تقارير وتحقيقات

ضغوط أمريكية على السودان للتراجع عن قاعدة روسية في البحر الأحمر

 

كثيرٌ من الجدل، أثاره تصريح الخرطوم بأن الاتفاق مع موسكو على إنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر ليس ملزماً لها، لأنه يتضمن بنوداً قد تضر بالبلاد، فسارعت الأخيرة إلى نفي انسحاب السودان من الاتفاق مع الإقرار بإمكانية تغيير النص، لكن كلا الطرفين لم يقدم إجابات شافية، فيما تباينت ردود فعل القوى السياسية السودانية.

الخرطوم:التغيير: علاء الدين موسى

عاد السباق نحو ساحل البحر الأحمر مجدداً، بين أمريكا وروسيا، بعد اتفاق موسكو مع الخرطوم إبان العهد البائد على إقامة قاعدة عسكرية.

لكن حكومة الفترة الانتقالية لم تعترف بهذا الاتفاق وأكدت أنه لم تتم إجازته من الجهات التشريعية، ورغم ذلك تتمسك روسيا بسريان الاتفاق وعدم تنصل السودان عنه، وهو ما يطرح أسئلة حول الهدف منه، وما هو الموقف الأمريكي حيال ذلك؟ وكيف تنظر القوى السياسية السودانية للأمر؟

ساحل جاذب

ويعتبر الساحل السوداني البالغ طوله «850» كلم، والممتد من حلايب وشلاتين إلى رأس كسار جنوباً، ثاني أطول ساحل على البحر الأحمر بعد السعودية، مما جعله مكاناً للتجاذب للسيطرة عليه، خاصة بين أمريكا وروسيا.

ويرى مراقبون أن السباق الأمريكي الروسي يمكن أن يعيد الخلافات التي حدثت بينهما سابقاً في التزاحم على السواحل الجيبوتية.

وأشارت مصادر إلى أن الاتفاق الذي لم يصادق عليه السودان لا يعد ملزماً حتى وأن وقع عليه سراً الرئيس المخلوع، عمر البشير.

وأكدت مصادر لـ(التغيير)، أن السودان يتعرض لضغوط من أمريكا لإلغاء الاتفاق مع روسيا والذي وقعه الرئيس المخلوع في خواتيم حكمه.

وأوضحت أن الروس يحاولون فرض أمر واقع من خلال استمالة بعض العسكريين.

وتوقعت المصادر أن تكون ردة فعل الروس بكشف الفاسدين في صفقات مشبوهة.

تغيير النص

وكانت روسيا أكدت على لسان وزارة خارجيتها أن نص الاتفاق مع السودان حول إقامة قاعدة للقوات البحرية الروسية في أراضيه قد يتغير، وشددت على أن موسكو مهتمة بتعزيز التعاون مع الخرطوم.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا خلال مؤتمر صحفي، الخميس: «هذا الاتفاق تم توقيعه في الخرطوم يوم 23 يوليو 2019م من قبل مسؤول مكلف للمجلس العسكري الانتقالي في السودان، أي بعد تغيير النظام السياسي في السودان».

وأضافت: «بالتالي يمكن حتى دخول الاتفاق حيز التنفيذ بإجراء تغييرات جوهرية في نصه بالتنسيق بين الطرفين وفي حال وجود مبادرة لذلك من قبل أي منهما».

مراجعة الاتفاق

وكانت موسكو، نفت انسحاب السودان من اتفاق إقامة منشأة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر، وقالت إن هناك أسئلة استجدت.

وقال نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوقدانوف طبقاً لوكالة إنترفاكس للأنباء: «أعتقد أنه يمكن دائماً التوصل إلى حل وسط.. لم يستنكروا الاتفاق ولم يسحبوا توقيعهم». وأضاف: «لديهم بعض الأسئلة التي استجدت».

وأعلن السودان في وقت سابق، مراجعة اتفاق استضافة القاعدة الروسية الذي تم التوصل إليه في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير قبل الإطاحة به في أبريل 2019م.

وأوضح رئيس أركان القوات المسلحة السودانية محمد عثمان الحسين، أن مراجعة الاتفاق بشأن إنشاء المركز تقررت لأنه يتضمن بعض البنود التي كانت إلى حد ما مضرة بالبلاد.

واعتبر أن الاتفاقية غير ملزمة طالما لم تعرض على المجلس التشريعي ولم يتم التصديق عليها.

وهذا ما أكده  رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان بحسب «الشرق» وقال: «لم نلغ القاعدة الروسية ويتم الآن التفاهم على كيفية صياغة الاتفاق مع موسكو».

مسودة الاتفاق

وكانت مسودة الاتفاق كشفت عن اعتزام روسيا إنشاء قاعدة بحرية في البحر الأحمر بالسودان لتزويد أسطولها بالوقود.

وتنص الوثيقة الأولية على إنشاء مركز دعم لوجستي في السودان يمكن من خلاله تأمين تصليحات وعمليات التزويد بالوقود واستراحة أفراد طواقم البحرية الروسية.

وتنص أيضاً على أنه يحق لروسيا أن تنقل عبر مرافئ ومطارات السودان أسلحة وذخائر ومعدات ضرورية لتشغيل هذه القاعدة البحرية.

ويشير النص إلى أن الاتفاق سيكون نافذا لمدة «25» عاماً، بعد تجديد تلقائي بعد مرور عشر سنوات إذا لم يطلب أي من الطرفين إنهاءه مسبقاً.

وكان الكاتب فيدور فانيلتشينكو كتب في «موسكوفسكي كومسوموليتس»، أن قرار السلطات السودانية يرجع إلى ضغوط خارجية، وتحديداً من اشنطن.

في وقت نفى فيه البرهان، تعرض السودان لضغوط من الولايات المتحدة الأمريكية، وقال طبقاً لـ«الشرق»: «لا يوجد أي ضغوطات أمريكية فيما يخص القاعدة الروسية في السودان».

الشيوعي يرفض

وشدد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف، على رفض الحزب القاطع لقيام أي قاعدة عسكرية بالبحر الأحمر، أو أي تحالفات مع المحاور.

وقال لـ(التغيير)، إن قيام القاعدة العسكرية لروسيا أو أمريكا بالبحر الأحمر مرفوضة تماماً.

وأضاف: «رأي الحزب واضح منذ 58 عندما أرادت أمريكا إنشاء قاعدة عسكرية في البحر الأحمر ولم يتغير».

وتابع: «نحن ضد أي تحالف مع الروس والأمريكان والسعودية والإمارات».

وأكد أن الشعب السوداني ليس بحاجة إلى أي حماية خارجية أو جعل السودان مسرحاً للصراعات الدولية.

منطقة نفوذ

من جانبه، أكد رئيس الحزب الاتحادي الموحد محمد عصمت يحيى، أن السودان خلال تاريخه الطويل لم يعرف الأحلاف العسكرية بل كان أحد الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز مع القادة العظام، كما لم يعرف القواعد العسكرية الأجنبية على أرضه أو داخل حدوده البحرية.

وقال لـ(التغيير)، إن النظام البائد في سبيل البقاء وحماية مصالحه لجأ لروسيا ويشهد على ذلك فيديو شهير يطلب فيه المخلوع الحماية من الرئيس الروسي آنذاك.

وأضاف: «يبدو أن إنشاء القاعدة الروسية بدأ منذ تلك الزيارة».

وتابع: «لذلك من الطبيعي أن ترفض الولايات المتحدة الأمريكية إنشاء هذه القاعدة في المنطقة الحساسة والتي تعتبر منطقة نفوذ للولايات المتحدة من خلال علاقتها مع الدول المحورية في المنطقة».

وأوضح عصمت أن موقع السودان الجيوسياسي، يعلم الكل أهميته السياسية والعسكرية، ولابد أن يعيش هذا التجاذب ما بين الروس والأمريكان.

وأكد أن هذا التجاذب يجب أن يخضع في النهاية للمعيار في العلاقات الدولية وهي المصلحة العليا للدولة السودانية.

وأشار إلى أن السودان الآن- وبكل صراحة- يعتمد في إدارة العملية الإصلاحية لاقتصاده على الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، وهذا من المعلوم في السياسة بالضرورة.

وزاد: «لذا التعامل مع هذه القضية يجب أن تتم معالجتها في الإطار وهو المصلحة العليا لسودان كما ذكرنا آنفاً».

أطماع

واتفق عضو مجلس الشركاء المستقيل، القيادي بقوى الحرية والتغيير جمال إدريس الكنين، مع عصمت بأن القاعدة الروسية أنشئت في عهد المخلوع بعد زيادة الضغوط من الولايات المتحدة.

ووصف ما حدث بمثابة التكتيك وأن المخلوع كان مستعداً لبيع السودان في سبيل البقاء في الحكم.

وشدد على موقف الحرية والتغيير الرافض للمحاور الإقليمية والدولية.

وقال الكنين لـ(التغيير): «موقفنا ضد إنشاء القواعد منعاً للانغماس في المحاور الدولية».

وأضاف: «نحن مع الحياد التام لدولة السودانية تجاه أي من المحاور».

وتابع: «علينا أن ننأى بالسودان من أي صراعات يمكن تنشأ في المنطقة».

وزاد: «لا نريد أن ندخل في أي  صراع مع أي جهة حتى نتفرغ لوحدتنا وتحقيق السلام ولا نتيح فرصة لقيام قواعد في البحر الأحمر».

وأشار الكنين لوجود أطماع في البحر الأحمر، واتهم دولة الكيان الصهيوني بجر الولايات المتحدة لاستباحة المياه الإقليمية للسودان للسيطرة عليها.

وطالب بحل القضية مع الروس بشكل ودي، وقال إن العلاقة مع روسيا مهمة لأنها تشكل قوة لا يستهان بها.

ونادى بضرورة إيقاف العلاقات المشبوهة مع روسيا التي عملت على نهب الذهب من السودان من خلال عصابات شركات إرهابية.

مسارات قانونية

بدوره، قال الخبير القانوني د. نبيل أديب، إن الاتفاق الذي تصادق عليه الدولة بواسطة أجهزتها الشرعية هو اتفاق ملزم لها.

وأضاف لـ(التغيير): «لكن يجوز لها في كل وقت أن تحتج على المعاهدة بأنها قد تمت بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي».

وتابع: «لأي دولة أن تتصرف في هذا الشأن وفق التعامل المعتاد وبحسن نية».

وأشار أديب إلى أن سلطة ممثل الدولة في الاتفاقية خاضعة لقيد معين، فلا يجوز الاحتجاج بإغفال الممثل مراعاة هذا القيد كسبب لإبطال ما عبر عنه من رضا إلا إذا كانت الدول المتفاوضة الأخرى قد أخطرت بالقيد قبل قيام الممثل بالتعبير عن هذا الرضا.

وأكد أن المادة «48» من القانون تجوز للدولة الاحتجاج بالخطأ في المعاهدة كسبب لإبطال رضاها.

وقال: «يجوز للدولة التي عقدت المعاهدة بسلوك تدليسي لدولة متفاوضة أخرى أن تحتج بالتدليس كسبب لإبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة».

وأضاف: «إذا تم التوصل إلى تعبير الدولة عن رضاها الالتزام بالمعاهدة عن طريق إفساد ممثلها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبل دولة متفاوضة أخرى فإنه يجوز لتلك الدولة أن تحتج بالإفساد كسبب لإبطال رضاها الالتزام بالمعاهدة».

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى