أعمدة ومقالات

في استعادة شرعية الدولة السودانية

في أصول النظرية السياسية تعتبر الدولة نتيجة لتعاقد المجتمع علي أسس و قيم لتنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية بين الافراد فيما بينهم و ما بين المجتمع و الدولة، و وسيلة الدولة في تنظيم هذه العلاقات هو مبدأ سيادة حكم القانون و فصل السلطات، سيادة حكم القانون تعني أن الجميع سواسية أمام سلطة القانون ومبدأ فصل السلطات، اضافة الي مضامين اخري، ماهو الا ضرورة اجرائية لضمان عدم تغول اي من السلطتين التشريعية و التنفيذية في انفاذ القانون. احتكار الدولة للعنف هو آلية الدولة في تطبيق مبدأ سيادة حكم القانون و في تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية، فكرة احتكار الدولة للعنف تعني أنه لا توجد جهة اخري غير الدولة تمتلك الحق القانوني في ممارسة العنف و يشمل العنف الحق في الاعتقال و السجن و حتي القتل بتنفيذ حكم الاعدام. حاجة المجتمعات الي احتكار الدولة للعنف ضرورة أملتها صيغة تطور المجتمعات البشرية اذ ليس من المستغرب أن يكون هنالك بعض الافراد الذين يعتقدون أنهم فوق المجتمع في واقع ما قبل الدولة.
الحق في احتكار العنف و القدرة في تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية عبر القوانين التي تشمل تنظيم حق الملكية و صيانة الحقوق الطبيعية و الحقوق المدنية جميعها تمثل اساس شرعية الدولة في المجتمعات الحديثة و المعاصرة. هنا لابد من الاشارة الي أن الدولة في اعرق الديمقراطيات في حالة دفاع عن و تأكيد لشرعيتها علي الدوام و كلما تشكل راي عام بفشل الدولة في تنظيم العلاقات الاجتماعية و في صيانة الحقوق الطبيعية و المدنية كلما كان علي الدولة عبر سلطاتها المنتخبة و البيرواقراطية من تبني سياسات تعيد لها هذه الشرعية. من الطبيعي أن تكون هنالك شرائح تحمل تصورات عن وجود مظالم (اجتماعية و اقتصادية و سياسية) تجعلها تطعن في شرعية الدولة بغض النظر عن حقيقة و صحة هذه التصورات، الأمر الذي لا يمكن قبوله هو أن تكون الدولة فاقدة للشرعية في نظر غالبية مكوناتها فمثل هذه الوضعية لا محالة ستؤدي الي صعود تيارات تطالب الدولة بتبني سياسات تكسبها شرعية استمراريتها، التحدي الأكبر أن الدول احيانا قد تفشل في تحقيق توازن يكسبها شرعية أغلبية المجموعات المكونة لها وهو ما قد يقود الي صراعات قد تنتهي بفشل أو تفكك الدولة.
الدولة السودانية الحديثة قضت جل عمرها البالع 65 عاما تدافع عن شرعيتها و عن قدرتها في تنظيم المجتمع و في ادارة مصالحه بشكل متوازن عبر عقد اجتماعي ظل في اغلب الاحيان يعبر عن ارادة المجموعات التي صعدت الي قمة هرم الدولة عبر ماكنيزمات طويلة و معقدة لها جذور قديمة في السودان العثماني و من ثم في السودان الانجليزي المصري و هنا ليس المقام للاستفاضة حول هذا التاريخ الاجتماعي للدولة السودانية فنكتفي فقط بالاشارة الي هذا التاريخ. ما يهمنا هنا أن الدولة السودانية الحديثة فشلت في تحقيق توازن يعبر عن مصالح مكوناتها الاجتماعية و يعكس قدرتها في تنظيم هذه العلاقات وفق عقد اجتماعي يجد فيه جل السودانيين انفسهم، بل الأدهي انها ظلت علي الدوام تتبني مشروعات لعقود اجتماعية تقلل من شرعية الدولة في نظر الغالبية العظمي من مكوناتها حتي انتهت الي دولة فاشلة. تٌعرّف الدولة الفاشلة وفق العلوم السياسية و الاقتصاد السياسي بانها ذلك الكيان الذي يصل مرحلة من الضعف الي الدرجة التي لم تعد تتوفر فيه أبسط الشروط و المقومات للقيام بمسؤوليات “الكيان ذو السيادة” حيث ان حكومة الكيان ليس بمقدورها الاضطلاع بواجباتها الاساسية، و يمكن أن تٌصنف الدولة كدولة فاشلة حتي و ان كان بامكان حكومتها القيام بواجباتها الاساسية اذا كانت فاقدة للشرعية. من المهم هنا أن نشير الي أن شرعية الحكومة السياسية و الاجتماعية أمر يختلف من شرعية الدولة، فالحكومة تستمد شرعيتها الاجتماعية اذا كان يري فيها الناس انها كيان ذو شرعية و تستمد شرعيتها السياسية من طبيعة النظام السياسي المكّون لها.
في تقديرنا الوضع الحالي في السودان هو مرحلة ما بعد فشل الدولة و هي المرحلة التي تبدأ الدولة فيها بفقدان شرعيتها، هذه هي اللحظة التاريخية التي تتكون فيها تصورات عامة لغالبية المكونات الاجتماعية أن الدولة اما انها لا تمتلك الحق أو القدرة في تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية عبر احتكار العنف و لا القدرة في انفاذ القانون. في حقيقة الأمر أن العنف في السودان في الوقت الراهن لا تحتكره الدولة و ليس بمقدورها احتكاره حتي و ان ارادت ذلك و هذا أمر يتعلق بالعجز المؤسسي Institutional Inertia و هي وضعية أقرب الي حالة شلل كل اعضاء الجسم عدا الدماغ بحيث أن المخ قادر علي تصور أنه يجب الوقوف و المشي و رفع اليد الا أن كل الاعضاء ليس لها القدرة في تنفيذ رغبات المخ و أوامره، العجز المؤسسي أمر سنتطرق له في مقام آخر. هذا الوضع كان قد ساهم في اشتعال حراك ديسمبر حيث توافق السودانيون الي حد كبير علي أن وضعية الدولة و فقدانها الشرعية في نظرهم أمر لا يمكن السكوت عليه و هذا الحراك العظيم فتح الطريق للمجتمعات السودانية لاكساب هذه الدولة شرعية جديدة تمكنها من تنظيم و اعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية بعد أن فشل عقد الانقاذ الاجتماعي في تحقيق توازن لاستمرارها. هذه الشرعية المكتسبة تجلت في توافق سياسي كان نتاجه شراكة سياسية منحتها الوثيقة الدستورية شرعية اجتماعية و سياسية. الآن شرعية الدولة السودانية محل سؤال كبير مثلما كان الوضع في السنوات السابقة لقيام الحراك الثوري الذي ادي الي نهاية نظام الانقاذـ، فلا الدولة قادرة علي احتكار العنف و لا هي قادرة علي تنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية لانها لا تملك القدرة، و لا هي قادرة في فض النزاعات بواسطة سيادة حكم القانون لنفس العجز المؤسسي المذكور آنفا. كل اوجه ضعف الدولة كان يمكن أن تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير اذا لم يكن السودانيون مازالوا يرون في هذه الدولة انها شرعية و تعبر عن تطلعاتهم حتي و ان لم تعد قادرة بالقيام بأبسط مهام الدولة.
وفق هذا التاسيس النظري فان حجتي كانت و مازالت أنه لا يمكن الدخول الي فضاء اصلاح الدولة عبر جهازها العاجز و المعطوب لاكسابها شرعية في نظر غالبية المكونات التي لم تعد تري لها شرعية و لا تكترث لوجودها باي حال. هذا الزعم ليس محض قراءة فلسفية بل هو من صميم خلاصات موجهات العلوم الاجتماعية بشقها النظري و التطبيقي. فكرة اصلاح جهاز الدولة من هذا المنظور الفني الضيق هي أقرب الي النفخ في قربة مقدودة كما يقول اهلنا أو الحرث في البحر كما يقول المتكلمون من الأعراب.
خلاصة القول انه حينما تفقد الدولة شرعيتها الاجتماعية و السياسية فالمدخل الصحيح هو العودة للمجتمع الذي هو اساس و اصل شرعية الدولة للتوافق علي عقد اجتماعي جديد، و قد يقول قائل أن العمل علي تحقيق السلام و الدخول في عملية حوار مجتمعي و كليهما من جوهر فكرة العودة للمجتمع لاكساب هذه الدولة شرعية تمكنّها من البقاء في حالة الفشل هذي الي حين التوافق السياسي و الاجتماعي علي مشروع نهضوي يخرجها من آتون الدول الفاشلة الي مربع الدول الصاعدة. نظريا لاخلاف علي أن عملية صناعة و بناء السلام تدخل في حيز عملية استعادة شرعية الدولة و لكن هذا الجهد وحده لا يكفي. فحالة الضنك و الشظف و الضجر و غياب اي مشروع وطني نهضوي يوظف الطاقات التي تري أن الاحتجاج هو الطريق الأوحد لاسماع صوتها، مشروع يخاطب قضايا العدالة علي الاقل في مستواها و شكلها الانتقالي و يعالج وضعية الاختناق السياسي و التنافس الاجتماعي علي الأحقية الثورية و الأحقية التاريخية في الارض و التمثيل و التكسٌّب من جهاز الدولة. كل هذه المعطيات علي تعقيدها ستضاعف من حالة تآكل شرعية الدولة، و ما لم تتصدي قيادة تاريخية لربط كل هذه القضايا بمشروع و رؤية لادارة التأسيس لعقد اجتماعي فمن الممكن ان تنزلق الدولة السودانية الي مرحلة تلاشي الدولة و هي حالة اسوأ من انهيار و فشل الدولة. في تقديري رغبة السودانيين في تغيير أحوالهم مازالت تمكّن من القيام بمبادرة شعبية واسعة هدفها استعادة شرعية الدولة، أين هي القيادة التاريخية الملهمة؟ هذا هو المحك، و نعني بالقيادة التاريخية اناس علي استعداد للخروج من عباءة القبيلة و الحزب و الجهة و الاقليم و المصلحة الذاتية الضيقة الي فضاء الوطن، اناس يتمتعون بالمعرفة و الحنكة و القدرة علي العمل الجماعي و علي خلق توافق وطني حول رؤية و ليس توافق ترضيات.
نشر في صحيفة الديمقراطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى