أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

ديون السودان.. فوائد ما بعد الإعفاء ومخاطر فاتورة الشركاء

وجدت خطوة إعفاء ديون السودان لدى دول نادي باريسرجزئياً، تفاعلاً كبيراً في الأوساط السودانية المختلفة، لكن النقطة المحورية كانت ما هي فوائد ما بعد الإعفاء والمخاطر التي تترتب على الخطوة، وهل هي خير مطلق… إلخ؟

التغيير- الفاضل إبراهيم

ما إن أعلن رئيس نادي باريس للدائنيين ايمانويل مولان إلغاء «14.1» مليار دولار من ديون مستحقة على السودان، وإعادة هيكلة المتبقي من 23 مليار دولار، حتى تفاعلت الأوساط السودانية المختلفة لأنه ملف يشكل عائقا أمام الحصول على قروض ومنح لبدء مشاريع التنمية.

وقال وزير المالية د. جبريل إبراهيم، إنه تمت إعادة جدولة المتبقي «9.5» مليار دولار لحين الوصول إلى نقطة الاكتمال في مبادرة الدول المثقلة بالديون «هيبك»، مع التوقف عن سداد خدمة الدين خلال هذه الفترة.

وفي وقت سابق اتفق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، على إعفاء «23» مليار من ديون السودان، على أن يستكمل بمبادرات أخرى ليصل لأكثر من «50» مليار من الديون البالغة «60» مليار دولار، إذ لازالت هنالك ديون من دول خارج نادي باريس، منها الكويت أكبر دائن للسودان بـ«9.8» مليار دولار، والسعودية والصين، كما ويدين لمقرضين تجاريين بما لا يقل عن «6.5» مليار دولار.

خطوة للأمام

وجاءت الخطوة عقب موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، على قرار انضمام السودان لمبادرة «هيبك»، وسيحصل بموجب ذلك علي قروض ومنح تقدر بـ«4» مليارات دولار خلال عامين من الشركاء والداعمين للفترة الانتقالية.

وقالت الخبيرة الاقتصادية د. سبنا إمام لـ«التغيير»، إن أي تقدم للسودان نحو حل ديونه غير المستدامة خطوة للأمام، وتمنت أن تصل نهايتها المنشودة.

وأضافت: «ولكن في المقابل بالنظر إلى كيفية تعاطي القوى السياسية الداخلية والمحاور الإقليمية والدولية التي أحكمت السيطرة على عملية الانتقال وأفرغتها تماماً من اي مشروع وطني خالص؛ يثير شكوكاً كبيرة حول أن المحرك الأساسي للإصلاح الاقتصادي بات سياسياً واستخباراتياً ويبتعد كل يوم عن المهنية الاقتصادية التي تضمن نجاحه ووصوله لغاياته».

خبيرة اقتصادية تحذر من التفاؤل المفرط وتصوير «الهيبك» على أنها خير مطلق لا شر فيه

تجارب

وتابعت بأنه عملياً ومن واقع التجارب، أي دولة لتصل نقطة القرار تحتاج ثلاث سنوات، ما يؤكد أن عملية الانخراط في «الهيبك» بدأت في عهد النظام السابق وتحديدا منذ 2017م، إذاً السياسات الاقتصادية الحالية هي امتداد كامل لسياسات النظام السابق، وهذا بدوره يفسر اختيار معتز موسى لحمدوك وزيراً للمالية لأنه كان الرجل المناسب لتنفيذ هذه السياسات، ولكن الشعب فاجأ الجميع بثورته التي لم تتحسب لها لا المحاور.

د. سبنا إمام

وحذرت سبنا من التفاؤل المفرط، وقالت إن الادعاء بأن «الهيبك» خير مطلق لا شر فيه مجانب للصواب وينطوي على تضليل كبير فبناءً على الدراسات التي تضمنت تقييما لأداء المبادرة في كثير من الدول وعددها «40» حتى الآن خلصت إلى أن المبادرة لا يمكن وصفها بالنجاح أو الفشل، فقد نجحت في مساعدة بعض الدول لكنها فشلت في أخرى، فمن بين «40» دولة وصلت «32» لنقطة الاكتمال بنتائج متفاوتة، وذلك لأن «الهيبك» كما أنها تساعد في خفض الديون تنطوي أيضاً على إجراءات لها آثار سالبة على مؤشرات اقتصادية أخرى.

مخاوف ومخاطر

وأكدت د. سبنا أن البنك والصندوق الدوليين لن يلتزما بإعفاء الديون قبل الوصل لنقطة الاكتمال وهو ما قد يتطلب من ثلاث لست سنوات، وخلال هذة الفترة ستكون الحكومة تحت ضغط تنفيذ السياسات القاسية لاستيفاء الشروط من جهة وضغط الشعب الذي لا يمكنه تحمل ارتفاع تكاليف هذه الإصلاحات القاسية، مما يزيد من خطر الإضطرابات السياسية خاصة في الدول الأكثر هشاشة وقابلية للتفتت.

وقالت: «وخلال فترة الوصول لنقطة الاكتمال يزداد الفقر كماً وعمقاً، ذلك أن الإجراءات التي تتضمن رفع الدعم الحكومي وخصخصة الخدمات الحكومية تجعل شريحة أكبر من السكان كل يوم غير قادرين على الوصول لهذه الخدمات الأساسية خاصة الصحة والتعليم مما يزيد الشرائح المنضوية تحت خط الفقر ويعمق من درجة فقرها باستمرار».

مشروعات

وذكرت سبنا أن القروض التي تمنح حتى الوصول لنقطة الاكتمال يتم منحها لقيام مشروعات بنية تحتية غالباً من تقدمها شركات أمريكية وأخرى تابعة لدول نادي باريس، وهي تعتبر شريكاً استثمارياً لا يعتمد عليه لأنها قد تغادر البلاد حال حدوث أي إنفلات أو صراعات أهلية وذلك لأن هذه الدول تولي اهتماماً كبيراً بقضايا حقوق الإنسان مثل تجربة «شيفرون» في السودان حين تركت الاستثمار في النفط مع اندلاع الصراع في جنوب السودان بعد فشل اتفاقية أديس أبابا.

وقالت: «الترويج لمبارة الهيبك وكأنها عصا موسى وبأنها خير لا شر فيه يفتقر للحقيقة العلمية ولا تصدقه الدراسات العملية وهو محض حديث نظري يتطلب الحكم عليه مزيداً من الوقت، كما يجب أن يعي الناس بأنه ليس طريقاً منبسطاً وخالٍ من أي تحديات، بل إنه بالنظر للظروف الخاصة بالسودان كان من المفترض أن يخضع دخولنا في هذه المبادرة لتداول طويل في مجلس تشريعي يقيم المنافع والمضار المحتملة كون الهيبك تعني رسمياً رهن القرار الاقتصادي للمؤسسات الدولية والدول التي من خلفها».

وتابعت: «كما أن ديون السودان ينبغي أن يكون جنوب السودان شريكاً بنصفها وهو 50% منها حسب اتفاقية نيفاشا وهي ذات النسبة التي ستخفضها الهيبك على الأقل بعد ثلاث سنوات إذا نجح السودان في الوصول لنقطة الاكتمال بشروطها القاسية جداً. فلماذا الصمت عن هذا الأمر ولماذا يتحمل الشمال ديون جنوب السودان؟».

عضو باللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير: وصول السودان لنقطة القرار والانضمام لـ«هيبك» مكسب وطني

مكسب وطني

من جانبه، وصف عضو اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير المهندس عادل خلف الله، وصول السودان لنقطة اتخاذ القرار والانضمام لـ«هيبك» بالمكسب الوطني.

وقال لـ«التغيير»، إن الخطوة أدخلت السودان مرحلة جديدة تشكل خط شروع للتعافي بحشد الموارد الذاتية وتفكيك بنية ونهج التمكين، ومكافحة الفساد والتوازن بين القطاعين العام والخاص إضافة للتعاوني.

وأضاف بأن الشعب السوداني دفع ثمناً غالياً لها ولمشوار طويل، باعتبار أن الوصول إليها تطلب من الحكومة الانتقالية تبني إصلاحات اقتصادية ترتب عليها ارتفاع غير مسبوق في تاريخ السودان بأسعار السلع والخدمات وتآكل القوى الشرائية لقيمة الجنية والمدخرات، كان بالإمكان تبني بديل لها.

عادل خلف الله

فوائد وفرص

واعتبر خلف الله أن إسقاط ما يقارب الخمسين مليار من ديون السودان إذا تم الوفاء به ينزل عن كاهل الاقتصاد السوداني أعباء السداد وبالتالس سينخفض الطلب الحكومي على النقد الأجنبي وتوجه التزامات الديون لدعم التنمية الإجتماعية والتعليم والصحة والبنى التحتية بأولويات وبعيداً عن الضغوط، وفي نفس الوقت فرص الحصول على العون المالي أو الفني أو الاستشاري من المؤسسات الدولية والاقليمية.

ورهن خلف الله اكتمال نجاح خطوة إعفاء جزء من الديون بجعل أولوية السياسات الحكومية في التسريع لمعالجة وامتصاص الآثار الحادة للسياسات الاقتصادية التي اتخذت على المجتمع وعلى القطاعات الانتاجية.

وقال إن السودان دخل بالإعفاء مرحلة جديدة لها مطلوباتها الداخلية وذلك باستعادته كامل عضويته في صندوق النقد الدولي واستئناف تعاملاته مع المؤسسات الدولية والإقليمية وتلقي العون والدعم والتمويل.

أكاديمي: فترة تسديد الديون السيادية تعني مضاعفة ديون السودان قبل وصوله لنقطة الإنجاز

ديون جديدة

بدوره، أوضح الاقتصادي والأكاديمي د. أحمد سالم لـ«التغيير»، أن مبادرة «الهيبك» ليس لها زمن محدد لإعفاء الديون، وإنما تبدأ بما يعرف بنقطة القرار والتي تلزم السودان بتسديد ما عليه من الديون السيادية التي تخص البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الأفريقي للتنمية، وقد تحصل السودان على قروض تجسيرية لسدادها.

وقال إن ذلك يعني مضاعفة ديون السودان السيادية قبل وصوله لنقطة الإنجاز مما قد يزيد من فترة السداد، وعلى الدولة التي ستدخل نقطة القرار أن تحرز تقدماً ملحوظاً في برنامج صندوق النقد الدولي «روشتة صندوق النقد الدولي» لمدة ستة أشهر من حيث تنفيذ سياسة التحرير الاقتصادي كاملة وتجويد الإدارة المالية والحوكمة.

وأضاف بأنه يجب على السودان إكمال شروط مرحلة القرار ليتمكن من دخول نقطة الإنجاز والتي تتوجب القيام بتنفيذ جميع شروط روشتة صندوق النقد الدولي المتمثلة في سداد الديون السيادية.

وتابع بأن هذا يتطلب ألا تزيد خدمة الدين عن «150%» من جملة صادرات السودان السنوية وتحقيق الحوكمة والشفافية والإفصاح والإصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

د. أحمد سالم

بجانب تنفيذ الإصلاح الضريبي وتنويع مصادر الضرائب والعمل على حشد الجهد المالي ورفع حصيلة الإيرادات الذاتية، بالاضافة لاستقلالية البنك المركزي وإصلاح الجهاز المصرفي وإحكام قبضة وزارة المالية على المال العام ومنع التجنيب وخفض الإنفاق الحكومي، فضلاً عن إصلاح الخدمة المدنية ورفع كفاءة الأداء بها.

ومن الشروط أيضاً استكمال رفع الدعم عن جميع السلع والخدمات وإلغاء الإعفاءات الجمركية والرسوم والضرائب.

الاستقرار السياسي

وذكر سالم، بالإضافة لذلك، الاستقرار السياسي والأمني وتسجيل تقدم ملحوظ في ملف حقوق الإنسان والحريات العامة وإقامة دولة القانون، وتنفيذ عملية التحول الديمقراطي والحكم المدني عن طريق الانتخابات لتثبيت تداول السلطة سلمياً.

وقال إنه عند التزام السودان بهذه الشروط التي يصعب أو يطول تنفيذها، سيدخل السودان نقطة الإنجاز ليتمكن بعد ذلك من إعفاء جميع ديونه الخارجية بعد موافقة الدائنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى