أخبارحوارات

الباقر العفيف: هذه قصة انقلاب البرهان الذي استمر 27 يوماً

«تحنيس» الإسلاميين غير مجد لتفادي الحرب الأهلية

المبادرة السياسية التي طرحها رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك بعنوان “الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال.. الطريق الى الامام.” في 22 يونيو2021 ، أبرزت الى السطح بقوة معضلات الفترة الانتقالية.

حوار:رشا عوض

في هذا السياق، حاورت “التغيير” الدكتور الباقر العفيف مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، والكاتب والباحث في قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والسياسة السودانية، وصاحب الأطروحات الفكرية في أزمة الهوية في السودان. وكانت خطتنا للحوار، مطاردة “شيطان التفاصيل” في قضايا السلام  والعدالة الانتقالية ودمج الجيوش والعلاقة مع الإسلاميين، فكانت هذه السلسلة الحوارية التي قسمناها إلى ثلاث حلقات الأولى عن المبادرة وشروط نجاحها، والثانية عن العدالة الانتقالية والثالثة عن لجنة إزالة التمكين.

من ضمن ما ورد في مبادرة حمدوك قضية “العدالة الانتقالية”، فهل يمكن تحقيق العدالة في جريمة فض الاعتصام في ظل التركيبة السياسية الحالية، أم أن الحكومة بشقيها المدني والعسكري تنوي التضحية بالعدالة مقابل استمرار الشراكة مع العسكريين المتهمين من قبل الشارع بالتورط في هذه الجريمة؟

ـ العدالة الانتقالية تشمل العدالة القضائية. إذ لا بد من المساءلة والمحاسبة على الجرائم، ولكنها أيضا تشمل العفو الذي يتم بشرطين مهمين جدا هما؛ الكشف عن الحقيقة، والإصلاح المؤسسي الذي يجعل أهل الضحايا يوافقون عليه- أي على العفو – بطيب خاطر . وانا متأكد أن أهل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وأسر شهداء الاعتصام سيقبلون لو عُرض عليهم خيار العفو عن المنتهكين مقابل كشف الحقيقة كاملة عما جرى، والاعتذار عن الانتهاكات، وتنفيذ الإصلاحات المؤسسية التي تمنع تكرارها  في المستقبل. مثلا، إصلاحات في الجيش في اتجاه أن يكون جيشا وطنيا يعكس التنوع والتعدد في السودان ويمنع ويحرم إطلاق الرصاص على الشعب السوداني، ويعترف بأن حروبه السابقة كانت ضد الشعب السوداني ويعد بأن ذلك لن يتكرر. وفي اتجاه أن يكون الجيش حاميا للنظام الديمقراطي ولا يطلق الرصاص إلا على عدو خارجي،  وكذلك إصلاح الشرطة في اتجاه عدم الاعتداء على الحريات وحماية  حق كل من أراد التعبير عن رأيه سلميا بواسطة الشرطة، وان يكون كل ذلك منصوصا عليه في قوانين الجيش والشرطة.

هناك فرق كبير بين العدالة الانتقالية والتسوية السياسية

لو أن أي شخص من أهل الضحايا علم أن ثمن العفو هو الكشف عن الحقيقة كاملة ومعرفة كيف قتل الشهداء، وفتح الأضابير ومعرفة من الذي أصدر الاوامر بالقتل، ثم إجراء  الإصلاح المؤسسي الذي يضمن أن ما حدث من انتهاكات لن يتكرر في المستقبل، يمكن ان يعفو ، فالعفو ليس مجانيا. أما الذين يستغلون  العدالة الانتقالية في الترويج للعفو فقط، فهؤلاء لا يتحدثون عن عدالة انتقالية، القادة الكبار والمؤثرون لو اعترفوا بما حدث واعتذروا عنه وقبلوا بالإصلاحات يمكن العفو عنهم.

هل تقصد، إذا قبل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعضو مجلس السيادة  شمس الدين الكباشي بكشف ما حدث في جريمة فض الاعتصام واعتذروا وساعدوا في الإصلاح المؤسسي يمكن العفو عنهم؟

ـ نعم . إذا اعترفوا واعتذروا والتزموا بالإصلاحات المؤسسية فعلا لا قولا.

ولكن في أرض الواقع لا يوجد أي اتجاه لشيء مما ذكرت، ولا سيما في مجزرة فض الاعتصام، بل هناك مكابرة ومماطلة في ملف العدالة من قبل الحكومة، وهناك من يرى أن الضغط على العسكريين بملف العدالة يمكن ان يدفعهم  لنسف الاستقرار أو اللجوء الى خيارات انقلابية ، وهذا من العوامل المحبطة للثوار أليس كذلك؟

ـ المشكلة ان كثيرا من الناس لا يعلمون ما الفرق بين العدالة الانتقالية والتسوية السياسية. تاريخنا كله قائم على تسويات سياسية بين النخب، ويتم فرضها على الشعب، وهذا لن يقودنا إلى الأمام، بل سيحبسنا في الدائرة الشريرة، ثورة ديسمبر حسمت مسألة الانقلابات العسكرية، فلن يكون هناك أي انقلاب عسكري، يمكن أن تكون هناك حرب أهلية.

مقاطعة: لماذا أنت متأكد من عدم إمكانية حدوث انقلاب عسكري؟

ـ متأكد جدا من أن هذا الشارع لن يقبل بأن يحكمه عسكري أو أن يحكمه كوز (مفردة شعبية في السودان تطلق على المنتمي للاخوان المسلمين)، وهذه القناعة موجودة لدى الجيش نفسه. البرهان مقتنع بذلك والاستخبارات العسكرية، الوحيدون الذين ليست لديهم هذه القناعة هم الكيزان الآيدولوجيين، وحتى هؤلاء جزء كبير منهم يعلم أن الطريق الوحيد أمامهم للعودة الى السلطة هو الحرب الأهلية. ولذلك، يجب علينا أن نتوحد لمنع الحرب الأهلية، فما دام الانقلاب مستحيلا، وما دام شباب الثورة يضعون العدالة في صدارة أولوياتهم وليس لديهم أدنى استعداد للتخلي عنها، فهذا معناه أن الواقع السياسي يفرض انفاذ العدالة، وهي تنفذ جزئيا الآن، المعتقلون من عناصر النظام البائد تتم محاكمتهم الآن،  المطلوبون منهم للجنائية سيسلمون للمحاكمة في لاهاي، والبقية سيحاكمون على الانقلاب، المشكلة الوحيدة في تنفيذ العدالة على العسكريين في السلطة الانتقالية.

ألا تظن أن خيار الحرب الأهلية أشد فتكا بالشعب من الانقلابات العسكرية وهناك من يدعو لتفادي الحرب الأهلية عبر مصالحة مع التيارات الاصلاحية من الاسلاميين والتخلي عن شعار أي كوز ندوسو دوس لأن فيه نزعة استئصالية ستجعل الإسلاميين يتوحدون خلف أجندة الحرب الأهلية بحجة ان الثورة لم تفسح لهم فرصة للعمل السياسي ؟

ـ أي رهان على حسن الظن في الإسلاميين سذاجة ما بعدها سذاجة! هؤلاء الإسلاميون لديهم مشكلة كبيرة مع الشعب السوداني الذي حكموا عليه بالضلال وسبيلهم الوحيد لهدايته هو تحويله إلى كيزان!! طريقتهم تتلخص في أن من معهم سيكون فوق القانون وتفتح له خزائن الأموال ويعيش سيدا بين الناس ومن كان ضدهم يدخلونه جهنم في الدنيا قبل أن يدخله الله جهنم في الآخرة حسب تصورهم. ولذلك، فإن كيدهم لهذه الثورة سيستمر مهما فعلنا لهم، فإرضاؤهم مستحيل! حتى لو أدنا شعار أي كوز ندوسو دوس، وفتحنا للاسلاميين فرص العمل السياسي فلن يغير  الإسلاميون عقيدتهم السياسية، لن يعترفوا بأخطائهم ويشرعوا في الإصلاح، لن يردوا الأموال التي نهبوها، أو يسلموا أسلحتهم ويحلوا كتائب الظل بل سيستخدمون كل ذلك وحتى الفرص المتاحة لهم من قبل الثورة للكيد للثورة ولقتل الشعب السوداني! . ولذلك تسويق فكرة ان الخطوة الاولى نحو الاسلاميين حتى لا يمارسوا القتل يجب أن تكون من الشعب السوداني هو فعل ينم عن سذاجة أو اختراق.

هناك من الإسلاميين من شعر بأنه كان مشاركا في جريمة وأعلن أن هناك ضرورة للاصلاح، ولكن هؤلاء أفراد وقد قبلهم الشعب السوداني. فالخطوة الأولى عادة تأتي من الشخص الذي ارتكب الجريمة، وليس من الضحية! شروط الإسلاميين للمصالحة هي عدم الحديث عن استرداد الأموال التي نهبوها، عدم فصل من نالوا وظائفهم بالتمكين، والسماح لهم بالعمل السياسي دون محاكمات عن الجرائم والانتهاكات، وبأموالهم المنهوبة وامكانياتهم لشراء الذمم يعودوا للحكم عبر الانتخابات! هذه هي شروطهم للمصالحة وهي شروط مستحيل القبول بها، حتى لو كان ثمنها الحرب الأهلية! فالحرب الأهلية لا يمكن تفاديها (بتحنيس) الإسلاميين وإسترضائهم! فالشعب السوداني يستحيل أن ينال رضا الاخوان المسلمين إلا إذا نفذ لهم شرطا واحدا هو استمرار نظامهم ودولتهم! الحرب الأهلية يجب أن نتفاداها بوحدة قوانا السياسية وبقوة شارعنا، وهذا ما سيجبر الإسلاميين بمرور الزمن بالبحث لأنفسهم عن وضعية في الواقع السياسي الجديد، الآن فكرة الانقلاب العسكري ما عادت قناعة لدى البرهان أو غيره من قيادات الجيش. ولكن يوجد الجناح الاقتصادي في الحركة الإسلامية ومصالحه الضخمة تتمثل في استمرار سيطرة الجيش عبر الجنرالات الكبار على استثمارات الشركات العسكرية والأمنية وعدم إعادتها للشعب السوداني عبر إخضاعها لولاية وزارة المالية. هذا الجناح الاقتصادي حاضنته السياسية هي العسكريون وهو مستعد للتضحية بالسياسيين الإسلاميين ولا يهمه حتى لو دفنوا أحياء، ومن أجل مصالحه الاقتصادية مستعد لعقد مختلف الصفقات سواء مع البرهان ، مع بعض عناصر الحرية والتغيير، مع شركاء السلام  أو أي جهة مقابل السكوت عن موضوع الشركات الأمنية. وأنا مستغرب في صمت السياسيين و”الحرية والتغيير”  عن موضوع الشركات الأمنية وعدم إثارة هذا الموضوع إلا من قبل الخارج، وكذلك موضوع دمج الجيوش. هذا يكشف لنا الطريقة التي تعمل بها الدولة القديمة في الأجهزة الامنية والخدمة المدنية، اجهزة الدولة القديمة تدعم البرهان بالمعلومات وتحجبها عن الحكومة المدنية. هؤلاء هم من يقولون للبرهان مثلا، هناك خطوط حمراء في موضوع العدالة الانتقالية فلا تقترب منها! وقانون مكافحة الفساد يجب ان لا يشمل كذا وكذا.

وأين المدنيون من كل ذلك؟

ـ هذه الأمور تحدث من الباطن، فهي غير مرئية. واجب المدنيين هو اليقظة وإدراك أن كل خبرات دولة الإنقاذ ومراكز معلوماتها هي الآن في خدمة البرهان والعسكريين.

المهم اننا يمكن ان نهزم التآمر بوحدتنا. وفي هذا السياق لا بد ان ندعم الخطوة التي قامت بها “الحرية والتغيير” في اتجاه الوحدة، ودعم مبادرة حمدوك، لأن هذه الوحدة سترسخ القناعة لدى الجناح الإسلامي بأنه لا بد من أن يضعوا أنفسهم في موقع جديد يراعي مصالح الشعب السوداني، فلا بد أن تعود الشركات الامنية للشعب، ولا بد ان تتحقق العدالة حتى يكون لهم مكان في سودان ما بعد الثورة.

شباب الثورة الآن أولويتهم في العدالة، هي محاكمة من نفذوا مجزرة فض الاعتصام نظرا لأنها حدثت بعد انتصار الثورة وبعدما اعتقد الجميع أن صفحة جديدة فتحت؟

ـ كل من نفذ جريمة فض الاعتصام من العساكر الميدانيين حتما ستطالهم العدالة.

هذه هي تفاصيل الورطة المزدوجة للبرهان وحميدتي

هل يمكن أن تطال العدالة البرهان وحميدتي؟

ـ لا بد من تحديد حجم الجرم، هناك فرق بين الأمر بفض الاعتصام، وبين الأمر بالقتل على طريقة “اطلق الرصاص لتقتل”. وأنا استبعد تماما أن يكون الاجتماع الذي تحدث عنه عضو مجلس السيادة شمس الدين الكباشي، وقال إنه ضم النائب العام وصدر فيه القرار بفض الاعتصام، أن يكون قرر الفض بالقتل والطريقة التي حدثت، نعم لدى العسكريين مصلحة في فض الاعتصام ولكن ليست لديهم مصلحة في المجزرة.

ومن الذي ارتكب المجزرة من وجهة نظرك؟

ـ كلنا نرغب في معرفة الحقيقة، هناك نظريات كثيرة، هناك كثير من مراكز القوى في هذه الدولة، وهي مخترقة من الكيزان. في تقديري الشخصي، أن المجلس العسكري قرر فض الاعتصام وجهز القوات المكلفة بذلك وحركها، الكيزان الذين يرغبون في الانتقام من الثورة استغلوا هذا الغطاء (قرار المجلس العسكري بفض الاعتصام)، ثم حركوا عناصرهم المخترقة للدعم السريع والجيش وحركوا كتائب الظل. أي أن الذين أطلقوا الرصاص تحركوا تحت غطاء قرار فض الاعتصام، وقتلوا المعتصمين، فنفذوا انقلابا وسوقوه للمجلس العسكري، قالوا للبرهان وحميدتي انتم الحكام الآن فاحكموا!

لدى العسكريين مصلحة في فض الاعتصام ولكن ليست لديهم مصلحة في المجزرة

هل تقصد بالانقلاب ما حدث بعد فض الاعتصام من وقف التفاوض مع “الحرية والتغيير” والدعوة لتشكيل حكومة تصريف أعمال ثم الدعوة  لانتخابات مبكرة؟

ـ نعم، ما حدث يوم 3 يونيو كان انقلابا، وبيان البرهان الذي قال فيه سنعين حكومة تصريف أعمال وأوقفنا التفاوض هذا هو الانقلاب. في تحليلي الشخصي للحدث أن مسؤولية البرهان وحميدتي لم تبدأ مع إصدار الأمر بفض الاعتصام، بل بدأت عندما قبلوا بالانقلاب الذي نفذه الكيزان الذين قالوا لهم نحن نفذنا لكم فتوى عبد الحي يوسف بقتل ثلث الناس، قتلنا المعتصمين بأبشع ما يكون وعملنا الانقلاب وجهزنا لكم الملعب فاحكموا!!

ما مصلحة الكيزان في تنفيذ انقلاب ليحكم عبره البرهان وحميدتي اللذين انقلبا على نظامهم؟

ـ من الذي يحمي مصالح الكيزان الآن! الكيزان هم من أسسوا  الدولة بشكلها الحالي، وما يهمهم هو استمرارها بشكلها الحالي الذي يحفظ مصالحهم ولا مانع لديهم من أن يكون الحاكم البرهان بدلا من البشير، ما دامت الدولة التي مكنتهم من النهب قائمة. الدولة التي يسيطر الجيش والأمن على أكثر من 80% من مواردها، وما دامت الأموال التي هربوها الى الخارج محمية لا تصلها يد لجنة إزالة التمكين.

مقاطعة : هل تريد القول إن انقلاب البرهان- حميدتي هو الذي يقف عائقا الآن أمام الإصلاحات المؤسسية في الدولة سواء في الخدمة المدنية او القضاء او الجيش والامن؟

ـ نعم بالتأكيد، ولكن هذا الانقلاب فشل بعد تحرك 30 يونيو، وبعد فشله أصبح للبرهان وحميدتي ورطتان، الأولى التورط في الانقلاب الذي فشل،  وقد تحدث عنها حميدتي نفسه عندما قال “نحن مقلبونا ونحن ورطونا” ولم يتبق له إلا ان يقول الكيزان فضوا الاعتصام تحت غطاء قرارنا وجهزوا لنا الانقلاب ونحن قبلنا! ولكن انقلاب 3 يونيو فشل رغم وجود قوى خارجية تريد حكما عسكريا في السودان كالإمارات ومصر والسعودية، إذ اجتمعت الرغبة الداخلية للكيزان في عدم المساس بدولتهم، ورغبة هذه الدول.

استقال والي ولاية الخرطوم الفريق مرتضى وراق عقب وقوع مجزرة فض الاعتصام

الورطة الثانية هي المسؤولية عن المجزرة! وقد  جاءت بعد أن أفشل  الشعب السوداني  الانقلاب في 30 يونيو بعد سبعة وعشرين يوما! عندما يتحدث المؤرخون عن تاريخ الانقلابات في السودان  لا بد أن يذكروا انقلاب البرهان-حميدتي  الذي استمر سبعة وعشرين يوما، أصبح البرهان وحميدتي في ورطة المجزرة وكيفية تبرئة انفسهم منها، مها يقولوا نحن لم نرتكب المجزرة لن يصدقهم أحد لأنهم استغلوها وقبلوا الانقلاب، لم يكن موقفهم مثل موقف والي الخرطوم حينها الفريق مرتضى وراق الذي استقال وقال كنت واليا للخرطوم وشهدت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذا الوالي واجه البرهان وحميدتي وقال لهما إن هذا الدم معلق في رقابكم! هذا الموقف يشرح ما حدث في ذلك اليوم، لو البرهان وحميدتي اتخذا نفس موقف والي الخرطوم لكانوا مع الثوار ونجيا،  لو قالا إن هذه جريمة بشعة ولن نتحمل مسؤوليتها وسنقبض على الكيزان الذين نفذوها، لو فعلا ذلك لكان اليوم لدينا برهان مختلف وحميدتي مختلف! ولكنهما فشلا أخلاقيا وأصبحا مساءلين قانونيا.

هذا معناه أن العدالة الانتقالية سوف تصطدم  بمعضلة البرهان وحميدتي فما الحل؟

ـ لو افترضنا أن البرهان وحميدتي اعترفا بأنهما فشلا أخلاقيا (استبعد ذلك طبعا)، وقالا للشعب السوداني نحن أمرنا بفض الاعتصام ولكن ليس بالطريقة التي تمت، وأن الدم الذي سفك اتخذ قرارنا كغطاء، ومشكلتنا أننا فشلنا أخلاقيا في إدانة ما حدث منذ اليوم الأول ولم نبعد انفسنا منه ونقبض على من نفذوه لمحاكمتهم، ونعتذر عن هذا الفشل الاخلاقي ونتعهد بإجراء الاصلاحات التي بموجبها لن يتكرر مثل هذا الجرم ثانية من هذه المؤسسة العسكرية، نتعهد بأن لا تخرج طلقة من الجيش صوب اي مواطن سوداني، وهذه هي المعلومات كاملة عن فض الاعتصام  أمامكم. لو حدث ذلك مؤكد أسر الضحايا يمكن أن تعفو عن البرهان وحميدتي، ولكن بشرط أن نرى الذين نفذوا هذه الجريمة على المشانق هذه هي العدالة الانتقالية.

رغم أن المطلوبات التي ذكرتها صحيحة من ناحية أخلاقية وسياسية ولكن السؤال ما الذي يجبر العسكريين وهم أصحاب سلطة وقوة على قبولها مع غياب الضغط السياسي المنظم عليهم من قبل القوى السياسية؟ 

ـ اتفق معك تماما. لدينا في السودان مفارقة غريبة جدا، إذ لدينا شارع ثوري وشباب (يسد عين الشمس) وثورة مستمرة، هذه الثورة لم توصف كما يجب، إذ لو قارناها بأي ثورة غيرت مسار التاريخ العالمي، سنجد ان ثورة ديسمبر ستغير مسار التاريخ السوداني وليس لدي من شك في ذلك،  ولكن  الأحزاب والحركات السياسية فشلت في تجسيد روح الثورة. لو كانت الحاضنة السياسية موحدة وهي المعبرة عن الشعب السوداني لاستطاعت مواجهة العسكريين لأن قوة الشارع أقوى من الجيش والامن والبوليس،  وكان في امكانها تجييش الشعب كله وضغط العساكر به لتنفيذ الاصلاحات التي نريدها مثل ارجاع اموال الشركات العسكرية، ارجاع اموال التجنيب، استرجاع الاموال المنهوبة والاستجابة لكل مطالب الاصلاح المؤسسي والعدالة الانتقالية.

مدير مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية د. الباقر العفيف

الحلقة الاولى من الحوار على الرابط:

الباقر العفيف لـ«التغيير»: إحالة العلمانية للمؤتمر الدستوري حجة كيزانية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى