تقارير وتحقيقات

القوة المشتركة في السودان.. حسم التفلتات أم اختطاف للسلطة المدنية

أصدر نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، قبل إسبوع من الآن، قراراً أثار جدلاً واسعاً، بتشكيل قوة مشتركة تضم أفراداً من قواته إلى جانب الجيش، الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، بالإضافة إلى الشرطة، وجهاز الأمن والمخابرات. وأوضح القرار أن هذه القوة تهدف إلى حسم “الانفلات الأمني في العاصمة والولايات وفرض هيبة الدولة”..

الخرطوم:التغيير: أمل محمد الحسن

«هذه القوة المشتركة يجب الا ترى النور». هكذا قال عضو المجلس المركزي الحرية والتغيير، ساطع الحاج بـ«حزم» حول موقفه ورؤية حزبه «الحزب الوحدوي الناصري» من القرار الذي اصدره نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول محمد حمدان دقلو «حميدتي»، القاضي بتشكيل قوة مشتركة لحسم التفلتات في العاصمة والولايات.

القرار الذي وصفه الحاج بـ«الخطير»، أكد عدم دستوريته «لا يملك أي سند قانوني»، وأشار إلى أن حفظ الأمن الداخلي والتفلتات هو عمل خاص بالشرطة بشكل أساسي وليس من اختصاص الدعم السريع أو الجيش أو المخابرات.

عدد من الأحزاب اشتركت مع الناصريين في مخاوفهم من القوة المشتركة، حيث أصدر الحزب الشيوعي بياناً اتهم فيه المجلس السيادي بالتغول على سلطات مجلس الوزراء، وشبه القوة المشتركة بالقوة التي قامت بفض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في يونيو 2019م.

فاعلية فورية

على الرغم من الرفض الكبير لهذه القوات المشتركة؛ إلا أنها رأت النور وباشرت أعمالها بالفعل، وبحسب ضابط رفيع في الشرطة، فإن الحملة الواحدة تضم حوالي «220» فرداً نظامياً يتوزعون على «20» سيارة دفع رباعي «تاتشر»، وقوام كل سيارة «11» فرد نظامي.

وكشف الضابط الذي فضل حجب هويته لـ(التغيير) عن أنه «تتوزع مهام الحملة بين الارتكازات والأطواف». مضيفاً إن الأفراد في السيارة الواحدة يمثلون كافة القوات المشاركة.

مصدر شرطي: بلاغات النهب باتت صفرية بعد انتشار القوات المشتركة

وأوضح الضابط، أن ىالحملات التي انطلقت بمدينة الخرطوم بحري، امتثل فيها جميع الأفراد المشاركين لقيادة الشرطة، بقيادة ضابط برتبة عميد، هو مدير شرطة محلية بحري.

مردفاً إنه يمكن تكليف ضابط شرطة برتبة عقيد لمتابعة القوات، وأشار إلى أن أعلى رتبة بالقوات المساندة للشرطة هي رتبة نقيب.

وأكد المصدر أن الحملة التي بدأت منذ أيام قليلة؛ ظهرت نتائجها فوراً في انعدام بلاغات النهب في عدد من أقسام الشرطة بمحلية بحري «الاثنين والثلاثاء، مقابل بلاغ واحد الأربعاء».

مشيراً إلى أن عدد البلاغات في القسم الواحد قبل انطلاق عمل القوة المشتركة كان يتراوح بين «6- 8» بلاغات، جميعها بلاغات نهب واختطاف. كاشفاً عن أن المتهمين في عدد كبير من البلاغات جهات نظامية.

وتابع: «كان المواطنون يتهمون عناصر تابعة لجهات نظامية ويستقلون سيارات بدون لوحات». مقراً بعدم قدرتهم على قبض أي متهم من قبل.

مشدداً على فاعلية القوات المشتركة، التي قال إنها ضرورية للتعامل مع حالات فيها اشتباه بوجود مجرمين ينتحلون صفة قوات نظامية.

مضيفاً : «عندما يتم القبض على متهمين منتحلين لصفة قوات نظامية يسهل التعامل معهم بوجود القوة المشتركة، ويتم إحالتهم فوراً للجهة التي يدعون أنهم يتبعون لها».

مبيناً أن القوات المشتركة ليست اختطافاً لدور الشرطة؛ بل داعمة لها في ظل إمكانياتها الضعيفة وعدم قدرتها على تغطية كل المحليات في ذات الوقت.

وأكد المصدر أن هذا الضعف ساهم في انتشار الجرائم والتفلتات. ومضى شارحاً: «كانت سيارة الشرطة تجد عدد كبير من عصابات النيقرز في منطقة وتخشى من التدخل لعدم كفاية القوات مع عدم السماح لمنسوبي الشرطة باستخدام القوة».

إحياء هيئة العمليات

وجود أفراد جهاز المخابرات العامة بين مكونات القوة المشتركة، اعتبره عضو المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، ساطع الحاج، محاولة لبث الحياة في هيئة العمليات التي كانت تتبع لجهاز الأمن والمخابرات في السابق، وقطع بأن الجهاز وفق الوثيقة الدستورية غير معني بالأمن الداخلي، وليس قوة عسكرية مسلحة.

وأكد الحاج في إفادته لـ(التغيير) انتهاء أسباب وجود قوات الدعم السريع بسقوط نظام البشير «لا مبرر لاستمراريتها في الحياة السياسية أو العسكرية».

وشدد على ضرورة عدم منح قوات الدعم السريع مهام لتنفيذها خارج المهام التي تشكلت لأجلها. مضيفاً: «من الأفضل توجيه الميزانيات التي ستمنح لهذه القوة المشتركة لتدريب الشرطة وتوفير معينات لها».

دور مطلوب

ووفق مصدر استخباراتي مطلع، فإن جهاز المخابرات ينحصر دوره في الجانب المعلوماتي، وليس بقوات عسكرية؛ وأكد أن القوات مكونة بشكل أساسي من الشرطة تسندها القوات الأخرى.

مصدر استخباراتي: التفلتات تؤثر سلباً على البعثات الدبلوماسية والمستثمرين

ونوه المصدر في إفادته لـ(التغيير) إلى تنامي التفلتات التي تسببت في حوداث عنف كبيرة تقوم بها عناصر تنتحل صفة الحركات المسلحة، وقطع بضرورة حسم الظاهرة لحماية المواطنين وممتلكاتهم.

وحول الاتهامات التي وجهتها الأحزاب، قال المصدر: «ليس لديهم خلفيه عن القوات المشتركة وتكوينها ومهامها»!.

ودافع بقوله إن دور القوات مطلوب بشدة مع تنامي الجرائم واستخدام السلاح خلالها في عاصمة كانت الأكثر استقراراً في السابق.

وأشار إلى تأثير تلك الجرائم على الدبلوماسيين والمستثمرين، مؤكداً على أن الدولة ستضرر حال عدم مسارعتها إلى وضع حد لتلك التفلتات. داعياً إلى تشجيع عمل القوات المشتركة، ومطالبة الدولة بالمزيد من الإجراءات.

واتفق مع المصدر، المدير التنفيذي لرئاسة الترتيبات الأمنية بحركة العدل والمساواة، جمال حامد، الذي أكد وجود تفلتات في العاصمة والولايات تسببت في وجود حالة من عدم الأمان.

وقال حامد لـ«التغيير»، إن هناك سيارات تتجول بدون لوحات، وأشار إلى الاتهامات التي طالت جهات محسوبة على الحركات المسلحة في حادثة الاغتيال الشهيرة للطبيب مجدي الرشيد.

وأكد حامد مرافقة وكيل نيابة للقوة المشتركة، ووجود ممثلين للحركات في حال ادعى أي مجرم انتمائه لهم «يتم التحقق من ذلك على الفور».

وأيد الخبير القانوني، نبيل أديب، ما ذهب إليه حامد بقوله إن المقصود من القوات المشتركة مواجهة التفلتات التي تقوم بها جهات تدعي انتمائها لجهة نظامية أو الحركات المسلحة.

وأكد أديب عدم مقدرة الشرطة على التعامل مع التفلتات التي تقوم بها جهات نظامية ومسلحة، معتبراً أن هذا المبرر الوحيد لوجودها. وتابع: «في غير ذلك لا يمكن أن تتبع قوات عسكرية الجريمة».

تطبيق «سيناريو» مصر

وصف المحلل السياسي، صلاح الدومة، القوات المشتركة بالعبث والالتفاف، واعتبر أنها ذات الطريقة التي كانت تحدث في عهد الإنقاذ «النظام السابق».

محلل سياسي: القوة المشتركة إعادة تمثيل للسيناريو المصري والحل في استدعاء سلطة الجماهير

واتهم الدومة في حديثه لـ(التغيير) الحكومة بالهروب من استحقاقات تنفيذ اتفاق سلام جوبا، ووصف القرار بأنه «قفزة في الظلام»!.

وأضاف الدومة إن ما يتم الآن وما سيحدث لاحقاً من تبعات هو تنفيذ للسيناريو المرسوم من الدولة العميقة والمجلس العسكري وجهاز المخابرات.

ووفق المحلل السياسي فإنه نقل للتجربة المصرية في سيطرة المؤسسة العسكرية على الحكم!

ووصف الدومة مبادرة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، بأنها غير ذات قيمة، ووصفه بأنه «غزال يشاهد حيوانات ضارية تأكل أبناءه دون أن يملك فعل شيئاً»!
المخرج من السيناريو الذي توقعه الدومة هو أن يقوم حمدوك بالحديث الشفاف مع الشعب السوداني ويخبرهم بتغول العساكر على سلطاته وتفعيلهم للدولة العميقة وجهاز الأمن، مردفاً: «الحل في استدعاء سلطة الجماهير».

وبين رفض القوات المشتركة، ومبررات وجودها التي تسوقها كافة الأجهزة النظامية، يبقى التساؤل حول مدى فاعليتها في استتباب الأمن بالعاصمة الخرطوم والولايات التي كثرت فيها حوادث النهب من العصابات الشهيرة بـ«تسعة طويلة»، وما إذا كانت فعلاً لحسم التفلتات أم أنها لاختطاف السلطة المدنية؟!.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى