أخبارحوارات

الباقر العفيف لـ«التغيير»: إحالة العلمانية للمؤتمر الدستوري حجة كيزانية

المبادرة السياسية التي طرحها رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك بعنوان «الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال.. الطريق إلى الأمام» في 22 يونيو 2021ن أبرزت إلى السطح بقوة معضلات الفترة الانتقالية، في هذا السياق حاورت «التغيير» د. الباقر العفيف مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، الكاتب والباحث في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والسياسة السودانية، وصاحب الأطروحات الفكرية في أزمة الهوية في السودان، وكانت خطتنا للحوار مطاردة «شيطان التفاصيل» في قضايا السلام والعدالة الانتقالية ودمج الجيوش والعلاقة مع الإسلاميين، فكانت هذه السلسلة الحوارية التي قسمناها إلى ثلاث حلقات؛ الأولى عن المبادرة وشروط نجاحها، والثانية عن العدالة الانتقالية والثالثة عن لجنة إزالة التمكين.      

التغيير- حوار: رشا عوض

* كيف تنظر إلى المبادرة الأخيرة التي تقدم بها رئيس الوزراء د. عبد الله حمدوك، هل فعلاً خاطبت الإشكاليات التي تواجه الفترة الانتقالية؟

نعم، خاطبت المبادرة المعوقات الأساسية للانتقال، وأثبتت أن الصمت الحكومي الذي أدى لاتهام الحكومة وعلى رأسها حمدوك بالضعف وعدم المواجهة كانت له أسبابه، وهي الحفاظ على علاقة منتجة مع العسكريين على أمل إقناعهم بالتعاون، فقد كان رئيس الوزراء يراهن على أن طريقة (خد وهات) يمكن أن تنجح في إقناع العسكريين بالتعاون مع الحكومة المدنية في تحقيق أهداف الثورة، لم يتحقق ذلك وهذا ما يفسر نجاح الحكومة في حل كل المشكلات مع المجتمع الدولي وعجزها عن حل المشكلات الداخلية، حمدوك دفع ثمناً غالياً وهو أنه تحمل شخصياً مسؤولية فشل الجميع: الحاضنة السياسية والعسكريين.

المبادرة كشفت- برغم لغتها الدبلوماسية- عن جذر الأزمة الحقيقي، وهو أن الأجهزة الأمنية تنتمي روحاً وقلباً وقالباً للنظام القديم، وأنها لم تتقبل الثورة في كلياتها، وأن مصالحها الذاتية ومنهجيات عملها وأفكارها تتناقض مع الثورة، وما دام الحال كذلك فلن تتقدم الثورة، وهذا هو جوهر الأزمة، لأن المشاكل الأخرى التي أشارت إليها المبادرة كالخلاف بين العسكريين فيما بينهم، والخلاف بين المدنيين فيما بينهم، يمكن حلها بصورة من الصور، ولكن المشكلة الأساسية هي التناقض بين قوى الثورة والثورة المضادة.

لهذه الأسباب (…) اختطف العسكريون ملف السلام

* هناك من يحمل حمدوك نفسه المسؤولية عن الفشل في حل المشكلات الداخلية وعلى هذه الخلفية هناك أصوات تطالب بالإطاحة بحكومة الفترة الانتقالية بشقيها المدني (بما فيه حمدوك) والعسكري، كيف تنظر إلى ذلك؟

أعتقد أن هذا التوجه خاطئ، ومن يحمل حمدوك كامل المسؤولية لم يتفهم طبيعة الوضعية والبيئة السياسية التي نحن فيها الآن فهماً صحيحاً، أنا متأكد من أننا لو أتينا بأي شخص ليحل محل حمدوك في ظل هذه الوضعية سوف يفشل بذات القدر، ربما يكون هناك فرقاً بسيطاً يعود إلى الفروقات الفردية، مثلاً هناك أشخاص طبيعتهم المواجهة والمضي بالأمور إلى حافة الهاوية، ولكن هذه ليست طبيعة حمدوك، فهو لا يميل للمواجهة، مثلاً عندما تحدث حمدوك حديثاً دبلوماسياً مهذباً عن أن الحكومة لا تسيطر إلا على «18%» من إيرادات الاقتصاد السوداني، وأن «82%» هي إيرادات الشركات الأمنية والعسكرية ويجب أن تكون تحت سيطرة وزارة المالية، “هاج” العسكريون هياجاً شديداً بقيادة البرهان الذي طالب بتفويض، لو كان شخصاً آخر في مكان حمدوك، كان يمكن أن يتحدى البرهان، ويقول له هذا انقلاب ولو كنت تستطيع أن تنفذه فافعل، ولكنك لن تستطيع والشعب لن يسمح لك بذلك وهكذا.

* مقاطعة: أليست طريقة المواجهة بهذا الشكل مطلوبة في شخصية رئيس الوزراء لإظهار قوة المدنيين وقوة الشارع؟

نعم، ولكنها لن تحدث فرقاً كبيراً، لو كان في محل حمدوك شخص آخر وقال ذلك كان سيرضي الكرامة الثورية ويجعل الشعب يصطف حوله ويطالبه بتفويض كما طالب البرهان بتفويض، وعندما تمتلئ الشوارع بالثوار يقول للعسكريين إن موازين القوى معي، حمدوك لم يفعل ذلك، وطبعاً لكل شخص أسلوبه، ولكن لا نستطيع في مثل هذه المواقف أن نقول هذا هو الصحيح وهذا هو الخطأ بصورة مطلقة، لأن المسألة اختلاف تقديرات، في تقديري الشخصي هذه المواجهة لو حدثت كان يمكن أن تعبئ الشارع الثوري، وسبق أن خاطبت حمدوك وطالبته بأن يجعل حاضنته الحقيقية هي الثوار، وليس “قوى الحرية والتغيير” التي تحمل بذور فنائها داخلها! وتعرضت للهجوم بسبب ذلك.

* ولكن المكونات الرئيسية للحرية والتغيير بعد مبادرة حمدوك الاخيرة، أعلنت في بيان مشترك أنها عازمة على توسيع قاعدتها وإصلاح هياكلها، أليست هذه خطوة إلى الأمام؟

نعم، وأنا أعتقد أن مكونات الحاضنة السياسية الآن اكتفت من المغانم، فالمجلس المركزي عين من يريد تعيينه في المناصب الوزارية وأغلب المغانم الكبيرة تحقّقت، تبقّت المستويات الأدنى وظائف المديرين والمفوضيات في التوظيف، جميع قوى “الحرية والتغيير” أدركت الخطأ الذي وقعت فيه باستثناء الحزب الشيوعي، هناك خطر كبير وداهم يتمثل في الدولة القديمة والفلول الذين يسعون لسفك الدماء لأن فرصتهم الوحيدة لهزيمة التحول الديمقراطي هي أن تدور حرب أهلية حتى تكون الأولوية بالنسبة للعالم الخارجي السلام والاستقرار ووقف الحرب وحقن الدماء، ومن ثم تتراجع أولوية التحول الديمقراطي إلى مؤخرة الأهداف، فتأتي سلطة شمولية تخدم لهم أهدافهم لأن وسائلهم الفاسدة لا تعمل إلا في نظام شمولي، فهم أعداء الشفافية والمجتمع المفتوح، ولذلك الجميع استشعر الخطر.

د. الباقر العفيف مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة

* هل تعني أن “الحرية والتغيير” اتجهت للوحدة من باب استشعار الخطر؟

تماماً، لا بد أن تقدِّم مكونات “الحرية والتغيير” التنازلات لبعضها البعض ولا بد من أن يصلحوا التحالف إصلاحاً حقيقياً، ولا بد أن يكون هناك توسيعاً كبيراً للحاضنة السياسية بحيث تكون كل القوى الثورية داخلها، إلا من أبى، القوى الثورية الراغبة في أن تكون جزءً من “الحرية والتغيير” لا بد أن تدخلها، ولا بد من التنظيم واستعادة شعارات الثورة “حرية سلام وعدالة” وترجمتها من جديد بصورة صحيحة، لا بد أن يكون هناك تمثيلاً حقيقياً لقوى الثورة من النساء والشباب في كل من المجلس التشريعي المرتقب وفي كل هياكل الحرية والتغيير، وتعالج  كل التشوهات التي حدثت حتى الآن، لو فعلوا ذلك فهذا معناه أنهم استوعبوا الدرس.

أسئلة محرجة يجب أن تجيب عليها الأحزاب المشاركة في الحكومة

* ما أسباب فشل الحاضنة السياسية في إنجاز كل ذلك؟

أحزابنا السياسية لم تتطور وتواكب الثورة وهي غير منتمية لأهداف الثورة، فغايتها تحقيق المصلحة الحزبية، إن سلوك قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية وتعاملهما مع الفترة الانتقالية والعيوب في اتفاق جوبا للسلام كل ذلك يعود إلى الفهم المختل للعمل السياسي سواء في الأحزاب أو الحركات المسلحة أو التحالفات، إذ يفهم على أنه مكاسب آنية وليس بناءً للمستقبل، وبناء الدولة وإرساء لدعائم السودان لخمسين سنة قادمة! فالأحزاب السياسية تعمل وكأنما التاريخ سينتهي بموت قادتها! كأنما الشعب السوداني لن يعيش بعدهم! فالقضية ليست وضع أسس لبناء دولة للأجيال القادمة، ولذلك لم يهبطوا على هذه الثورة كحمائم سلام بأفكار حول كيفية بناء السلام الإجتماعي والتنمية والبنية التحتية وإصلاح التعليم بل هبطوا كالصقور على جثة كل منهم يريد أخذ أكبر قدر منها، كل هؤلاء القادة الحزبيين الآن أخذوا مناصب في السلطة الانتقالية، السؤال الذي لا بد من طرحه على كل مسؤول حزبي تقلد منصباً سيادياً أو وزارياً في الفترة الانتقالية هل تقدَّمت باستقالتك من حزبك وتفرغت لعملك في الحكومة الذي تتقاضى عليه مرتباً من الشعب السوداني؟ أم انك ما زلت في حزبك وتنفق جزءً من وقتك في أعمال حزبية بينما تتقاضى راتباً على وظيفتك العامة التي يجب أن تخدم من خلالها كل السودانيين وليس حزبك؟ هل فوضتم مسؤولياتكم للصف الذي يليكم في الحزب؟، ألم تكونوا محرومين من الاتصال بقواعدكم لثلاثين عاماً، كيف ستنظمون أنفسكم والمفروض أنكم تريدون تقديم أنفسكم للشعب السوداني وتقديم البرامج التي سننتخبكم على أساسها، هذه الأسئلة لا بد أن تطرح على كل الحزبيين في الحكومة الانتقالية.

* الآن مفاوضات السلام متعثرة مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، من وجهة نظرك ما الذي يجب أن تفعله الحكومة لإحداث اختراق في هذا الملف؟

الحكومة يجب أن تعلن أن واحدة من جذور الحرب في السودان هي أننا فضلنا موضوع الشريعة الإسلامية على وحدة البلاد، في كل المحكات التاريخية التي طرح فيها الاختيار بين وحدة السودان وتطبيق الشريعة الإسلامية اخترنا الخيار الخاطئ. في عام 1968م عندما قدّم الترابي مشروع الدستور الإسلامي وذهب إلى القراءة الثانية وسأله فليب عباس غبوش هل من حق غير المسلم الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية في السودان، وأجاب الترابي– بعد لف ودوران- بالنفي، وأعقب ذلك خروج البرلمانيين الممثلين لجبال النوبة وجنوب السودان من الجلسة، كان ذلك هو اليوم الذي انفصل فيه جنوب السودان! نستطيع أن نقول إن الحكم بانفصال الجنوب كان عام 1968م فكان هذا هو “القضاء” أما “القدر” أي تنفيذ الحكم كان في 2011م.

بعد ذلك في أبريل كررنا ذات الخطأ، التمسك بقوانين سبتمبر والمظاهرات وهتافات “شريعة شريعة ولا نموت.. الإسلام قبل القوت” وهي شعارات لو سمعها النبي صلى الله عليه وسلم لحكم على مردديها بأنهم خارجين على الإسلام، إذ كيف تكون الشريعة قبل القوت؟! الله لم يقل ذلك! من قال ذلك هو عبد الرحيم حمدي الذي قال إن الله قدم الأمن على الطعام وتلا الآية القرآنية معكوسة كما سمعته في التلفزيون “الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع” بدلاً عن “الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

اتفاقية الميرغني- قرنق التي حوت مجرد تجميد قوانين سبتمبر ماطل الصادق المهدي في قبولها رغم أنه قال إن قوانين سبتمبر لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به، وبعدها نفذ الإسلاميون إنقلابهم، وفي عام 1994م عندما نص إعلان مبادئ “الإيقاد” على أن وحدة السودان تكون على أساس دولة علمانية وفي حال رفض العلمانية يكون للجنوبيين حق تقرير المصير فاختار الإسلاميون انفصال الجنوب على التخلي عن الشريعة.

وبعد ذهاب الجنوب ما زال السؤال قائماً أمامنا وطرحه عبد العزيز الحلو مجدداً، فهل حتى بعد ذهاب الجنوب ما زلنا نريد الشريعة والقوانين الإسلامية ونضحي من أجلها بوحدة السودان.

* مقاطعة: المفاوضون قالوا إن أمر علاقة الدين بالدولة يجب أن يحال إلى المؤتمر الدستوري لأن الحكومة الانتقالية ليس من صلاحياتها الفصل في قضية خلافية غير مجمع عليها من السودانيين؟

هذه حجة كيزانية من الطراز الأول! ولا يمكن أن تنطلي على من يعرف أبجديات السياسة، أولاً مسألة ألّا يكون هناك تمييز بين المواطنين على أساس ديني أو عرقي أو نوعي  وألّا تكون هناك قوانين تحمل في داخلها مثل هذا التميير فهذا من الحقوق الأساسية التي منحها الله للبشر! فهذه لا يقرر فيها مؤتمر دستوري! هناك من يفهم فكرة المؤتمر الدستوري بطريقة خاطئة، فهذا المؤتمر يصنع الدستور بتفاصيله المختلفة، ولذلك حركة عبد العزيز الحلو طرحت فكرة المبادئ فوق الدستورية، وهذه لا تخضع لتصويت لتقرر فيها الأغلبية، مثل هذه المبادئ التي تشمل الحقوق الأساسية أسماها الفلاسفة الغربيون القانون الطبيعي، وهنا ثار السؤال حول القوانين الوضعية، ففي الحرب العالمية الثانية قال النازيون نحن أطعنا القوانين فلم نرتكب كل هذه المجازر إلا وفق القانون، فجاءت فكرة القانون الأعلى، ولذلك إذا كان هناك قانون ينص على “أكسح أمسح ما تجيبو حي” أنت غير مطالب بطاعة مثل هذا القانون بل يجب عصيانه لصالح القانون الطبيعي الذي يقول إن النفس البشرية لها قدسية فيجب ألّا تنتهك حقها في الحياة! هذا قانون غير مكتوب ولكنه طبيعي! هذه الحقوق منحها الله للبشر وهي غير قابلة للتصرف وهي التي تصنع الدستور ولذلك طرحت حركة الحلو الاتفاق على المبادئ فوق الدستورية وبعد ذلك يأتي المؤتمر الدستوري لصناعة الدستور وفق هذه المبادئ! وكأنها القانون الطبيعي، فلو أجمع كل السودانيين على انتزاع حق الحياة من مجموعة بشرية معينة لا يمكن أن يكون ذلك قانون! فحق الحياة وحق الحرية غير قابلين للتصرف ولذلك لا يمكن أن انتظر بهما مؤتمراً دستورياً! الدولة العلمانية التي تمنع سن قوانين دينية هي التي تحقق الحقوق الطبيعية غير القابلة للتصرف وهذا ما يصر عليه الحلو ويصر عليه كل من يريد الوحدة الوطنية وبناء دولة تساوي بين الناس.

* لماذا من وجهة نظرك لم يتول مجلس الوزراء ملف السلام وسيطر عليه العسكريون؟

هناك سؤال طرحته على عدد من المسؤولين في الحكومة المدنية، من الذي عين وفد التفاوض، ولماذا يكون رئيس الوفد عسكرياً؟ لماذا ترأس حميدتي الوفد عندما كان التفاوض مع الجبهة الثورية مع أن الوفد يضم مدنيين من السيادي، ماذا يعرف حميدتي عن جذور الحرب؟ هل قرأ حروب الموارد والهوية لسليمان محمد سليمان وهل قرأ لعطا البطحاني وهل هو مطلع على كتابات أبكر آدم إسماعيل ومحمد جلال هاشم، لماذا لا يكون التعايشي رئيس الوفد، لا بد أن يقود الوفد من يعرف ما هي جذور الحرب، حميدتي كان ممسكاً بالبندقية، البشير قال له إذهب واهزم الحركات المسلحة وبالفعل هزمهم في قوز دنقو وغيرها ورفع التمام للبشير.

تم اختطاف ملف السلام من المدنيين لأن العسكريين كانوا يرغبون في الاتيان بقيادات الحركات المسلحة للاستقواء بهم سياسياً ولتعزيز شرعيتهم، وفعلاً التقى حميدتي بقيادات الجبهة الثورية (مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم) في تشاد وأجرى معهم محادثات، ولكن لماذا يستمر ذلك حتى الآن؟ لماذا يقود الكباشي الوفد التفاوضي الآن رغم أنه سبق أن أفشل اتفاقاً حول علاقة الدين بالدولة خرجت به ورشة عمل في جوبا حيث وافق على مخرجاتها كل أعضاء الوفد الحكومي..

* هناك من يرى أن الأجندة الحقيقية للحركة الشعبية بقيادة الحلو هي الانفصال وليس وحدة السودان في ظل دولة علمانية ولذلك هم دائماً يطرحون القضايا الخلافية والمطالب غير الواقعية بهدف القفز لحق تقرير المصير ومن ثم الانفصال، ما رأيك في ذلك؟

هذا تصور خاطئ، أعتقد أن هؤلاء الناس يفضلون الحياة في دولة كبيرة توفر لهم حقوقهم تحقق لهم المساواة ويكونون جزء من الشعب السوداني، وهم بذلك سيكونون أكثر سعادةً وأمناً، هذا أفضل لهم من الحياة في دولة صغيرة ومغلقة، فليس صحيحاً أن الانفصال في حد ذاته هو غاية للحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو وليس صحيحاً أنها تضع المطالب التعجيزية للوصول للانفصال، صحيح هناك أفراد داخل الحركة يتعاملون بردة الفعل، فهناك أشخاص غاضبون غضباً شديداً من الاضطهاد والقتل والاقصاء والعنصرية الذي استمر لعقود طويلة، لكن المؤسسة الرسمية لا تتبنى ذلك، أنا شخصياً التقيت بعبد العزيز الحلو منذ عام 2014م أو 2015م وقال لي إنه منزعج جداً من التشدد والنزعات الانفصالية وسط الشباب في المناطق المحررة، وقال إن سبب ذلك هو أنهم لا يرون شخصاً يساعدهم سوى الأجانب (الخواجات) أو يمن الهامش، ولكن لا يوجد سودانيون من الوسط أطباء أو مدرسين، وقال لي إن هؤلاء الشباب يقرأون لك ومعجبون بأفكارك واقترح علي الذهاب إلى الأراضي المحررة والحوار مع هؤلاء الشباب حتى يقلل ذلك من النزعات الانفصالية المتشددة، وهذا يدل على أن عبد العزيز الحلو مهموم بوحدة السودان ولا يمكن أن يكون ساعياً للانفصال وعلينا أن نثق في ذلك، وفي التفاوض هناك القضايا الإستراتيجية والتكتيكية، وإستراتيجيتهم التفاوضية هي مخاطبة جذور الحرب حتى ينجح هذا الجيل في وقف الحرب مرة واحدة وللأبد والأجيال القادمة تبني السلام.

هذا (…) يجب أن يفهمه حميدتي جيداً

* الحلو يشترط دمج الدعم السريع في الجيش وحميدتي اعتاد على أن قواته مستقلة إلى حدٍ كبير وكل جنود الدعم السريع تحت سلطته وهذا يعطيه ميزة سياسية وربما ينظر إلى الدمج كتصفية سياسية وعسكرية للدعم السريع مما يمكن أن يسفر عن مواجهات، كيف نتفادى ذلك؟

هناك مجهود يجب أن تبذله الحاضنة السياسية والمجتمع المدني لتفادي ذلك، ويجب أن يدرك حميدتي أن مصير السودان لا يمكن أن يكون رهيناً لمصيره الشخصي، فهذا السودان بداهة سوف يبقى بعد انقضاء عمر حميدتي، ولذلك يجب أن يفهم أن موضوع الدعم السريع وحمايته هو شخصياً ومسألة طموحاته الشخصية يجب ألّا تتناقض مع مصالح الوطن، نحن نفهم جيداً أن الدعم السريع يوفر حماية ومكاسب لحميدتي وهو نفسه قال: “لولا الدعم السريع كان علقونا ضحى” ولكن يستحيل أن تكون لهذا الدعم السريع ديمومة بحيث يجد أحفادنا دعم سريع بقيادة أحفاد حميدتي!!

فلا بد أن يدرك حميدتي أن هذه وضعية مؤقتة وهي من القنابل الموقوتة التي خلفها النظام الإنقاذ، يمكن معالجة ذلك بتسوية مع حميدتي تضمن سلامته وحماية المليارات التي بحوزته، ويذهب هو وأسرته “ويعيشوا ملوك” ولكن لا يمكن الاحتفاظ بالـ(60) ألف جندي إلى الأبد! من أين تتوفر الأموال للانفاق عليهم؟ حميدتي كان ينفق عليهم من الدعم الإماراتي ولكن إذا توقف هذا الدعم فهل الشعب السوداني قادر على الإنفاق على قوات بهذا الحجم؟ من الناحية العملية لا بد من تسريح معظمهم.

دمج الجيوش وحده ليس كافياً بل يجب أن نقرر حجم جيشنا وفقاً لإمكانياتنا المادية وتعدادنا السكاني وحجم المهددات حولنا، فلا بد من التقشف وتقليل الإنفاق الحكومي، وهذا يشمل الأمن والدفاع…

د. الباقر العفيف يتحدث لـ«التغيير»

* مقاطعة: هذا صحيح من ناحية موضوعية ولكن هناك تعقيدات سياسية محيطة بالموضوع، فالدعم السريع أصبح يمثل مصالح إثنية فالمكون العربي في دارفور مثلاً ينظر إلى الدعم السريع كتعويض له عن الحرمان من التمثيل العادل في المؤسسة العسكرية وتزيد حدة التوتر في حال تم دمج جيش الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو الذي يبلغ تعداده ثلاثين أو أربعين الف جندي في الجيش السوداني؟

لن يتم دمج كل هذا العدد في الجيش،سيتم تسريح الأغلبية بالطبع! ليس هناك جيش سيتم دمجه بالكامل في الجيش القومي، هناك معايير دولية معروفة للدمج والتسريح، القسم الأكبر من هذه الجيوش سيتم دمجهم في الحياة المدنية، فهناك ميزانيات توفرها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ويتم النظر في المستويات التعليمية للأفراد ومؤهلاتهم ومن ثم توزيعهم على مجالات عمل مختلفة، أي إعانة الناس على أن تكون لهم مصادر دخل من أعمال أخرى حسب مقدراتهم وإمكاناتهم وبيئاتهم، ثم يتم انتخاب نسب معينة من الجيوش المختلفة (نسبة من جيش الحلو ونسبة من جيش مناوي ومن جيش حميدتي ومن كل الجيوش الموجودة الآن) ليعاد إدماجهم في الجيش السوداني الذي ستكون له عقيدة جديدة ووظيفة جديدة.

هناك مجهود فكري وبحثي كبير لا بد أن يسبق ذلك وهناك حوار كبير يجب أن يتم حول هذه المسائل ولا بد أن يبدأ، ولذلك فإن تسليط الإضواء الإعلامية على مثل هذه القضايا مهم جداً، لا بد من استنارة حول هذا الموضوع عبر الحوار المجتمعي ومجهودات الباحثين والمثقفين والمتخصصين في هذه المجالات وعبر الإطلاع على تجارب دول أخرى، بحيث يحصل على دعم مجتمعي، ولا بد أن تكون هناك رقابة شعبية على هذه العملية التي لا يمكن أن تتم من وراء ظهر الشعب السوداني، وكل ذلك من اختصاص الحاضنة السياسية ولكنها لا تعمل في مثل هذه القضايا، عندما تكونت السلطة الانتقالية كان هناك دور يجب أن تلعبه الحاضنة السياسية ودور يلعبه المجتمع المدني، ودور تلعبه الحكومة المدنية حتى يكون هناك توزيعا للأدوار، فالحاضنة السياسية كان يجب أن تعنى بقضية دمج الجيوش وفي إطار ذلك تسعى لعلاج العيوب في الوثيقة الدستورية التي قالت إن المكون العسكري هو المعني بقضايا الإصلاح الأمني والعسكري ولا علاقة للمدنيين بذلك، الوثيقة الدستورية بدلاً من أن يتم تعديلها للأفضل دائماً يتم تعديلها للأسوأ، الدستور الأمريكي كتب وأدخل عليه أكثر من عشرين تعديلاً كلها كانت في إتجاه تحسينه، منذ أن وقعت الوثيقة الدستورية كان يجب أن تنخرط لجان قوى الحرية والتغيير القانونية والاقتصادية في تفاوض حول تطوير الوثيقة الدستورية، ولكن كل ذلك لم يحدث وانخرطوا في المحاصصات والخلافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى