أعمدة ومقالات

«أمل وبدر».. واجتراحات الوعي

د. أشراقة مصطفى حامد

أسلوب الصدمة الذي استخدمته الصحفية أمل هباني اثار الكثير من الحوارات الموضوعية والغير موضوعية وكشف عن أزمة حقيقية في الفعل وردة الفعل التي تجاوز الكثير منها حدود التناول النقدي الفعّال. هناك ايضا اراء موضوعية في تناولها ونقدها مختلفة مع أمل في محتوى ما تناولته.

سوف استعين بما يعرف بصيغة عالم السياسة والاتصالات هارولد لاسويل والتي تعتبر من ابجديات علوم الاتصال الجماهيري و احدى أهم اساسيات العمل الاعلامي لايصال رسالة اعلامية تجترح الوعي بما تركته من اثر ملموس. الصيغة هي:

.”من/ يقول ماذا/ لمن/ كيف /ولماذا ومتى؟ ”

من: الصحفية أمل هباني المعروفة بمواقفها الجسورة والتي نافحت نظام الانقاذ الشرس وانحازت لقضايا الانسان و النساء تحديدا. استخدمت أمل اسلوب الصدمة وهو اسلوب معروف في ايصال الرسائل الاعلامية ولكن السؤال الذي يفرض نفسه وفقا لصيغة العالم لاسويل هو ان الرسالة ترتبط بالهدف واحداث اثر بلفت انتباه المجتمع للمظالم التي تعيشها المرأة واحساسها بالغبن حالما يتم التعدد عليها. الاستعانة بصديق اسلوب صادم جدا ولا يعالج القضية من جزورها ولا يساهم في خلق فضاء لحوار هادف من منظور النوع الاجتماعي ولكن ردود الفعل تجاوزت اصل قضية التعدد الى الاساءة والتنمر والتجريح الذي استخدمه اللآتي والذين استنكروا على أمل هباني اسلوبها. اسلوب الصدمة الذي استخدمته أمل هباني يجيب على لماذا وكيف بلورت رسالتها.

لا اظن ان المرأة المجروحة في حاجة لصديق ليسد خانة (الزوج) الذي لا يتردد في استثمار كل الفرص من الزواج مثني وثلاث ورباع متعللا بان الدين اباح له ذلك. كثير من الذين سلوا سيوفهم استعانوا بجزء من بالآية الكريمة. الدين الاسلامي اباح للرجل التعدد ولكن بشروط محددة وبالرجوع لسياقات نزول الآية نعرف ان الحكمة في انه من الصعب منعه في ذلك الوقت الذي كان فيه التعدد مشاعا ولتنظيم ذلك حصر الاسلام العدد في اربعة محددا شروطا واضحة ونهاية الآية الكريمة تشير الى ان الاصل في الاسلام واحدة. ( وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا . وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ) النساء/2-3

وان خفتم ان لاتعدلوا فواحدة! وان خفتم ان لا تقسطوا في اليتامي.. الشروط محددة وواضحة ولكن بعض الرجال الذين يتزوجون ويبدلون النساء كيفما شاءوا مستغلين الدين لتبرير مافعلوا ولايرى بعضهم ان تزويج القاصرات مشكلة بل (سترة) ولا شيء ( يستر) البنات سوى العلم والمعرفة والاعتداد بالذات وان الزواج خيار مبني على الوعي بمؤسسة زواج خلاقة تساهم في تعزيز التغيير الايجابي في المجتمع.

يقول ماذا؟ اسلوب الصدمة في (الاستعانة بصديق). ردة فعل انتقامية تحت هدير الغضب والحزن، رسالة مفادها ايها المتعددون ضعوا انفسكم في مكان النساء المجروحات ولكن الاسلوب الصادم (بالاستعانة بصديق) ليس حلا باي حال من الاحوال لان فحوى الفعل في الانتقام، ولكنه ليس انتقاما من الشريك الظالم الذي ذهب (علنا) الى الأخرى التي ارتضت ان تكون شريكة، هنا اتساءال هل يأتي هذا الصديق علنا وبعلم الزوج الذي يقضي ليلته مع الاخرى؟ ان الانتقام هنا يكون من ذاتها (المجروحة والمهيضة) وهي تستعين بصديق كيدا ورد للاعتبار للذات المقهورة. لو كانت قوانين الاحوال الشخصية مؤنسنة لما احتجنا لكل ذلك بل من حق المرأة ان تطلب الطلاق او ان تشترط ان لا يعدد فيها ولكن كل ذلك يحتاج الى وعي بالحقوق والاستمرار في النضال لاجل مجتمع معافي نواته اسرة معافاة.

حاجة المرأة ليس في (الاستعانة بصديق) في هذه اللحظة الحاسمة في حياتها بل في حاجة لاجتراح وعيها، ليس الاستعانة بصديق ينحدر بها في لحظة انتقامية الى منحدر ( الوعي التناسلي) بل حوجتها اكبر في ان تعرف حقوقها، ان تكون هناك مؤسسات قانونية تحفظ حقها في الحياة الكريمة وهذا وحده يشكل مخرجا لوعي خلاق لحل ازماتنا المجتمعية. الاستعانة بصديق ليس حلا ولخص القضية كلها في ( حاجة جنسية) بدلا عن الاستعانة بمؤسسات استشارية تعين المرأة في هذه الحالة ومساندتها نفسيا واقتصاديا لتجاوز هذه الفترة القاسية على ان نؤسس لهذه المؤسسات بقوانين تعمل على انسنة العلاقات والمجتمع.

لمن؟ الاجابة على هذا السؤال ( لمن تٌرسل الرسالة الاعلامية) حاسمة في تحديد الاثر والتغيير الاجتماعي وهذا لن يتم مالم تستند الرسالة على مايٌعرف في علوم الاتصال ب (الإطار الدلالي) يعني ان نجاح اي رسالة اعلامية يحدده مدي استنادها على الاطار الدلالي للجمهور المعني ومراعاة المشترك من قيم ومفاهيم غض النظر عن قناعتنا بها، ايجاد لغة مشتركة ومفهومة للمرسل اليه/ البها. هنا تِأتي ضرورة مؤسسات لقياس الرأي ومعرفة اساليب وخلفيات المجتمع وتقاليده وثقافاته المختلفة. استناد أمل في دفاعها عن هؤلاء (المسكينات) والتضامن في ذات نفسه ضروري ولكن الاستعانة بصديق لن يفعل سوى تفكيك الاسرة لتصل مرحلة (البشتنة) التي لا يمكن اعادة ترتيبها. بعض هؤلاء النساء مضطرات لقبول وضع القهر النفسي لانه ببساطة لا يوجد مخرج اقتصادي يعينهن في مواجهة الحياة وقسوتها, معرفة الواقع وتفكيكه شرط اساسي لصياغة رسالة اعلامية مؤثرة في خلخلة هذا الواقع القاهر. هناك اطر دلالية مشتركة بين النساء وهذا ما ينبغي العمل عليه مع الاحتفاظ بحق الاختلاف بين النساء، فهناك من (تخطب) لزوجها وهناك من هي مقتنعة بالتعدد، التي تقبل به تشارك في ذات القهر الذي جاء ايضا كافتراض علمي ان المجتمع يمارس قهره باليات مختلفة بدء من مفاهيم (العنوسة) و(سن اليأس) وهذا واقع لابد من التعامل معه باستناد الرسالة الاعلامية على اليات تلذع الوعي وتساهم في الحراك النسوي لاجل التغيير الاجتماعي الذي يبدأ من المناهج المدرسية لترسيخ قيمة الذات الانسانة، ان تكون لامل نفس حقوق بدر فصورة (القلم الذي ضاع وابكي امل وجده بدر وافرح امل)…. اس الأزمة يتفكفك من هنا.

هناك سؤال يتعلق بتوقيت الرسالة:

في البدء اقول من حق امل هباني ان تكتب وتنشر في الوقت الذي تريده فحق التعبير مكفول ونافحت هي كثيرا لاجله ومع ذلك اجد ان السؤال مشروع خاصة ان الحركات النسائية/ النسوية تواجه حملات شرسة خاصة على ضوء الموافقة على اتفاقية سيداو والمنافحة للموافقة على ماتم التحفظ عليه. توقيت الرسالة تسبب في هجمات شرسة ضد الحركات النسوية.

مع ذلك اقول ان التغيير لن يحدث بتجاوز الاطر الدلالية لمجتمعاتنا وان اسلوب الصدمة سيحرك الساكن لكن سيحول القضية الى (عجاجة) من التنمر وتحويل الاقلام الى مقصات ونقرات الكيبورد الى فرقعات رصاص من الأذى وهذا نلمسه في العديد من ردات الفعل القاسية التي طالت امل واسرتها بل وطالت حتى الحركات الحقوقية للنساء. وجد الاوصياء على النساء ضالتهم وردة فعلهم في التصدي لم يلامس الازمة في حد ذاتها بل غرق في وحل من التنمر وهذا يحتاج قراءة منفصلة.

من المهم ان اشير الى الاختلاف الذي تجلي في رؤى العديدات من المنافحات لاجل حقوق المرأة التي في مجملها لا تنفصل عن حقوق الانسان. الاختلاف في التناول والمعالجة فيه الكثير من المشترك في الرؤى والاختلاف في وسائل المعالجة لهذه الازمات. هذه الرؤى على اختلافها ضرورية وتؤسس لحوارات نحتاجها كمنافحات لاجل الحقوق التي لا تتجزأ ، اشير هنا على سبيل المثال الى تحليل الاعلامية المتميزة رشا عوض والى رؤية اقبال صديق والاستاذة اسماء محمود محمد طه وناهد قرناص وغيرهن. نساء تجمعهن مع أمل هباني الكثير من الهموم واحلام التغيير وتختلف المعالجات وهذا يشير الى ضرورة حوجتنا الى ادارة لهذا التنوع الثر والدفع به الى الامام.

 

فيينا 20 يونيو 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى