أعمدة ومقالات

مزالق السلطة وسقوط الأكاديميا

عادل حسن إبراهيم

مدرسة سريالية مميزة فى فرادتها وغرابتها هى السريالية السياسية السودانية فالطبقة السياسية المهيمنة وهي تمارس عنادها وتمردها المستمر على أحلام ورغبات الجماهير بعد كل ثورة شعبية لا تفتأ ترفد المشهد العام برسم وتخطيط لوحات العبث واللامبالاة، دونما أدني تفاعل أو حساسية أو إكتراث لحمولة التراكمات التي فجرت غضب الجماهير ودفعت بها لقلب طاولة الحكم وإعلان مطالبها الفورية بالتغيير، وكأنها تستخسر هذا الحق العام والرغبة الشعبية فى الحياة الطبيعية حتى على أدني مستويات بديهياتها مثل كل البشر فى هذا العصر، بل أنها وفي إمتطاء جريء لمنجزات الثورة لم تتورع وعبر ممثليها الجدد في السلطة من التقريع بالشباب الثائر وإستهجان إصراره على تنفيذ مطالباته، فهى تعتقد أن الثورة قد إكتملت وأن التغيير قد حدث بتسنمها هى لمقاليد السلطة وعلى الجماهير التى قد إنتهى دورها أن تعود إلى حياتها المعتادة.

ما الذى يغذي الطبقة السياسية السودانية بهذا السلوك الإستعلائي ويفتح شهيتها لإعادة إنتاج نفسها بجلد سياسي جديد لدورة ديكتاتورية جديدة بعد كل حراك جماهيري واسع؟ وكيف يتسني لها وبهذه السلاسة وفي كل مرة خداع الجماهير وسحب زمام السلطة من يدها؟

فى إعتقادي أن السبب فى ذلك يعود إلى طبيعة ِبنية هذه الطبقة التي أشرف على صياغتها وهيكلتها المستعمر البريطاني بمنهجية ودقة متناهية قبل خروجه ومن ثم عمدها (بالإستقلال) بعد ضمان ولائها وتشكلها داخل شرنقة تبعيته.

وخلافاً لما حدث في مستعمرات أخرى كالهند مثلاً حيث تبلورت إنتلجنسيا بوعي إستقلالي قومي نهضوي وسند جماهيري قاعدي واسع، فإن دور الإنتلجنسيا السودانية كان ُملحقاً وتابعاً للقيادة الطائفية الدينية التقليدية المستندة على ولاء الرعية، ولعلّ هذا هو ما يفسر ضعف تأثيرها ومحدودية وهشاشة الصراع الفكري الذى كان يدور فى أوساط المثقفين ومؤتمر الخريجين آنذاك، مما أعجزها عن إنتاج خطاب جماهيري بأفق مستقل عن الولاء الطائفي وأصبحت جزءاً مكملاً لنادي الطبقة السياسية المهيمنة بعد أن قامت القيادة الطائفية بتأمين سلطتها عن طريق إلحاق الشريحة العسكرية بهذا النادي.

وهكذا ما بين براثن أحضان السُلطة ومزالقها ينضب معين الثقافة وتسقط الأكاديميا بنظرياتها فى لجة أمواج بحر مصالح ورغبات الطبقة المهيمنة وتصب فى مساراتها العنيفة لتسحق الطبقات الهشة الفقيرة وتجرفها بعيداً هناك إلى هامش الحياة.

فى الحقيقة إن إرشيفات وأدبيات النخبة السودانية المُهيمنة بكل زخمها المبجل وحديثها المكرور عن الإستقلال والسيادة الوطنية تصير فى النهاية محض خداع للشعب أولاً ولنفسها هي ثانياً، ففي واقع الأمر هى تعرف أنها مُستلبة ومُعمدةُ بإستقلال زائف لكنها إرتضت ذلك الإرتهان مقابل الإمتيازات، وهي طيلة ما يقارب الخمسة وستون عاماً منذ إضطلاعها بهذه الوظيفة ظلت تطور أدواتها وتتبادل الأدوار فى أعلي هرم السلطة حتى جاء دور متحور جديد من داخلها أكثر شراسةً وجشعاً وعنفاً هو (متحور الرأسمالية الطفيلية) المُغلف ببروتين الإسلام السياسي، ولعلّ ما يجدر الإشارة إليه هنا هو أن نواة هذه الشريحة المتحورة الجديدة وقبل أن تصل إلى قمة السلطة، كانت قد تشكلت وتبلورت فى الأساس من داخل طبقة الإنتلجنسيا الأكاديمية، وهي من فرط تطرفها وشراهتها للسلطة لم ترحم حتى حلفائها من النادى السياسي الذين على أكتافهم تسلقت السلطة، وكمثل جائحة وبائية عاثت فى البلاد قمعاً وتدميراً وفساداً غير مسبوق مما أدي إلى تبلور وعي جماهيري واسع بضرورة إجتثاثها من جذورها، هذا الوعي الذى تُوج بثورة ديسمبر التى أسقطت رأس النظام وأبهرت العالم بسلميتها وقوة شعاراتها.

وها هو الآن نادي الطبقة السياسية المهيمنة بلاعبيه القدامي والجدد يحاول أن ُيعيد ترتيب صفوفه بتكتيكات جديدة وفقاً للمستجدات التى أفرزتها ثورة ديسمبر ولكنه وبسبب ِبنيته التابعية لا يثق أبداً فى الحركة الجماهيرية لا يستطيع فكاكاً من تبعيته للخارج، ولكن أيضاً فى المقابل فإن الحركة الجماهيرية ورأس رمحها الشباب لم تعد كتلك التى كانت فى أكتوبر 64 أو أبريل 85، فهى الآن قد راكمت ما يكفي من التجربة والخبرة لإبتكار وسائل جديدة تضمن حماية مكتسباتها.

إن الدرس المستفاد من ثورة ديسمبر والذي يجب أن تعيه جيداً الطبقة السياسية المهيمنة هو أن عنف الدولة واستخدام فزاعة الآلة العسكرية ومهما تعاظمت فعندما توجه ضد المواطنين لن تستطيع هزيمة إرادة الشعب، ذلك لأن إصرار وعزيمة الإرادة الشعبية هى القوة المجربة فى تعرية وكشف خطل وفداحة الممارسات والمبررات السياسية التى تشكل غطاءً للعمل العسكري، فكل هذه المظاهر العسكرية التى خلفها النظام المباد ستبطل فاعليتها تلقائياً بمجرد إنكشاف الغطاء السياسي المخاتل الذى يقف من ورائها.

فالجيل الجديد وبفضل التطور التقني الهائل والتدفق المعلوماتي غير المحدود أصبح أكثر شغفاً بالمعرفة وبالفكر وبالثقافة كوسائل وأدوات تفتح مدارك الإنسان لتشكيل وترميم وإعادة إنتاج الحياة بما يتسق مع أحلامه وتصوراته للمستقبل، فهو جيل أكثر إيماناً بأن بناء المستقبل يبدأ بإعادة بناء الإنسان كشرط لدينامية فعل التغيير، وقد رأينا كيف تفجرت هذه

الطاقات الإبداعية بتلك الكثافة المدهشة إبان إندلاع الثورة، ولا نزال الآن نشهد هذا الثراء فى الإنتاج الأدبي والفكري والثقافي من شعر وتشكيل وفن ورواية ومسرح وغيرها.

ما لا تستطيع النخبة السياسية أن تفهمه وتفتقر إلى الحساسية الكافية لإستيعابه هو أن هذا العصر هو عصر المعرفة ويختلف جذرياً عن ما كان سائداً فى الدولة ما بعد الكولينيالية، ولم تعد السياسة وحدها هى بنية الدولة الفوقية ووسيلة الهيمنة، ولا الأكاديميا وحدها كافية لإكتساب المعرفة فقد تحطمت كل القيود التى تحد من ذلك وإتسع حقل المعرفة على أفق غير محدود لا يقيده عدا شرط واحد هو الشفافية، ولأن الجيل الجديد برهن بالفعل تمتعه بمثل هذه الحساسية والشفافية فإذن هو الأكثر تأهيلاً وترشيحاً لإمتلاك قوة المعرفة وبالتالي إمتلاك المستقبل.

إن التكتلات الثقافية والفكرية المتنامية بمنابرها ونوافذها المختلفة التى تشتغل على الإحياء الإجتماعي والثقافي المُتصل بعصرنة وتطوير القيم والتراث السوداني والإنساني ستبلور بنية أساسية وقاعدة صلبة لبناء دولة قومية عصرية تحترم الإنسان وتكرمه وتحتفي به وذلك بعد توثيق كل تاريخ الفظائع والمآسي التى إرتكبتها الديكتاتوريات المتعاقبة على مر الحقب وتحريزها فى مزارات ومتاحف لتعتبر منها الأجيال القادمة كميراث ُمخزي إستطاع هذا الجيل تجاوز جراحه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى