أعمدة ومقالات

عزيزاتي النسويات

رشا عوض

لم تكن الزميلة والصديقة أمل هباني موفقة في طريقة تناولها لموضوع التعدد في البوست المثير للجدل الذي خلاصته( ان المرأة المقهورة بالتعدد من حقها ان تستعين بصديق في اليوم الذي يذهب فيه زوجها للزوجة الجديدة )وذلك للأسباب التالية:
اولا: حركة حقوق المرأة تهدف لتكريس ثقافة عدم التعدد في الزواج على أساس ان الخيار الأرفع اخلاقيا وإنسانيا والأكثر ملاءمة لتعقيدات الحياة المعاصرة هو اخلاص الرجل لزوجة واحدة واخلاص المرأة لزوج واحد، ولكي نشيع هذه الثقافة وعلى اساسها يكون اصلاح قانون الاحوال الشخصية لا بد من إقناع الرجال بأن التعدد سلبي بالنسبة لهم كرجال، لانه يضر بأطفالهم واستقرار أسرهم ومجتمعاتهم ويخصم من سلامهم النفسي لانه يضعهم في الغالب في وضعية الظالم لشريكة حياته، بوست الاستاذة أمل صور التعدد كأنه كنز ثمين في يد الرجال والنساء محرومات منه ! ولذلك لا بد ان تتنافس النساء مع الرجال في موضوع التعدد عبر الفكرة السقيمة والمبتذلة التي أسمتها الاستعانة بصديق في اليوم الذي يذهب فيه الزوج لزوجته الجديدة!!
المرأة التي لا ترضى بالتعدد من حقها ان تطلق نفسها وتبحث عن زوج آخر بدلا من ان تكون عشيقة لرجل وفي ذات الوقت زوجة لرجل آخر لا تريد الطلاق منه خوفا من (بشتنة الأطفال وزيادة القهر بالطلاق)- على حد تعبير البوست- !! هل مثل هذا السلوك المعوج يحافظ على الأطفال؟ وهل بمثل هذا ترد المرأة اعتبارها وتحفظ كرامتها؟
ثانيا: قضية المرأة ومعاركها النبيلة من اجل استيفاء حقوقها الانسانية وتغيير القوانين والوضعيات الظالمة بمختلف صورها تتعرض لهجوم منهجي وحملات تشويه مسعورة محورها تخويف المجتمع من الحركات النسوية باعتبارها خطر يهدد الأسرة ودعوة للانحلال، وبالتالي فإن مثل هذه الأفكار الاستفزازية للمجتمع ، والفاقدة للبوصلة الفكرية مضرة جدا بقضية المرأة، لانها تقدم خدمة مجانية لأعداء مشروع التحرر النسوي
ثالثا: قضايا الاسرة والمجتمع المرتبطة بالدين تحتاج لنقاش عميق بعيد عن الانفعال والهتافية التي تستعدي المجتمع المتدين وتجعله يصطف ضد التغيير، مثلا ، عبارة “الدين انحاز للرجل وأعطاه غطاء مقدس باسم التعدد متجاوزاالأذى النفسي والاذلال الانساني الذي يصيب المرأة من هذه القداسة” والتي وردت في رد الاستاذة امل على مخالفيها، إذا قبلنا بالحكم المطلق على الدين بأنه منحاز للرجل فإن النتيجة المنطقية لذلك بالنسبة لنا كحركة نسوية تطالب بالعدالة والمساواة هي رفض الدين واعتباره احد ادوات قهر النساء، وهذا سيقودنا حتما الى طريق مسدود، لانه سيبني جدارا عازلا بين مشروع التحرر النسوي والمجتمع المتدين، وفي الحقيقة الدين ليس منحازا للرجل، بل هناك ثقافة ذكورية عابرة للمجتمعات الانسانية على اختلاف اديانها وثقافاتها واثنياتها للاديان منحازة للرجل، ولذلكفان الثقافة الذكورية الظالمة هي التي استغلت الدين للتمييز ضد المرأة، وهناك تيارات فكرية مستنيرة ذات مرجعيات اسلامية منحازة للمساواة بين الرجال والنساء على أساس ان العدالة وحفظ الكرامة الانسانية للبشر نساء ورجالا مقصد جوهري للدين ، وعلى اساس ان التفرقة بين الرجال والنساء في بعض الامور مثل الميراث او التعدد او الشهادة هي استثناءات جزئية معللة بواقع اجتماعي تاريخي ، وتقع في مجال المعاملات وهو المجال المتحرك في الدين تبعا لظروف الزمان والمكان ، مشروع التحرر النسوي كي ينجح يحتاج للعقل النقدي الجرئ لما هو سائد في المجتمع وفي ذات الوقت يحتاج الى بناء علاقة منتجة بالمجتمع قوامها نهج عقلاني قادر على توليد الاستنارة الذاتية في الفكر الديني والعادات والتقاليد والثقافات المحلية ، وهذا يتطلب الصبر والمثابرة، والبعد عن التهييج والتهريج والاستفزاز
رابعا: استنكرت الاستاذة امل موقف الناشطات النسويات اللاتي انتقدن فكرتها واتبرت ذلك يقدح في استنارتهن! وهذا غريب جدا، لان
معيار الاستنارة ليس التصفيق لأي هراء ظاهره الانحياز للمرأة ومحاولة تبريره تصريحا او تلميحا حتى لو كان فكرة مبتذلة لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به؟ فالاستنارة الحقيقية هي احداث التحول داخل السياق الثقافي والاجتماعي في اتجاه الانحياز لحقوق المرأة برؤية ذاتية عبر نقد الفكر الديني المتطرف والعادات والتقاليد المعوقة للتطور ، ولكن النقد بالمعنى الانثروبولوجي والتاريخي والاجتماعي لا يعني التسفيه والتجريم المطلق لاي تراث ديني او انساني وإنما يعني التفكيك والتحليل وفرز الاماكن المظلمة وفهم ملابساتها وكذلك فرز الاماكن المضيئة وتأسيس الجديد عليها، في سياقنا الثقافي مثلا هناك افكار وتجارب مضيئة كالفكر الاسلامي المستنير قديما وحديثا، يمكن الانطلاق منها لبناء تواصل منتج مع حقوق الانسان وحقوق المرأة وهناك نقاط مشرقة في التراث الامومي القديم في الحضارات السودانية يمكن استكشافه ، اما الخفة في التعامل مع الدين والاستخفاف بكل ما هو عزيز على المجتمع بانفعال ومجانية فهذا لا يعدو ان يكون شغبا يحدث ضجيجا وفرقعات مدوية ويرضي نزوات المشاغبات وربما يحقق لهن بعض الشهرة ، ولكنه سيجعل الحركة النسوية مجرد زائدة دودية في المجتمع ، متى ما التهبت نتيجة شغب المشاغبات تستأصل ولا يشعر بغيابها احد، انا شخصيا لدي معارك مشهودة في نقد الافكار المتخلفة في المجتمع والافكار السلفية المصادمة لحقوق المرأة، فلا مجال للمزايدة علي في ذلك، ولكن اي معركة ناجحة في مجال حقوق المرأة حسب سياقنا السياسي والاجتماعي في السودان تحتاج لتوسيع القاعدة الشعبية واستقطاب دعم التيارات الرئيسية في المجتمع، واول خطوة تجاه ذلك هي تقديم خطاب نسوي مؤهل لاكتساب المشروعية الاخلاقية والاجتماعية ولو بعد حين، مثلا في مجال التعدد الخطاب الذي يمكن ان يحظى بالمشروعية(بعد جهد جهيد) هو تكريس ثقافة الزواج بواحدة ومحاصرة التعدد بتدابير تربوية وثقافية وقانونية على اساس ان هذا مفيد للمجتمع، ولكن اثارة الغبار الكثيف بحكاية الاستعانة بصديق فهذا سيجعل المجتمع العريض يصد عن مجرد الاستماع للنسويات وسينتصر الخطاب الذي يختزل الحركة النسوية في انها حركة انحلال واباحية جنسية، وبالمناسبة الحركة النسوية في السودان طريقها الوحيد المتاح عمليا هو كسب المجتمع ودعمه في مجال تغيير القوانين، فليس لدينا في السودان مصطفى كمال اتاتورك ولا الحبيب بورقيبة، كي نراهن على فرض حقوق المرأة بدكتاتورية الدولة، بل لدينا دولة عميقة قوامها الاسلامويون والسلفيون وحاضنتها مجتمع محافظ ، ولكنه ككل مجتمعات الدنيا فيه قابلية كامنة للتطور والانفتاح على الخيارات المنحازة للحرية والعدالة وحقوق الانسان، الكرت الوحيد بأيدينا هو الاستثمار في هذه القابلية وتعظيمها لكسب مساندتها إذا كانت خطتنا تحقيق تقدم نوعي في حقوق المرأة تستفيد منه كل نساء السودان المحرومات من التعليم والرعاية الصحية والسكن والماء النظيف والمقهورات بقوانين ظالمة، الخيار الوحيد امامنا هو الكسب لقضيتنا عبر الديمقراطية، والتغيير الديمقراطي بطبيعته متدرج ويحتاج صبر ومثابرة وعقلانية واتزان، التغيير الثوري في بنية الدولة والقوانين نحن لا نملك ادواته كما ذكرت الدولة العميقة اصولية، والمعارضة العلمانية الوحيدة لهذه الدولة ممثلة في الحركة الشعبية جناح الحلو جعلت موضوع الاحوال الشخصية استثناء من العلمانية ووقعت في اتفاقها مع البرهان وقبل ذلك مع حمدوك على ان يخضع هذا الموضوع للدين والعرف، اذن يا عزيزاتي النسويات معركتنا معقدة وصعبة ولن تنتصر بالخفة و(اللفحي والورجغة) غير المضبوطة باي منهج

‫3 تعليقات

  1. الاستاذ رشا بعد التحية مع اعجابي ومتبعاتي لمقالاتك دوما ولكني ادعوك واخواتك اليوم لقراءة كتاب المولي القران الكريم بتدبر الفريضة الغائبة عن الكثيرون ان لم نقل الجميع لتعلمن الكذبة التي انطلت عليكم بان الدين منحاز للرجل اي بوضوح ظلمكن وحاشا ان يكون العدل والحق ظالما يستندوا بان شهادة الرجل تعادل امراتان في سورة البقرة في مجال معين ويقفلون مساواتها في سورة في سورة النور ولثقتي في تدبركن ابحثن لماذا ام التعدد فهذا موضوع متامر فيه عليكن ان اية التعدد تقفل صدر الاية وان خفت الا تعدلوا في اليتامي وهذا الصدر شرط يسمح بالتعدد والتعدد ليس اصلا في الدين ولكنه حلا لمشكلة وهي يتامي النساء ارجعي لاعمال التدبر لتجدي ان يتامي النساء هي الانثي التي كبرت ولم تحظي بزوج وهذة علة التعدد فالمسالة فهم للدينوشفافية تطبيقه وحاشا ان يكون الحق ظالما سبحان الله وتعالي عن ذلك علو كبيرا مشواكن طويل الله بوفقكن

  2. Uthtaza Rasha,
    Very rational and intelligent article, replying to a crazy leftist liberal ideas. I live in the west from more than three decades, I had never read about such dump disgusting suggestion, to encourage a wife or a partner to commit adultery.
    Thanks
    Osman

  3. لو أنّ تقييمك لتعدد الزوجات اقتصر على “الأكثر ملاءمة لتعقيدات الحياة المعاصرة ….” ولم يطال كونه ” الخيار الأرفع اخلاقيا وإنسانيا” لكان معقولاً ومقبولاً وذلك لأسباب، أولها كونه خيار أتاحه الله في كتابه الكريم الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد) الذي أنزله اللّه خاتمة لمشروعه في تطوير البشرية وايذاناً ببلوغها مرحلة الرشد والمسؤولية وتعبيداً للطريق الى الحداثة وجَعَلَه (التعدد) استثناءاً له شروط وضوابط تجعله “الخيار الأرفع أخلاقيا وإنسانيا” على مرِّ العصور والأزمان. ولذلك اعتقد أن “حركة حقوق المرأة (يجب أن) تهدف لتكريس ثقافة .. (الإلتزام بالضوابط والشروط في) التعدد في الزواج” حتى لا يكون هناك ضرر لأي من الأطراف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى