أخبارتقارير وتحقيقات

حكم ذاتي بـ«المنطقتين» يضاعف مخاطر الانتقال الهش في السودان

أعاد إقرار الحكم الذاتي للمنطقتين “جنوب كردفان والنيل الأزرق” ، وفقاً لاتفاق سلام جوبا ، المخاوف بشأن فقدان البلاد لأجزاء جديدة.

التغيير – الخرطوم: علاء الدين موسى أمل محمد الحسن

وعاش السودانيون آمالاً عريضة، عقب الإطاحة بالنظام البائد في أبريل 2019، داعين لإقرار شعار الثورة “حرية ، سلام وعدالة” ، على أمل طي عقود من الحرب والصراعات.

وينطلق حلمهم ، على النقيض من الجهة الأخرى ، سودان بلا تفرقة ، بل موحد ، على عكس ثلاثة عقود ، من سياسات حكم النظام البائد ، فرقت بين السودانيين كثيراً.

وبعد منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي ، عبد الفتاح البرهان ، حق الحكم الذاتي للمنطقتين بمرسوم جمهوري تنفيذا لاتفاق سلام جوبا، بدأت المخاوف تعود بفقدان أجزاء جديدة من السودان.

وما بين استحقاق السلام ، ومطالب أهالي المنطقتين ، يبرز مصير مجهول لواقع الحكم الذاتي للمنطقتين ، علماً بأن الترتيبات الأمنية وقضايا الحكم وغيرها من القضايا التي لم تحسم بعد ستكون عقبة أمام الحكم الذاتي لهذه المناطق التي  عرفت عقوداً من الحرب.

ويعتقد مراقبون ، أن الحرب خلفت آثاراً ، بينها غبن راكمته الصراعات ، يرون أنه أسهم في التباعد الاجتماعي وإحساس الانتماء للسودان الواحد.

ورأى المراقبون ، أن القرار ، خرج دون الترتيب له في الكثير من الجوانب، أبرزها علاقة المنطقتين بالمركز ، وطبيعة مستويات الحكم ومصير القضايا السيادية وغيرها الكثير.

ففي الوقت الذي يرى فيه البعض ايجابية القرار من خلال إزالة الغبن ودمج المجتمعات بصورة كبيرة، إلا أن البعض الآخر يعتبره بداية تنفيذ لتجربة سابقة أدت لانفصال الإقليم الجنوبي، فقد  السودان غلى إثره أكثر من ثلثي صادراته.

 

صدور القرار

 

أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي،  عبد الفتاح البرهان، مرسوماً دستورياً بمنح الحكم الذاتي لمنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان «المنطقتين».

وجاء المرسوم الذي حمل الرقم «9» لسنة 2021، وفقاً لما نصت عليه اتفاقية جوبا لسلام السودان، بأن يكون نظام إدارة المنطقتين على ضوء ما جاء في المادة «8» من الباب الثالث- الفصل الثالث من الاتفاق.

ووقعت الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، على اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020.

وتوافق الطرفان ، ضمن الاتفاق على إنشاء نظام الحكم الإقليمي الفيدرالي بما في ذلك إقليم دارفور.

 

مراسيم سابقة

 

استند مرسوم الحكم الذاتي على مراسيم دستورية سابقة بالأرقام 38-39 للعام 2019 إلى جانب المرسومين الدستوريين 2، 6 وأحكام المادة 79 من الوثيقة الدستورية تعديل 2020 وفق وكيل أول وزارة الحكم الاتحادي، محمد صالح.

وأوضح صالح أن القرار شمل ٣ ولايات، هي النيل الأزرق وولايتي غرب وجنوب كردفان على أن يحدد مؤتمر نظام الحكم الحدود الخاصة بولاية غرب كردفان.

وأشار إلى أن بعض المحليات في غرب كردفان تفضل الانضمام إلى شمال كردفان في توزيع الأقاليم، مؤكدا فقدانها لأحقية الحكم الذاتي حينها.

وحول نظام الحكم ، قال صالح لـ(التغيير)، إنه يشمل السلطات الحصرية والمشتركة والمتبقية، مشيرا إلى ضرورة مواءمة تشريعاتهم مع الحكم الاتحادي.

وأضاف ، أن اختيار نظام الحكم عبر التعيين أو الانتخاب أمر يعود لهم، مؤكدا امتلاكهم الحق الكامل في وضع دستور وتشريعات ضمن استحقاقات الحكم الذاتي.

 

 

وحدة السودان

 

ونفى صالح أن يؤدي الحكم الذاتي للانفصال، مشيرا الى تقييده عبر نص المادة (8) بوحدة السودان ارضا وشعبا.

وتنص المادة «8» من الفصل الثالث- الباب الثالث على «اتفق الطرفان، دون المساس بوحدة السودان شعباً وأرضاً أو السلطات الحصرية أو المشتركة أو المتبقية، تتمتع المنطقتان بحكم ذاتي تمارس فيه السلطات المنصوص عليها في هذا الاتفاق».

 

مراقبة التنمية

 

وأكد صالح اشتراك وزارة الحكم الاتحادي مع حكومة المنطقتين في سلطات مشتركة، كاشفا عن دور مهم للوزارة متمثل في مراقبة التنمية المدعومة بقرارات قسمة الثروة المقررة وفق اتفاق سلام جوبا.

وأكد صالح على ضرورة اقامة ورش ومؤتمرات في المنطقتين واضاف “هذه اول تجربة يتم تطبيقها في السودان”.

وكشف صالح عن استحقاق الحركة الشعبية لنسبة ٣٠% من المجلس التشريعي بالمنطقتين إلى جانب منصب والي النيل الأزرق ومنصبي نواب الوالي بولايتي جنوب وغرب كردفان، ضمن استحقاقات عملية السلام.

عضو مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار ـ يمين وحاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة بادي

زيارة للمنطقتين

 

وأكد صالح الاتفاق على مساواة نصيب الحركة الشعبية شمال جناح عقار مع نصيب جناح الحلو، حال طالب الأخير بمقاعد أكثر في البرلمان.

ولفت إلى حصول المنطقتين على نسبة ٤٠% من مجمل ايرادات الولاية، مع ارسال ٦٠% للمركز، وقال إن المنطقتين تستحقان وفق معايير التمييز الايجابي نسبة ٧ الى ٨% من نسبة ال٦٠% التي تذهب إلى المركز.

 

وكشف وكيل أول وزارة الحكم الاتحادي، عن زيارة مرتقبة للمنطقتين قريباً دون الكشف عن تاريخ محدد، مشيراً إلى زيارة سابقة رفقة الوزيرة بثينة دينار قبل تعيينها للتبشير باتفاق سلام جوبا.

 

مخاطبة جذور الحرب

 

الفرق بين الحكم الفيدرالي واللا مركزي ان سلطاته أصيلة ومحمية بالدستور وفق عضو المفاوضات شمس الدين الامين ضو البيت، الذي أشار إلى امكانية ذهاب الولاية إلى المحكمة الدستورية حال تغولت السلطات الاتحادية على سلطات الاقليم.

ونوه ضو البيت إلى ان القرار يستند الى الوثيقة الدستورية، التي قالت إنها ستخاطب جذور الحرب الأهلية في البلاد وتزيل آثارها.

وقال ضو البيت لـ”التغيير” إن جذور الحرب تمثلت في وجود نمط مركزي قابض قاد إلى تهميش مناطق محددة، مع نمط اقتصادي قابض أدي إلى اختلالات تنموية، مضيفاً: “هناك نمط انحيازات في الهوية واللغة”.

رئيس الحركة الشعبية ـ شمال عبد العزيز الحلو

اعتراض الحلو

 

وكشف ضو البيت عن نزع النظام السابق لأراضي مجموعات وافراد محلية، مشيرا إلى أن هذه العوامل الأربع تمثل جذور أسباب الحرب في السودان.

وأكد بأن القرار قيد الحكم الذاتي في إطار وحدة السودان، مشيرا إلى وجود إطار خاص بالصلاحيات والسلطات المتفق عليها، وقال “لا توجد آليات داخل الحكم الذاتي تشجع الانفصال”.

وحول تأثير القرار على المفاوضات مع الحلو؛ قطع ضو البيت بعدم امكانية اعتراض الحركة الشعبية شمال ـ جناح الحلو على صلاحيات وسلطات يتم منحها لمناطق محددة.

شمس الدين ضو البيت

 

صلاحيات واسعة

 

ويرى القيادي بمسار الشرق عضو لجنة التفاوض أحمد عمر موسى، أن  اتفاقية سلام جوبا منحت المنطقتين حكما ذاتيا في إطار السودان الموحد.

وقال إن الصلاحيات الواسعة تصل مدى متقدم ربما يصل مرحلة إبرام الاتفاقيات الاقتصادية والتنموية الدولية والإقليمية وصلاحيات أوسع في التشريع.

وتوقع موسى، ازدواجية تشريعية ، ربما  تلغى فيها أحكام الشريعة الإسلامية في المنطقتين.

وأوضح لـ”التغيير” ، أن السودان إبان اتفاقية نيفاشا ودستور ٢٠٠٥ مر بتجربة ازدواجية التشريع الجغرافية الاجرائية والموضوعية بتطبيق أحكام الشريعة الاسلامية بالولايات الشمالية دون الولايات الجنوبية، مؤكدا أن التشريع في المنطقتين سيخضع للأعراف المحلية ويعمل على إدارة التنوع الموجود.

وقال إن الاتفاقية على مستوى الاقتصاد، منحت المنطقتين وضعاً اقتصادياً مميزاً ومتميزا عن دارفور والشرق والوسط والشمال فتفوقت المنطقتين على المسارات الأخرى بأمرين اولهما توسعة الموارد حيث شملت الضرائب وبقية الرسوم الحكومية والامر الثاني تميزها بمنح الاقليم حق خصم تلك الموارد البالغة ٤٠%  بالاقليم.

 

رسائل إيجابية

 

وبين موسى،  أن المرسوم الذي أصدره البرهان، وإن جاء متأخرا في توقيت التنفيذ، إلا أنه يؤكد جدية الحكومة في تنفيذ اتفاق سلام جوبا بل ويرسل رسائل ايجابية للقادمين مثل القائد عبدالعزيز الحلو و عبد الواحد محمد  نور واستكمال الشرق بقيادة الناظر ترك.

واستبعد ان يكون القرار، خصما على أي اتفاق بل يضيف ويقلل من تعقيدات اتقاق الحلو السياسية والادارية ويهيئ الارض لإنفاذ بقية الاتفاقيات.

ونوه إلى أن أي حديث عن أن توقيت التنفيذ لمحاولة الضغط على حركة الحلو يبقى حديث وتحليل لا يسنده منطق سياسي أو دستوري ولا يملك أرجل ثابتة تبقيه واقفا بقوة ، بل هو تحليل يملأه الضعف والخور والهوان الدستوري والسياسي، على حد تعبيره.

وأضاف: “لأن اتفاقية جوبا ناقشت كثير من القضايا وشملت قضايا مهمة وتجد حماية من الوثيقة الدستورية وجماهير الجبهة الثورية في بقاع البلاد المختلفة، فالمرسوم استحقاق دستوري يضيف ولا ينقص من الفترة الانتقالية هياكل ومراسيم.

ورأى أن المرسوم سيحدث استقرارا بالمنطقتين وينمي من اقتصاداتهما، وبالتالي يدفع بعجلة الإنتاج فيهما ويؤثر يقينا في الاقتصاد القومي الذي سيستفيد من تكور الاقتصاد المنطقتين من خلال زيادة موارده الاقتصادية عبر زيادات كبيرة ستطرأ على نسبة المركز البالغة ٦٠% والتي ستتضاعف بشكل ملحوظ.

 

حسم القضايا المصيرية

 

لكن ثمة رأى مغاير ذهب إليه المحلل السياسي د. طارق، أن منح المنطقتين الحكم الذاتي خطير سيقود البلاد حتما نحو الانفصال الذي خططت له الولايات المتحدة الأمريكية الهادف إلى تقسيم السودان إلى 5 او  8 دويلات صغيرة.

وقال طارق لـ”التغيير” إنه من الأفضل للحكومة الانتقالية بمجلسيه ألا تستعجل في حسم القضايا المصيرية للدولة بعيداً عن المجلس التشريعي.

وأضاف: ” وفي غياب المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، بل وبعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين”.

وتابع: ” لابد أن يتحقق السلام على أسس راسخة بعيداً عن الاستعجال الذي قد يترتب عليه التزامات يصعب الوفاء بها وقد تكون آثارها الجانبية مستقبلاً أسوأ من المرض نفسه”.

 

اتخاذ القرار

 

ويرى من مراقبون أن السؤال الذي يطرح نفسه، من هو الذي سيكون متخذ القرار في المنطقتين المحكومتين ذاتيا؟.

يأتي السؤال، في سياق انقسام الحركة الشعبية ـ شمال إلى حركتين، عام 2017، جناح يقوده عقار ، وآخر بقيادة الحلو يسيطر على مساحة واسعة بالمنطقتين.

وبينما وقعت الشعبية بقيادة عقار على اتفاق سلام وصلت بخ القصر الرئاسي، ما زالت الشعبية بقيادة الحلو في مرحلة التفاوض.  .

وأشار المراقبون ، إلى وجود مجموعة أخرى بقيادة تلفون كوكو وعبد الله جلاب قامت الاسبوع الماضي بإعلان فصل مالك عقار من عضوية الحركة الشعبية وطالبت بإخلاء منصب عضو مجلس السيادة الذي يشغله عقار حالياً.

وأكدوا على أن  تمكين الحكومة لأي من الأجنحة المتصارعة حالياً على حساب الجناح الآخر ، سيعني بالضرورة أن حرباً ضروساً ستنشب في منطقة جبال النوبة، قد تفوق ضراوتها حرب الجنوب بعد الانفصال.

 

صورة تجمع قادة الحركة الشعبية الحلو عقار وعرمان والتي انقسمت في عام 2017

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى