تقارير وتحقيقات

«7» جيوش في انتظار الدمج.. السودان تحت ظلال بنادق متنافسة

باتت ظاهرة وجود جيوش الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان مع الحكومة الانتقالية بالعاصمة الخرطوم دون تسريح أو إعادة دمج، واحدة من الشواغل الكبيرة في المشهد السوداني، سيما بعد أن رفعت قيادات تلك الحركات عقيرتها بالشكوى من تأخر تنفيذ بند الترتيبات الأمنية والتي تعتبر حجر الزاوية في إنزال الاتفاق لأرض الواقع.

التغيير- أمل محمد الحسن

إثر ندوة ساخنة- نقلت تفاصيلها «التغيير»- اتهمت خلالها الحركات المسلحة، المكون العسكري بالمماطلة في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية في اتفاق جوبا، عقدت القيادات العسكرية بالمجلس السيادي؛ اجتماعات مع قيادات الحركات لتوضيح التعقيدات الإدارية والمالية التي تعترض التنفيذ.

وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ«التغيير»، فإن عضو المجلس الفريق الركن ياسر العطا كان هو ممثل العسكريين في هذه الاجتماعات.

وتبرز أهمية هذه القضية التي وجدت طريقها من قاعات الإجتماعات إلى وسائط الإعلام، من كون خلافات الجيش والحركات المسلحة، تضع البلاد عموماً والعاصمة خصوصاً تحت ظلال بنادق «7» جيوش كاملة تنتظر أن تصبح جيشاً وطنياً واحداً وبعقيدة موحدة.

مهددات وتحديات

حساسية الخلافات بين الحركات المسلحة والجيش تعود لوجود مكونات عسكرية غير موحدة في عقيدة قتالية واحدة- وفق الخبير الاستراتيجي راشد محمد الشيخ، الذي طالب بإدارة الملف بحكمة خوف الانحدار نحو العنف.

فيما كان نائب رئيس هيئة العمليات العسكرية الفريق خالد عابدين الشامي، أقر بأن التحديات تكمن في عدم توفر الموارد المالية المطلوبة لتنفيذ الاتفاق.

وأكد الشامي الذي مثل الجيش خلال ندوة حول الترتيبات الأمنية نظمها مركز ارتكل السبت الماضي، تسليمه الميزانية المقررة لوزيرة المالية السابقة بعد أسبوع واحد من توقيع الاتفاق، في يوم 10 أكتوبر 2020م دون أن يتم توفيرها حتى الآن.

ملف الترتيبات الأمنية: العسكر يطلبون مهلة حتى منتصف يونيو

ويتفق عضو المفاوضات شمس الدين الأمين ضو البيت، مع حديث الفريق الشامي حول أن الموارد تعتبر هي العقبة الحقيقية خلف عدم تنفيذ الاتفاق.

وعدد ضو البيت، في حديثه مع «التغيير» من جوبا عاصمة جنوب السودان، متطلبات تنفيذ الترتيبات الأمنية المتمثلة في تحديد المعسكرات لتجميع القوات والأسلحة، وتدريبها وإعادة تأهيلها ونشرها داخل إقليم دارفور.

وقال: «هذه العملية مكلفة وتحتاج لإعدادات فنية كثيرة».

مخاوف الاحتقان

تأخر تنفيذ الترتيبات الأمنية يؤدي إلى احتقان بين المكونات العسكرية، ومسبباته وفق الخبير راشد الشيخ، تعود لانشغال الحكومة بجولات مفاوضات جديدة في جوبا، إلى جانب الضغوط الاقتصادية بالبلاد والتقاطعات الإقليمية المرتبطة بقضيتي الحدود وسد النهضة.

وأكد الشيخ ضرورة وضع مستحقات السلام في أعلى هرم الأولويات، وأن ينال ملف الترتيبات الأمنية الأولوية القصوى.

وطالب الدولة بالمضي في تحديد معايير الدمج والتسريح، والمساهمة أيضا في دمج المسرحين في المجتمع حتى لا يعودوا لحمل السلاح.

الحركات المسلحة- بحسب بيانها الذي أصدرته؛ تنفي أن تكون الموارد المالية هي السبب، وتتهم الحكومة بعدم امتلاك الإرادة السياسية لتنفيذ بند الترتيبات الأمنية، وهو ما يتخوف ضو البيت من انعكاساته السلبية على أي ترتيبات أمنية قادمة مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، أو مستقبلاً مع حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور.

وأشار ضو البيت إلى أن الحركات التي لم توقع ستبحث عن ضمانات وستثير قضية تأخر تطبيق الترتيبات الأمنية مع الجبهة الثورية.

واختلف الخبير الإستراتيجي الشيخ مع ضو البيت، وقطع بأن تأخر الترتيبات الأمنية لا يلقي بظلال سالبة على مفاوضات الحكومة مع الحلو.

وأشار لوجود تعقيدات أخرى في ملف التفاوض مرتبطة بارتفاع سقف مطالب الحركة الشعبية المرتبط بتغيير توجه الدولة.

واستدرك الشيخ بإمكانية تأثير الأمر على المجال التفاوضي الكلي، ونوه إلى ارهاق تطاول العملية التفاوضية للدولة خاصة مع الفوارق في الوضعيات السياسية التي تفتح الباب أمام الاستقطاب والاستقطاب المضاد.

اهتزاز الثقة

ويرى خبراء أن الاتهامات التي وجهتها الحركات المسلحة للمؤسسة العسكرية بتجنيد قوات باسمها، والتي جاءت بصورة مباشرة من نائب رئيس الحركة الشعبية ياسر عرمان، تكشف انعدام الثقة بين الجانبين.

من جهة أخرى، كشف مصدر عسكري رفيع لـ«التغيير»، عن توقيع حركة على اتفاق سلام جوبا من إحدى دول الجوار.

وأشار المصدر إلى اختلاف كبير في عدد قوات الحركات التي قدمتها في كشوفات حصر القوات؛ بين الميدان وبعد توقيع اتفاق سلام جوبا.

وقال: «الأعداد تضاعفت ثلاث مرات».

وتحدث المصدر العسكري عن مخالفة الحركات المسلحة للاتفاق بحصر قواتها في أماكنها، وتمت الاستعانة بأعداد كبيرة منهم داخل العاصمة بوصفهم حراسات.

وقطع بأن الكثير من المشاكل الأمنية التي تدور في الحدود سببها منسوبو بعض الحركات والذين مازالوا يعملون كمرتزقة في بعض دول الجوار، ونوه إلى إدخالهم للسيارات الشهيرة بـ«البوكو حرام».

وأوضح المصدر لـ«التغيير»، أن تلك السيارات في الغالب يتم منحها للمقاتلين كمكافآت بعد أن يقوموا بدخول المدن ونهبها.

مخاوف أمنية من تأخر دمج الحركات المسلحة في الجيش

من جانبه، طالب الباحث والأكاديمي النور حمد، بضرورة المعالجة الحكيمة لقضية الترتيبات الأمنية.

وأشار إلى الضرر الكبير الذي تحدثه الأقلام التي تدعو في مواقع التواصل الإجتماعي بالدمج الفوري للقوى المسلحة؛ ووصفها بـ«التهريج الفج».

وطالب حمد الجميع بالحرص على استقرار واستمرار الفترة الانتقالية على الرغم من المشاكل التي تحيط بها، ووسم الخيارات البديلة «الانتخابات المبكرة، أو الانقلاب العسكري» بـ«القنابل الموقوتة».

وكان العسكريون في المجلس السيادي الانتقالي حسموا سيل الاتهامات المتبادلة بمطالبتهم للحركات بمهلة حتى منتصف يونيو الحالي للدفع بملف الترتيبات الأمنية نحو التنفيذ، بعد أن ظل طوال سبعة أشهر حبراً على ورق.

وبحسب مصدر مطلع وافقت الحركات على طلب القيادات العسكرية، ووصفت تاريخ المهلة بالقريب.

ضمانات الترويكا

وعبر مصدر عسكري رفيع لـ«التغيير»، عن سعادته بتوقيع «الترويكا» كشاهد على اتفاق سلام جوبا- وإن جاء متأخراً- وأكد مساهمته بشكل كبير في دعم عملية السلام ككل وتنفيذ الترتيبات الأمنية بشكل خاص.

من جانبه، اعتبر الخبير الاستراتيجي الشيخ، الخطوة دفعة سياسية كبيرة وتترتب عليها في الوقت نفسه التزامات اقتصادية.

واشار إلى ان مجمل التقديرات لتكلفة تنفيذ اتفاق سلام جوبا تبلغ «18» مليار دولار.

وكان دول الترويكا «أمريكا، بريطانيا والنرويج»، أكدت أن توقيعها على الاتفاق دعما لاتفاق السلام، وطالبت في الوقت نفسه بضرورة تنفيذ البنود الرئيسة في الاتفاق، والتي من بينها تشكيل القوة العسكرية المشتركة مع إنشاء آلية لمراقبة وقف إطلاق النار.

وشمل اتفاق سلام جوبا تكوين قوة عسكرية قوامها «12» ألف جندي نصفهم من القوات النظامية والنصف الآخر يضم منسوبي الحركات المسلحة لتحل محل بعثة اليوناميد في حفظ السلام بدارفور بعد إكمال الدمج وفق ما تم الاتفاق عليه في بروتوكول الترتيبات الأمنية.

وربطت دول «الترويكا»- بحسب بيان- وقوفها إلى جانب السودان وشعبه بإحراز تقدم في تنفيذ اتفاق السلام.

اتفاقات قادمة

الجدل الكثيف الذي دار في ملف الترتيبات الأمنية مع الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، أثار تساؤلات حول وضع جيش الحلو الذي وصفته القيادات الرفيعة بالجيش السوداني بـ«القوي والمنظم».

وأشار شمس الدين ضو البيت، إلى أن إعلان المبادئ الذي وقعه رئيس المجلس السيادي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع الحلو نهاية مارس الماضي، شمل بنداً يتحدث حول وجود جيش قومي مهني واحد يعمل وفق عقيدة عسكرية موحدة ويلتزم بحماية الأمن القومي وفقا للدستور.

وأضاف: «شمل البند ضرورة أن تعكس المؤسسات الأمنية التنوع والتعدد السوداني، وأن يكون ولاؤها للوطن وليس لحزب أو جماعة».

وقال ضو البيت لـ«التغيير»، إن الفقرة «3» من إعلان المبادئ أشارت إلى تدرج عملية الدمج حتى نهاية الفترة الانتقالية وبعد حل علاقة الدين بالدولة.

وتستمر عملية الدمج والتسريح طوال عمر الفترة الانتقالية المقررة بحسب اتفاق سلام جوبا بـ«40» شهراً.

وقطع ضو البيت بأن المبدأ العام حول الجيوش هو الدمج.

واكد أن أي اتفاق مستقبلي يشمل حركة وجيش تحرير السودان سيتم التعامل معه بذات المنهجية.

ويشمل اتفاق الترتيبات الأمنية باتفاق سلام جوبا الذي وقعته الحكومة مع الحركات المسلحة أربعة بنود رئيسية هي: «وقف إطلاق النار، الدمج، نزع السلاح والتسريح، وإصلاح وتطوير الأجهزة الأمنية».

وكان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي صديق يوسف، عاب على اتفاق جوبا مخالفته للسائد في العالم، وقال في حديث سابق لـ«التغيير»: «عملية دمج القوات يجب أن تبدأ بنزع السلاح، ثم التسريح فإعادة الدمج».

وأشار إلى أن اتفاق جوبا قام بعكس ذلك والبداية بالدمج.

كما اعترض يوسف على بقاء القوات تحت إمرة قادتها حتى نهاية الفترة الانتقالية.

السؤال الكبير

“احتكار العنف” هو أهم خاصية في وصف وتعريف الدولة، ولذلك فإن تكوين جيش وطني واحد بعقيدة قتالية واحدة بدلا من حالة “تعدد الجيوش”  من أهم التحديات التي تواجه السودان في هذه المرحلة، وما زال التقدم نحو احراز هذا الهدف تعترضه تعقيدات سياسية ولوجستية من العيار الثقيل، لا سيما وان القوات المسلحة نفسها الان تتكون من الجيش السوداني  وقوات الدعم السريع ذات الاستقلال المادي والاداري التي ألحقت به في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير بشرط ان تكون تابعة مباشرة للقائد الأعلى للقوات المسلحة، والقائد الحالي لهذه القوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) له مصالح سياسية واقتصادية بل ومخاوف شخصية تتطلب احتفاظه بقوة عسكرية ضاربة فكيف يمكن دمج الدعم السريع سلميا في الجيش وإنهاء وضعيته الحالية؟ وكيف يمكن دمج جيش الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز آدم الحلو وقوات عبد الواحد الذي لم يبدأ التفاوض معه بعد، بالاضافة الى دمج قوات الحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام؟ وكيف يمكن نزع السلاح مما يسمى “بكتائب الظل” وهي تشكيلات مسلحة تابعة للنظام البائد؟ وكيف يتم جمع السلاح المنتشر بكثافة في أيدي الأهالي في مناطق النزاعات والذي يهدد السلم الأهلي؟

كل هذه أسئلة صعبة تنتظر إجابات سياسية واقتصادية وتنموية سابقة للترتيبات الفنية والإدارية واللوجستية.

 

تعليق واحد

  1. ياتو موارد مالية ؟ دمج هذه الحركات واعطاءها امر تحرك نحو وحداتها ومعسكراتها لا يحتاج لموارد مالية أكثر من التي يأخذونها كمرتبات فالمعسكرات والثكنات موجودة والتدريب واعادة التأهيل يتم فيها .. لو قرأنا المشهد جيدا وأدركنا كيف تدار الأمور بهذا العبث وانعدام الكفاءة والفعالية لأدركنا أن كل القرارات المهمة يتخذها شخص واحد وأن شخص واحد لأسباب خاصة لا علاقة لها بالمهنية من الممكن أن يعرقل توزيع هذه القوات على وحداتها
    من الممكن أن يقتنع عشرة أشخاص لا كفاءة لهم ولا خبرة ومترددين بكلام شخص واحد حتى لو كان هذا الشخص غبيا وجاهلا ومعدوم الكفاءة مثلهم وبهذه الطريقة العشوائية أدار البشير والكيزان السودان ولا زال نفس الأسلوب مستمرا
    يجب حل هذه القوات بما فيها الدعم السريع وتقسيمها وارسال كل قسم الى وحدات ومناطق مختلفة ومسؤولية هذا الأمر تقع على عاتق وزير الدفاع ولا أحد غيره وأي أحداث تقع أو وقعت منذ الاطاحة بالبشير هي مسؤوليته وأنا أستغرب الكلام عن لجنة تحقيق في فض الاعتصام فالأمر لا يحتاج .. جيبو وزير الدفاع ووزير الداخلية الذين حدث في عهدهما فض الاعتصام ووجهوا لهما تهمة قتل المتظاهرين فان لم يثبت عليهما التهمة فتهمتهما التقصير في معرفة ومنع هجوم مسلح وقع على مواطنين اما ما تقوله لجنة التحقيق عن أجهزة فنية لتحليل الفيديوهات فهذا كلام مخابيل ولابد ان الاتحاد الافريقي الذي طلبوا منه هذه المعدات لا يزال حتى الان لا يفهم ما الذي قصدته لجنة التحقيق تلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى