واضحة و لا سياسات عملية، بل تخبط و محض أمنيات. و ليس هنالك بارقة أمل في استقرار سياسي قريب يمهد لتعافي اقتصادي بجلب استثمارات، فالداخل متوجس و يفضل حماية مدخراته عبر ريع العقار و المضاربة في الدولار و الخارج بالاضافة الي الكرونا ليس له سبب للمخاطرة كما أن هنالك فرصة بديلة اكثر تنافسية من السودان، و لا يوجد جهاز دولة يعوّل عليه لانفاذ اي شيء سوي كثير من الكلام و التصريحات الاعلامية. أمنيا تشهد البلاد تفلتات في كل انحائها، فآلة الموت مازالت تعمل في دارفور و في الشرق و في الخرطوم، و المؤكد أن هذا الوضع قد يزداد سوءا اذا ما أستمرت حالة الاختناق السياسي و الاقتصادي و انسداد الأفق. علي المستوي الاقليمي فأن البلاد علي مقربة من الدخول في مواجهة عسكرية مع اثيوبا اكبر جيران السودان من حيث التعداد السكاني، و بغض النظر عن اسباب الخلاف التي يمكن أن تتداخل ما بين قضية الحدود و صراعات اثيوبيا الداخلية و قضية سد النهضة فأن احتدام الصراع و استطالته يقلّل من فرص الدبلوماسية و الحلول المتفاوض عليها.

حجتنا أن حالة توازن الضعف هذي و ما أفرزته من نظام سياسي وواقع اجتماعي و اقتصادي لا يمكن أن تستمر بشكلها الحالي في ظل ثبات العوامل المكوّنة لها و ثبات المتغيرات الداخلية من تردي اقتصادي و أمني و غياب للعدالة اضافة الي العجز المؤسسيي لجهاز الدولة. الشارع في حالة احتقان لعوامل عدة من بينها صعوبة الوضع المعيشي، تردي الخدمات العامة، عدم وجود خطة واضحة لكيفية تحقيق العدالة في كافة مستويات المجتمع، ضعف الاداء الحكومي، غياب الخطاب الاعلامي الرسمي الذي يشرح للناس اين كانوا و الي اين هم ماضون، اضف الي ذلك الوضع الدولي الذي افرزته جائحة الكرونا من ركود اقتصادي و انكفاء كل دولة علي ذاتها و توقف الحياة الذي كان له مردود نفسي و مادي علي الجميع باشكال مباشرة و غير مباشرة.

المساومة الثورية التاريخية لفتح الأفق

في تقديرنا أن المخرج من هذا الافق المغلق و المعادلة الصفرية التي تحكمه تبدأ بالتسليم بفشله، هذه التسوية عوّل عليها الشق المدني في تغيير المعادلة السياسية عبر الضغوط الدولية و الأقليمية لترجيح كفة قوي الثورة الداعمة للانتقال الديمقراطي، و هي نفس المعادلة التي ظل يعوّل فيها الشق العسكري بشقيه جيش نظامي و دعم سريع علي ان تسبيك تحالفات اقليمية و تضعضع في صفوف قوي الثورة لاسباب ذاتية اضافة لضيق الشارع بفكرة التغيير قد تساهم في خلق شروط تمكنّهم من السيطرة علي السلطة عبر واجهة مدنية. البعض منا ظل يردد أن ما كان يحدث خلال عامين منذ تشكيل الحكومة في 19 اغسطس 2019 هو سلطة عسكرية بواجهة مدنية، في تقديري أن هذه قراءة غير سليمة و تسمية غير دقيقة و أن ما كان و مازال يحدث هو صراع طرفيه منهكين و فقيري الخيال و ليس باستطاعة اي منهما تسديد ضربة قاضية للآخر، هي وضعية تعكس مدي ضعف كل طرف في كل مرحلة من مراحل التجاذب ما بين الداخل و الخارج و هذا جوهر انعكاس لحالة توازن الضعف ليس الا. اذن فما العمل؟

اعتقد أن البلاد في حاجة الي مساومة ثورية تاريخية قوامها مكاشفة بين كل الاطراف حول أن هذه اللعبة، التي كانت تدار عبر وسطاء دوليين، لم تعد مجدية حتي في الحفاظ علي حالة توزن الضعف وأنها قد استنفدت قدرتها في الاستمرار، مساومة لاتقل في وضوحها و تطلعاتتها من ما جاء في اعلان الاستقلال الامريكي من انجلترا في عام 1776 و الذي ورد في مستهله ” نحن نؤمن أن هذه الحقائق تعبّر عن نفسها و ليست في حاجة الي توضيح: أن الناس خُلقوا سواسية بواسطة خالقهم، و أن لهم حقوق لا يمكن الجدال حولها، و أنه من بين هذه الحقوق الحق في الحياة و الحرية و السعي الي السعادة”. فالوضع السياسي السائل الحالي و ما سينتجه من انهيار اقتصادي وتردي أمني و تفسخ اجتماعي هو نتاج التسوية السياسية التي انتجتها الوثيقة الدستورية و من ثم اتفاق جوبا للسلام علي حد السواء، كما ستساهم اتفاقية السلام القادمة في تسييله اكثر دون الاخلال بجوهر مقوّمات ضعفه ما لم يبدأ تنفيذ اتفاق السلام بالترتيبات الأمنية التي يجب أن تُخرج السلاح من المعادلة السياسية الشائكة و المتعثرة. و رغم صعوبة تصور أن ذلك أمر يمكن قبوله بواسطة أطراف السلطة المسلحة الحاكمة فأنه حتي اذا تم و لم يؤدي الي اعادة هيكلة القوات النظامية من جيش و أمن و شرطة فأننا ماضون الي مزيدا من السيولة السياسية و بداية تحقق ظاهرة تلاشي الدولة و مظاهرها الحديثة. و في تقديرنا مقومات وشروط هذه المساومة هي الآتي:

  1. من حيث الشرعية السياسية و الدستورية للسلطة الانتقالية لا بد من دمج الوثيقة الدستورية و اتفاق سلام جوبا الأول و اتفاق السلام القادم في مسودة واحدة حتي و ان تطلب الأمر دخول كل الاطراف السياسية الفاعلة في عملية حوار ومكاشفة تضع انقاذ السفينة كهدف أوحد لضمان استمرار صراع الديكة علي دكتها، علي أن تصبح هذه الخلاصة نواة للحوار علي دستور دائم، و يمكن دعمها بتكوين الآليات المكملة مثل مفوضية الدستور و الانتخابات للاضطلاع باكمال هذه المهام. كما أن هذا الدمج يجب أن يخرج ببرنامج عمل واضح للحكومة في ثلاثة مسارات: بناء السلام، تحقيق العدالة، و اعادة بناء مؤسسات الدولة من جيش و شرطة و خدمة مدنية.
  2. التوافق علي قيام سلطة اقليمية محلية منتخبة، و يمكن أن تبدأ في المحليات وذلك للسهولة اللوجستية لقيام انتخابات علي المستوي المحلي تشكل مجالس حكم محلي، و يمكن تبنّي مبدأ التصعيد من المجالس المحلية لتشكيل مجالس ولائية تصبح بمثابة المجلس التشريعي الولائي، و يمكن ايضا تبنّي فكرة التصعيد من الاقاليم لتشكيل برلمان او مجلس تشريعي اتحادي مؤقت ليحل محل المجلس الذي سيتم تعيينه بالمحاصصة السياسية اذا تم حتي التوافق علي شروط المحاصصة. يجب أن تؤجل عملية قيام انتخابات اتحادية الي حين التوافق علي دستور و قانون انتخابات و اجراء التعداد السكاني، فقيام انتخابات محلية كفيلة باعطاء شرعية سياسية تمكن السلطة الحالية من اكمال مهام الفترة التأسيسية الانتقالية.
  3. خلق توافق علي برنامج اقتصادي برؤية تنموية واضحة قابلة للتطبيق و بمؤشرات قياس واضحة هدفها وقف التدهور الاقتصادي و تقديم معاش الناس علي اي منهج أو فلسلفة اقتصادية عبر أي آلية كانت، من نافلة القول الاشارة الي أن الاقتصاد نفسه هو علم البدائل و ليس هنالك طريق واحد يؤدي الي روما.

هذه معالم و خطوط عريضة يمكن أن يخرج منها برنامج عمل متفق حوله علي أن تترك المسائل الخلافية لادراتها عبر العملية الديمقراطية، ففي حقيقة الأمر أن الديمقراطية غير أنها نظام حكم و له مقومات و فلسفة و اركان مثل سيادة حكم القانون و الفصل بين السلطات و الانتخابات كوسيلة للتبادل السلمي للسلطة و تغيير القيادة فهي ايضا نظام لادارة الاختلاف فالقضايا السياساتية قابلة للتغيير. من الطبيعي أن تتغير السياسة الاقتصادية يمينا او يسارا بحسب توجهات التحالف أو الحزب الذي سيفوز باغلبية في الانتخابات، أما الأمور التي يجب أن تكون ثوابت فهي طبيعة الدولة و المواطنة المتساوية و صيانة الحقوق الطبيعية و الحقوق المدنية. خلاصة القول، سيقول قائل أن جلّنا يعرف أن هذا هو الطريق و لكن كيف يمكن جمع الناس حول هذه الرؤية، و لهؤلاء نقول أنه في حركة التاريخ و تجارب الانتقال لا يتفق الناس الا حينما لم يعد بامكانهم مواصلة الاختلاف سلما أو حربا، و نحن الآن قد جربنا الحرب بالمدافع و المثالب و الحرب بالمآرب فليس أمام الجيش و الدعم السريع و قوي الثورة الحاكمة و المعارضة و الناقمة و الحردانة من مخرج سوي النزول الي كلمة سواء مؤداها انقاذ السفينة حتي يتثني للجميع مواصلة الصراع حول اعادة تعريف المصالح العامة و الخاصة والذي هو لب فكرة العملية السياسية.

نشر في صحيفة الديمقراطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى