أعمدة ومقالات

لجان المقاومة.. «ترس» الثورة المنيع

أمل محمد الحسن

أصدرت لجان المقاومة في عدد من أحياء الخرطوم بيانات تندد بالعنف الذي ظهر في بعض “التروس” وظواهر السلب والحرق، وتؤكد رفعها للتروس التي كانت وضعتها احتجاجا على تحرير سعر الوقود.

ما فعلته تلك اللجان من رفضها للعنف واستدراكها للاستغلال الذي يحدث لحركات المقاومة السلمية، يؤكد مدى الوعي الثوري لدى هؤلاء الشباب اليفع، الذي يرتب أولوياته ويحدد أهدافه بوضوح ويمضي نحو تنفيذها بدقة وصرامة.

بالنسبة لتلك اللجان وسم الاحتجاجات بالعنف والسماح لقوى الثورة المضادة بتشويه صورتهم لدى الشعب السوداني؛ عبر وسمهم باللصوصية والعنف، أمر أسوأ من ارتفاع أسعار الوقود وجميع السلع.

ما بناه الثوار من بنات وأبناء الشعب السوداني من صورة مبهرة عبر قيادة ثورة ديسمبر المجيدة بسلاح السلمية، واسقاط واحدة من أعتى الديكتاتوريات في القارة الأفريقية، رسم صورة مختلفة للسودان والسودانيين حول العالم، تختلف عن صورة الذل والجوع التي دمغنا بها سدنة النظام المباد.

شباب وشابات لم يخلفوا ميعاد انطلاق المواكب والمظاهرات يوما، لم يكن خروجا سريا، بل كان موعدا مضروبا معلوما، في وضح النهار، تسبق هتافاته زغاريد النساء تأتي صاخبة وسط صمت مهيب، تجعل الأبدان تقشعر والحناجر تذبح بحماس الهتافات.

هذا هو الجيل “الراكب راس”؛ الذي ناطح وقاحة البنادق بصدور عارية، شباب ضلوعهم تكاد تلتصق من نحافة الأبدان، إلا أن ما في القلب من غضب كان صاخبا وهادر، وكانت التروس لا تحمى سوى بالأيدي ذات القبضات المضمومة بقوة، كأن الكف الخالي يقبض تلابيب حلم لا يرغبون في افلاته، الحلم بالحياة الكريمة والأمل في غد أفضل مما كان.

ما تفعله لجان المقاومة الآن من انتزاع حق الهتاف العلني، والخروج للطرقات دون تحديد مسار الهروب من مطاردة سيارات أمن “البشير” أمر لم يأت عبر عطايا ولا منح، مات لأجله شباب في أولى سنوات زهو الشباب، وفقد بعضهم أعضائه، واختفى قسريا البعض، فلا عرف أهلهم أأحياء ينتظرونهم أم أموات يأخذوا فيهم واجب العزاء ويسمحوا للأهل والأصدقاء بالبكاء في أحضان بعضهم البعض، لعل بعض الألم الذي يحفر عميقا في الضلوع يخبو!

التقيت بعض شباب المقاومة، من لا يملكون مالا ولا وظيفة، يقفون في وجه الوزراء ويهتفون ويصرخون ويطالبون بالشفافية، وبعضهم ينام في الأفران حارسا الدقيق من التهريب، وبعضهم يعمل في الخريف ينقذ ويحمي ويترس، لم يدفع أحد لهؤلاء راتبا شهرياً، ولم يطلب منهم أحد أن يفعلوا ما فعلوه، هو حب الوطن، وهو البقاء على العهد مع الشهداء، ألم يقل الشهيد عبد العظيم :”تعبنا يا صديقي.. لكن لا أحد يستطيع الاستلقاء أثناء المعركة”!

والمعركة لم تنتهي حقا، ولم نعبر بعد ولم ننتصر، مازالت هناك قوى تكافح لتعود بنا إلى الوراء كثيرا، مازال فلول “الكيزان” يكافحون للعودة، فهم لا يستطيعون أن يفطموا من جبروتهم أو يوقفوا سرقاتهم من قوت المساكين.

لكن وعي لجان المقاومة وضع “ترسا” أمام أحلام المجرمين، أن هيهات تعودوا بنا لعهد الدولة الأمنية، دولة اللصوص التي سرقت ثروات الوطن، وأحلام الشباب وعمر الكثيرين، بعد أن جثمت على صدورنا ثلاثة عقود طوال.

الأوضاع الاقتصادية سيئة، والناس يكافحون من أجل الحياة، وما زال الطريق طويلا لتحقيق العدالة ورؤية المجرمين من رموز النظام البائد قد حوكموا، وآثارهم كنست من مؤسسات الدولة، ومازال للثورة مشوار طويل تمشيه حافية الأقدام حتى تدمى من أجل بناء دولة تشبه الدول من حولنا، بطرقها وقطاراتها وطائراتها، واستثمار خيراتها.

نعم؛ لم تنجز الثورة كل ما تريد، ويعلم أبناء وبنات لجان المقاومة أن الهدم “هين” ولكن البناء والتعمير مسيرة أطول وأكثر كلفة، ويعلمون أكثر أنها ثورة لانتزاع الحق في الحياة الكريمة، وليست ثورة من أجل قطعة خبز!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى