أخبارتقارير وتحقيقات

السودان: خلافات العسكر «توازن رعب» في خضم انتقال هش

تثير خلافات المؤسسة العسكرية في السودان، الممثلة في أعلى هرم السلطة الانتقالية، والتي ظهرت للعلن مؤخراً، المخاوف من الانزلاق إلى السيناريو الليبي أو الصومالي، بصورة لا تقوِّض الانتقال فحسب، وإنما تقود إلى تفكيك الدولة نفسها.

التغيير: أمل محمد الحسن

منذ تشكيل الحكومة الانتقالية في السودان، تصاعدت للمرة الأولى حدة الخلافات بين العسكريين، فيما كانت الحاضنة السياسية «قوى الحرية والتغيير» قد ولدت بخلافاتها وشقاقاتها التي أسفرت عن تجميد حزب الأمة القومي لعضويته فيما غادرها الحزب الشيوعي.

وتمظهر الخلاف في أوضح صوره من خلال التصريحات المباشرة لقيادتي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بالرغم من صدور بيانات تنفي وجود تلك الخلافات.

عضو بمجلس الشركاء: جهود كبيرة مبذولة لاحتواء الخلافات

 

جذور الأزمة

 

بعد أيام من صدور بيانات تنفي وجود أي خلافات بين الجيش والدعم السريع؛ فجرت تصريحات قائد قوات الدعم السريع،  محمد حمدان دقلو «حميدتي» الأوضاع باتهاماته المباشرة للجنة الأمنية التي يشارك بعض أعضائها في مجلس السيادة الانتقالي، بفض اعتصام القيادة العامة.

وقال حميدتي في مناسبة تأبين أحد قيادات حركة جيش تحرير السودان، الجمعة الماضي، إنه الشخص الوحيد الذي اعترض على هذا المخطط.

وأشار إلى أنه اعتقل الرئيس المعزول عمر البشير ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

وأضاف أنه لولا موقفه لكان البشير حاكماً حتى الآن و«واضعاً رجلاً على رجل».

وتفجرّت الأزمة – بحسب مراقبين، بسبب إدارة حميدتي لاجتماع مجلس السيادة إبان وجود رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان بالعاصمة الفرنسية باريس مشاركاً في المؤتمر الاقتصادي.

وهو الاجتماع الذي قُبلت فيه استقالة النائب العام وأقيلت رئيسة القضاء؛ ما جعل البرهان يعود للبلاد فوراً قبل انتهاء فعاليات المؤتمر.

لكن، وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ«التغيير»، تعود جذور الأزمة الحقيقية إلى مطالبة رئيس الحركة الشعبية – شمال عبد العزيز الحلو، الذي يفاوض الحكومة الآن في جوبا، بدمج قوات الدعم السريع داخل الجيش قبل أن يتم التوقيع على اتفاق السلام، وهو الأمر الذي يرفضه قائد الدعم السريع بصورة قاطعة.

واستغل حميدتي ذات المناسبة لإعلان هذا الرفض «الدعم السريع ما سرية ولا كتيبة عشان يدمجوها».

ونبّه إلى أن قواته تشكلت وفق قانون أجازه برلمان منتخب- في إشارة لقانون الدعم السريع الذي تمت إجازته في العام 2017.

 

قانوني: الوثيقة الدستورية لم تتحدث عن تفاصيل دمج الدعم السريع في الجيش

 

 

قانون الدعم السريع

 

وفيما أكد قانون 2017، خضوع قوات الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007 في الفقرة «5- 1» من الفصل الأول، إلا أنه قيد هذا الخضوع بحالتي الحرب وإعلان حالة الطوارئ.

وتشمل بنود القانون أن يعين رئيس الجمهورية قائداً لقوات الدعم السريع، وأعلى رتبة منحها القانون لمنسوبيه هي رتبة الفريق.

ويسري قانون 2017 المجاز في عهد النظام البائد طالما لم يحدث فيه تعديل أو الغاء، وفقاً للخبير القانوني د. نبيل أديب، الذي أشار إلى أن الوثيقة الدستورية لم تتحدث عن تفاصيل دمج الدعم السريع في الجيش، وتحدثت فقط عن هيكلتهما.

واتفق مع أديب عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي صديق يوسف «الذي شارك في وفد الحرية والتغيير للمفاوضات مع المجلس العسكري 2019»، حول عدم تناول الوثيقة الدستورية لدمج الدعم السريع في الجيش.

وقال: «المفاوضات لم تناقش تغيير قانون الدعم السريع».

وطبقاً لحديث يوسف، فإن جميع الأزمات المرتبطة بـ«المليشيات المسلحة» سببها اتفاق جوبا الذي خالف السائد في العالم فيما يخص دمج القوات- حد تعبيره.

وأضاف يوسف شارحاً: «في كل العالم يتم نزع السلاح أولاً ثم التسريح فإعادة الدمج»، وأشار إلى أن اتفاق سلام جوبا بدأ بالدمج وسمح لقيادات الجيوش بقيادة قواتها حتى نهاية الفترة الانتقالية.

 

قيادي شيوعي: المفاوضات لم تناقش تغيير قانون «الدعم السريع»

 

أرضاً سلاح

 

بعد أيام قليلة من تصريحاته الغاضبة، قدم «حميدتي» خطاباً مناقضاً لحديثه السابق، قال فيه «إن الدعم السريع والجيش في خندق واحد»، وقطع بعدم وجود ما يستحق القتال «لن نوجه سلاحنا لبعض».

ويبدو أن الهدوء الذي عاد للأجواء كان للحاضنة السياسية فيه دور كبير، بحسب تصريحات مقتضبة لعضو مجلس الشركاء بابكر فيصل لـ«التغيير»، إذ أكد أن جهوداً كبيرة مبذولة لاحتواء أي خلافات.

وهو الأمر الذي عضدّه الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني مهدي رابح الذي كشف عن لقاءات ماراثونية تقوم بها قيادات الكيانات السياسية لاحتواء الخلافات.

الانشقاقات بين العسكريين وفقاً لبابكر فيصل لا تشبه خلافات المدنيين، فأقصى ما تملكه الأحزاب حال حدوث خلاف هو أن تخرج من التحالف أو تجمد عضويتها، منوهاً إلى أن خروج طلقة واحدة ليس من مصلحة البلاد.

وذلك ما ذهب إليه رابح بقوله: «انطلاق رصاصة سيأخذنا إلى طريق في اتجاه واحد لا عودة منه»، ووصف التوازن الحالي بـ«توازن الرعب».

وشدد رابح على أنه لابد أن تتفهم الجبهة المدنية أن المزايدة وعدم الواقعية «ستضعهم على مقاعد المتفرجين لمسرحية نهاية السودان كما عرفناه».

وذات النقد قدّمه عضو مجلس الشركاء لجهات- لم يسمها- دمغها بقصر النظر والفكر، تعمل على تأجيج الصراعات «يعتقدون أنها ستكون نزهة».

وطالب فيصل بالابتعاد عن التنافس الحزبي والمناطقي لصالح البلاد.

 

خبير استراتيجي: “النازية” العالمية الجديدة تشكل قرارات الدولة

 

رؤى الإصلاح

 

ورأى رابح أن عملية الإصلاح والتغيير طويلة ومعقدة، منوهاً إلى انعدام الثقة التي قال إنها ستتوفر بمزيد من الحوار والإصلاح المتدرج ومخاطبة مخاوف ومصالح الجميع.

وفيما أشار رابح لوجود اتفاق مبدئي بين كل المنظومات العسكرية بما فيها الدعم السريع بوجود جيش واحد لضمان استدامة الدولة، أكد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي صديق يوسف، بأن الحل يكمن في ذهاب كافة المنظومة الحاكمة الآن.

ورداً على سؤال «التغيير» حول آليات الشيوعي لإحداث هذا التغيير؛ قال يوسف: «ذات الآليات التي أسقطت البشير ونميري».

المخاوف التي تحدث عنها رابح ظهرت في حديث «حميدتي» الجمعة عندما تحدث عن خطة لشيطنته، والسخرية من كونه «فريق خلا»- على حد تعبيره، وهو ما يرجعه الخبير الاستراتيجي اللواء عادل باشري إلى وسائل التواصل الاجتماعي «الإعلام الجديد» التي وصفها بـ«النازية العالمية الجديدة».

وقطع باشري بأنه المهدد الأول للدولة، ونبّه إلى أنه هو ما يشكل قرارات الدول والأفراد، وقال: «تغريدة واحدة يمكن أن تشعل حرباً».

وفي المقابل، أكد الخبير الاستراتيجي خسارة التفكير الشمولي للإعلام، ووصف المعلومات بالقوة الأكبر والتي يمكن أن تأتي من خارج الحدود.

وأضاف: «وثائق ويكليكس خرجت من رحم المخابرات الأمريكية».

ومن وجهة نظر باشري، فإن وصفة الحلول للأزمات الراهنة تكمن في انتباه الدولة للإعلام باعتباره أهم قوة شاملة ومؤثرة.

وأشار إلى ضرورة بناء استراتيجيات للمعرفة تُسهم في بناء التنمية الشاملة وحتى إصلاح سلوك الفرد.

رئيس الوزراء السوداني وقادة تحالف قوى الحرية والتغيير

قيادي بالمؤتمر السوداني: انطلاق رصاصة سيأخذنا إلى طريق في اتجاه واحد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى