أعمدة ومقالات

الأزمة التونسية والشماتة غير النبيلة

رشا عوض

“تونس أمست عالقة بين رئيس شعبوي تسلطي، من جهة، وبين عقم “النهضة” وحلفائها حيال انتاج حلول مرضية لأزمات الناس. وبين هذين الفكين، يلفظ ما تبقى من الربيع العربي أنفاسه الأخيرة” بهذه العبارة لخص الدكتور مهند حاج علي دلالة ما جرى في تونس أمس من قرارات رئيس الجمهورية قيس سعيد حل الحكومة وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه وتعيين نفسه نائبا عاما وتلويحه باستخدام القوة العسكرية لفرض قراراته إذ توعد “بالرد الفوري بوابل من الرصاص على من يطلق رصاصة واحدة ومن يحاول نشر الفوضي وجر البلاد للإنفلات الأمني، والمواجهة بكل حزم”

وبهذه الطريقة طوى الرئيس التونسي صفحة نزاعه مع رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي  حول صلاحيات رئيس الجمهورية في قيادة الجيش والشرطة وهو الامر الذي يجب ان تفصل فيه المحكمة الدستورية.

المشهد التونسي حافل بتعقيدات صعبة يدرك أبعادها بشكل ادق التونسيون أنفسهم، ولكن المراقب للمشهد من الخارج ولا سيما في المنطقة العربية يجد نفسه مهموما بما يجري هناك انطلاقا من رمزية تونس في مسيرة “الربيع العربي” الحافلة بالخيبات والارتداد  الى دكتاتوريات أسوأ من التي كانت قائمة او الانزلاق الى حرب أهلية، ولذلك أجد نفسي حزينة لما حدث في تونس،  ليس لسواد عيون “حركة النهضة”  بل لأن الشمعة الوحيدة المتبقية من الربيع العربي قد انطفأت!

والشمعة المقصودة هنا تحديدا هي العملية السياسية الملتزمة بقواعد اللعبة الديمقراطية!

استوقتني كثيرا ردود الأفعال على ما حدث في تونس في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، وتحديدا نبرات الشماتة والاحتفاء بقرارات تجميد برلمان منتخب كحالة من إسقاط الغضب السوداني من “النظام الاسلاموي” البائد، وانطلاقا من ان “الإسلام السياسي” ملة واحدة ويجب التصفيق للتخلص منه بغض النظر عن الوسيلة واختلاف السياق! وهذا منطق مأزوم وخطير يؤكد بعد المسافة التي تفصلنا عن الالتزام الصارم بالديمقراطية، إذ ان المحك الأصدق  لاختبار الموقف المبدئي من الديمقراطية هو وقت مصادرتها من خصومنا السياسيين ومن يتناقضون معنا فكريا!

“الإسلام السياسي” بكل صوره وأشكاله آفة سياسية تعكس خللا فكريا عميقا في بنية العقل الجمعي في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، ولكن من ظن ان التصدي الناجح لهذه الآفة هو عمليات جراحية مستعجلة وبأدوات غير معقمة بمطهرات الديمقراطية وحقوق الإنسان ، فهو مخطئ!

مثل هذه العمليات الكسولة والمهزومة اخلاقيا هي هدية ثمينة يهديها الغافلون لجماعات الاسلام السياسي! إذ انها تخدم الدعاية المركزية والهدف الاستراتيجي لهذه الجماعات وهو تسفيه امر الديمقراطية وشرعنة تقويضها وتطبيع التعامل معها تكتيكيا وبانتهازية، وجواز الاستقواء على صندوق الاقتراع بالسلاح او التلويح بذلك لمجرد ان نتيجة الصندوق لم توافق اهواءنا! وكأنما الاقتراع يتم مرة واحدة في التاريخ!

اكبر دليل على لا جدوى مثل هذه العمليات في التخلص من “الاسلام السياسي” هو وصول احزابه الى السلطة بالانتخابات الحرة في اهم قلعتين لمشروع الاستبداد العلماني وهما تركيا وتونس!

وبالتالي لا بد من التفكير خارج صندوق الحبيب بورقيبة ومصطفى كمال اتاتورك! والصبر والمثابرة على بناء مشروع علماني ديمقراطي مسنود بقاعدة جماهيرية، وذلك يحتاج الى صبر وايمان بان مجتمعاتنا حتما ستجترح يوما ما طريقها الخاص نحو نهضتها التي تعني بالضرورة عقلانيتها وعلمانية دولها، الى ذلك الحين لا بد من اتقان فن التعايش الديمقراطي بين التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، بما فيها تيارات “الاسلام السياسي” رغم انها لن تتوقف عن التآمر على الديمقراطية! ولكن ردعها عن التآمر ينجح عبر الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية وحراستها جيدا بتقوية اصطفاف العلمانيين الديمقراطيين وصلابتهم الفكرية والسياسية وتوسيع قاعدتهم الجماهيرية بدلا من دفع هذه الحركات دفعا وحثها حثا على التآمر وهو أصلا عشقها الابدي ومنهجها المقدس!!

الديمقراطية كثقافة سياسية تعاني من غربة في كل دول الربيع العربي، فالعقل السياسي المتحكم في هذه المنطقة كل روافد تكوينه تقريبا معادية للديمقراطية عداء نابعا من بنيتها الفكرية ومنطلقاتها النظرية، فاليسار في تياراته الماركسية والبعثية والناصرية والقومية العربية كرس الموقف التحقيري للديمقراطية، او الموقف الارتيابي المتشكك في جدواها  على احسن الفروضّ، واليمين الاسلاموي بمختلف تياراته كذلك كرس موقفا”تكفيريا” ضد الديمقراطية وعلى احسن الفروض اباح التعامل الانتهازي معها او قبولها بمنهج “التقية”!! والتيارات اللبرالية المتصالحة فكريا مع الديمقراطية متورطة في مهادنة او ممالأة الاستبداد مما أضعف مبدئيتها فضلا عن عزلتها الجماهيرية!

فالديمقراطية كأهم “منتوج تقدمي للإنسانية” تحتاج في هذه المنطقة المنكوبة من العالم إلى آباء مؤسسين وامهات مؤسسات قادرين وقادرات على استنباتها في التربة الثقافية وتوطينها في المجال السياسي بوصفها ضرورة نهضوية وفكرة انسانية تقدمية وأفضل ما توصلت اليه التجربة الانسانية في إدارة الاختلاف وتكريس السلم الاجتماعي ، فهي ليست “خدعة برجوازية” ولا “بدعة من بدع الكفار والمشركين” ولا ” نظام غربي يناسب اوروبا فقط” ولا “ترف فكري يجب تأجيله الى حين الفراغ من هزيمة الصهيونية”

الآباء المؤسسون والأمهات المؤسسات لن يهبطوا من السماء بل يمكن ان يأتوا من أصحاب الرؤى النقدية المستنيرة في ذات التيارات الفكرية والسياسية الموجودة حاليا، ومن المستقلين عنها ومن مختلف الفاعلين في المجال العام، ويظل شرط نجاحهم جميعا في هذه المهمة التاريخية(توطين الديمقراطية) هو ترويض الدكتاتور الكامن في دواخلهم بحزم شديد! ففي دواخلنا جميعا نزعة استبدادية تختلف في مدى طغيانها ومدى مقدرتنا على كبحها ، هذه النزعة صنعت على أعين ثقافاتنا التقليدية وانماط الفكر الديني المهيمنة على وعينا وطرائق تربيتنا في أسرنا او مدارسنا وما غرسته في عقولنا الآلة الإعلامية للدكتاتوريات التي قمعتنا لعقود،  بل حتى ما رسخه كبار المثقفين من الاحتفاء بالمستبدين وتمجيد الطغاة ، نجد الشاعر الكبير نزار قباني الذي نلقبه بشاعر الحب والحرية يقول في رثاء جمال عبد الناصر:

قتلناك يا جبل الكبرياء

قتلناك ليس جديدا علينا قتل الصحابة والأنبياء

ولكن معضلة توطين الديمقراطية لا تنحصر في ترويض تلك النزعة الاستبدادية عبر الاستنارة الفكرية وإصلاح عيوب النفوس ، بل تتطلب كذلك ربط المشاريع الديمقراطية ربطا عضويا بالعدالة الاجتماعية كهدف استراتيجي ادواته رؤى اقتصادية وتنموية واضحة ومجدية في مكافحة الفقر والتهميش بذات الصرامة التي نرفض بها التضحية بالحرية من أجل الخبز  لا بد ان نرفض التضحية بالخبز من اجل الحرية وعلينا ان نؤمن ايمانا عميقا ان شعوبنا تستحق الحرية والخبز معا وهذه هي  المعادلة السياسية  المفقودة الآن.

Rashahe71@hotmail.com

 

 

‫5 تعليقات

  1. المقال يفترض حسن النية في الاسلاميين ويساويهم في الحقوق مع كل الاطياف السياسية المقتنعة والملتزمة بالديمقراطية كنهج وبالتداول السلمي للسلطة كوسيلة للحكم ،، وشخصيا اري غير ذلك ،، فللديمقراطية شرط اساسي هو الالتزام بها من كل الاطراف وهو ما يشز عنه الاسلاميين ،، بل بالعكس ،، هم يستغلون الديمقراطية لتقويض التجربة من الداخل مثلما حدث في السودان في ١٩٨٩ ،، وذلك لقناعتهم بأن فكرهم رسالي مقدس يجب ان يسود بغض النظر عن الوسائل ،، بالاضافة الي انتهاجهم اسلوب العنف عند الضرورة ومن منطلق جهادي ،، وكل شئ مباح في عرفهم حتي الكذب ،، والاخطر عدم اعترافهم بالدولة القطرية بالاساس وتقديمهم الجماعة عليه ،، فهل بعد الولاء لغير الوطن من سبب يجعل عزلهم عن المسرح السياسي فرض عين ،، ؟
    اكتبي علي لساني يا استاذه رشا ،، كل محاولات تأسيس ديمقراطيات في الوطن العربي لن تنجح طالما كان الاسلاميين موجودين ،، وطالما كانت باقي الاحزاب بهذا الضعف والانانية الفكرية ،،
    ولسه المشوار طويل ،،

  2. الأستاذة رشا

    الديمقراطية في بلادنا تحتاج لثورة تصحيح لكل العقد والتراكمات السياسية والإجتماعية وهذه مهمة التيار النخبوي المستنير حتى تصبح عقيدة بين الناس ولن تصبح كذلك إلا بالوعي ثم الوعي
    وتحدي الواقع والجتمع المثقل بتركة ثقيلة وممنهجة من التخلف والأدلجة
    فالديمقراطية تبدأ من القاعدة إلى القمة وليس العكس

  3. سؤال للأخ عوض عثمان..هل الاسلاميين موجودين فى كل الدول الافريقيه التى لم تشم رائحة الديمقراطية ام ان هنالك اسباب اخرى تتطلب الصبر عليها وتحييدها بمزيد من الديمقراطية؟

  4. الحكم يعني قوانين وسلطة واقعة على البشر وعلى المال. الذي يسعى لتقديم النظام الإسلامي كنظام للحكم من المفترض أن يقدم هذه الأحكام مستنبطة من كتاب الله وبصورة توافق الواقع وهذا ما فشلت فيه الحركات الإسلامية في جميع أرجاء الأرض. ولذلك نجدهم يطبقون النظام العلماني سواء في الإقتصاد أو في نظام الحكم لكنهم يقدمومنها بطريقة مشوهة ولا يحترمون هذه القوانين العلمانية التي هي لا تتوافق في كثير من أحكامها مع القوانين الاسلامية. إذا الأزمة فكرية. والتجربة الإسلامية في السودان كانت علمانية في اقتصادها بغطاء إسلامي غير حقيقي وبعيدة كل البعد عن روح الإسلام . فهم فشلوا في تقديم قوانين إسلامية لحكم الناس والأموال وفي نفس الوقت وجدوا أنفسهم مضطرين لتطبيق القوانين العلمانية التي لا يعترفون بها لأنها في الغالب ضد التشريع الإسلامي فالمشكلة في الإنسان المسلم الذي فشل في استنباط نظام الحكم والسياسة والإقتصاد من كتاب الله الذي يمثل بوصلة وهدي لمسيرة الانسان فالمسؤلية هي مسؤلية جميع المسلمين وليس الجماعات الإسلامية وحدهم. لا يصح استبدال الدين الإسلامي بالدين العلماني بل يجب البحث والتنقيب لتقديم منهج الله بصورة تكون متوافقة مع العصر وفيها روح الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى