أخبارأعمدة ومقالات

طريق التطوّر اللارأسمالي، فوانيسو البيوقدن ماتن..

محمد حسبو

محمد حسبو

(1)

كتب كارل ماركس:

“الثورة الاشتراكية لن تقع إلا بعد الثورة البرجوازية بكثير. فلو قلبت الطبقة الكادحة الهيمنة السياسية للبرجوازية سيشكل انتصارها مرحلة فقط في مسار الثورة البرجوازية نفسها، وسيخدم قضية هذه البرجوازية. ولن تستطيع الطبقة الكادحة الحصول على نصر حقيقي على البرجوازية إلّا عندما تكون مسيرة التاريخ قد هيّأت العوامل المادية التي ستخلق الضرورة لوضع حد للطرق البرجوازية في الإنتاج وبالتالي الهيمنة السياسية للبرجوازية”.*

يتسق المقتطف مع كتابات ماركس الأخرى حول ضرورة أن تستنفذ الرأسمالية (كأساليب وعلاقات إنتاج) دورها ودورتها في التاريخ؛ وأنّ شروط الانتقال إلى الاشتراكية تنضج فقط عندما تبلغ الرأسمالية ذروتها وتعجز علاقات الإنتاج الرأسمالية عن استيعاب تطوّر القوى المنتجة (ونضالها المنظّم)؛ وعليه استنتج أنّ الانتقال للاشتراكية ينبغي أن يحدث، بدايةً، في أكثر الدول الرأسمالية تقدمًا: انجلترا، فرنسا وألمانيا وقتها..فالاشتراكية ليست اشتراكًا في الفقر بل في أفضل منجزات الحضارة التي ستصبح متاحة بفضل الدور “الثوري” للبرجوازية، التي: “بالتحسين السريع لكل أدوات الإنتاج وبالتسهيل اللا متناهي لوسائل المواصلات تشد الكل، حتى الأمم الأكثر تخلّفًا، إلى الحضارة”.

على ذات المنوال، أكّد لينين أنّ “الناس يتألمون من الرأسمالية أقل مما يتألمون من عدم اكتمالها”، ولئن انخرط لينين، لاعتبارات عملية، في الثورة الروسية وبناء الاشتراكية في بلد فقير نسبيًّا؛ فقد تمسّك بأهمية أن تلحق سريعًا بها بلدانٌ أكثر تطورًا، وأعلن: من دون ثورة في ألمانيا فإننا، لا محالة، هالكون..

(2)

لم تندرج أطروحة “طريق التطوّر اللارأسمالي” ضمن الأدبيات الماركسية إلا لاحقًا، في حقبة الستينات إبان نهوض حركة تحرر وطني ذات ميول اشتراكية احتفلت لتوِّها، أو تكاد، بطرد المستعمر، فكان عليها الإجابة عما إذا كان حتمًا على بلدانها (التي كانت إجمالًا تعيش أنماطًا ما قبل رأسمالية أو تقف على درجات متدنية في سلّمها) أن تنغمس أولًا في مطهر الرأسمالية لكي تبلغ الفردوس الاشتراكي أم يمكنها تجاوز الرأسمالية وآلامها عبر طريق آخر خارج اللوحة الخماسية للتاريخ. فتبلورت أطروحة “طريق التطوّر اللارأسمالي” رفعًا للحرج واستنادًا إلى واقع أنّ المعسكر الاشتراكي، وقتها، في منعة واتساع؛ وسيكون بمقدور البروليتاريا في بلدانه المتقدمة مساعدة البلدان المتأخرة للانتقال إلى المجتمع الأرقى متخطية مرحلة التطوّر الرأسمالي، بحيث يجنِّب الدعم “الرفاقي” تلك البلدان الأقل نموًّا الأثر الضار للعلاقات التجارية غير المتكافئة مع الدول الرأسمالية وشروط التبعية المجحفة لمؤسسات التمويل الدولية..

حوت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية التي أجازها الحزب الشيوعي السوداني في مؤتمره الرابع تحليلًا كاشفًا ومتعمقًا للرأسمالية السودانية ولأوجه النشاط الاقتصادي في قطاعيه التقليدي والحديث، كما في القطاعين العام والخاص، وقد خلصت الوثيقة بناء على ذلك التحليل إلى ضعف الرأسمالية السودانية وتقاعسها عن الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع الصناعية الكبيرة بحكم طبيعتها كرأسمالية تجارية جبلت على الربح السريع، ورجّحت، الوثيقة، أن يؤدي هذا العزوف إلى تمدد رأسالمال الأجنبي وسيطرته على مقدرات البلاد، وبهذا اكتسبت قضية السلطة الوطنية الديمقراطية وطريقها للتطور اللارأسمالي أهمية خاصة آنذاك ومتصلة باستكمال الاستقلال. وكان عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب ومنظّره، قد كال عبارات اليأس من فلاح البرجوازية السودانية أو أخذها بأسباب التنمية (الدور الثوري للبرجوازية) ليجعل من ذلك دليلًا على ضرورة أخذ أمر التنمية بيد الدولة، يقول: “ماذا يُرجى من مثل هذه الطبقة؟ مهما نفخنا فيها من الروح، لا يرجى منها شيء إذا كنا نريد أن نبني الخزانات، نريد أن نبني الصناعات الكبيرة، نريد أن نبني المشاريع الكبيرة، أين هذا التصور؟ وأين هذا الانتظار للرأسمالي الذي يعيش على التجارة ….. لكي يستثمر في هذه الميادين التي تحتاج إلى زمن وتحتاج إلى خيال وتحتاج إلى الانتظار، ولهذا رضينا أم أبينا أصبح لازمًا علينا، أصبح من المهم أن تتولى الدولة في البلاد قيادة الاقتصاد السوداني، وهذا ما نسميه بتطوّرٍ غير رأسمالي في البلاد”.**

القرن العشرين، شهد بالفعل، صعود قوى اشتراكية إلى السلطة عبر انقلابات/ ثورات “سياسية” وعلى هدي أفكار التطوّر اللارأسمالي، ومع اختلاف المسارات والمآلات من الصين إلى أمريكا اللاتينية إلّا أنها التقت في، أو تسير على طريق، تأكيد نبوءة ماركس؛ أنّ انتصارها يشكِّل مرحلةً فقط في مسار الثورة البرجوازية ذاتها. لم يفضِ طريق التطوّر اللارأسمالي، يومًا، إلى بوّابة البستان..

(3)

حدثت انزياحات بنيوية في تركيبة وتوجهات الرأسمالية السودانية خلال ثلاثة عقود من حكم الإسلاربويين الذين احتكروا مجالات الربح السريع والنشاط الطفيلي لمنتسبيهم من جوكية المال السياسي للحركة الإسلامية، ما دفع برموز الرأسمالية غير المرتبطة بحركتهم إما إلى الإفلاس أو المصانعة والانسحاب إلى مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي التي رغِب عنها مستجدو النعمة من الموالين، ورغم العنت والعزلة الدولية وطّدت العديد من وجوه ومؤسسات الرأسمالية السودانية المستقلة (نسبيًا) عن نظام الإنقاذ، طوعًا أو كرهًا، أقدامها في مجالات تعتبر اختراقًا للصورة النمطية للرأسمالية التجارية، والراجح أن هذه الوجوه أصبحت ذات شهية أكبر بعدما أدركت، بالتجربة، قابليتها لجني أرباح طائلة وأكثر استقرارًا على المدى الطويل بسبب الموانع أمام دخول المنافسين في مثل هذه المجالات، وخاصة مع التحول نحو الانفتاح العالمي بأثر ثورة ديسمبر وما يتوقع أن يبذله لها من فرص في قطاعات البنى التحتية وبناء القاعدة الصناعية وغيرها من القطاعات التي نعى عليها عبد الخالق عزوفها عنها قبل ما يزيد عن نصف قرن.. إن اختفاء الفرائض الغائبة كتلك الدراسة التي حوتها وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية في يومنا هذا لمما يُؤسى له، وبالنتيجة، غدت أشغال العرافة وضرب الرمل هي مؤونة سالكي الطريق اللارأسمالي..

المتغيرات، سواء في الوضع العالمي باختفاء الكتلة الاشتراكية، أو في الوضع الداخلي بتعمّق التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الوطني مع بروز توجهات جديدة للرأسمالية المحلية، تستوجب على من يهمّهم الأمر، الشروع في عصف ذهني حول تلكم المسلّمات الثلاث: (١) طريق التطوّر اللارأسمالي (٢) الاشتراكية في بلد فقير، و(٣) الاشتراكية في بلد واحد، واكتناه أسئلة تأسيسية على غرار:

1- قضية السلطة السياسية ومدى إلحاح الوصول إليها، وما إذا كان قطع طريق التطور الرأسمالي سيغدو أكثر إيلامًا -في ظرف التردي الماثل- من الرأسمالية ذاتها. يشمل هذا إعادة تعريف الاستراتيجية والتكتيك في مسألة السلطة السياسية..

2- هل بالإمكان، ضمن شروط التداخل العولمي والتطويق الرأسمالي ما بعد الحرب الباردة، أن تنتصر الاشتراكية في بلدٍ فقير (underdeveloped) ومعزول؟

3- رد الاعتبار للعمل على إحياء وتمتين الطابع الأممي للمواجهة مع الرأسمالية برفع وتيرة التشبيك والفعاليات عابرة الأقطار، كشرط لازم لتحقيق (كما لحماية) أي انتصارات ممكنة في المستقبل، بدل الانصياع الضمني لتصورات انكفائية من جنس “الاشتراكية في بلد واحد” والنضال “الوطني”..

4- استكشاف الآفاق النظرية والعملية للوصول للاشتراكية عبر مسار التطوّر الرأسمالي، إذ يبدو أن الكلفة الأقل هي إخراج ما تبقى من شرور في صندوق بانادورا رأسالمال المفتوح أصلًا منذ عقود..

ومع كون هذه القضايا ماثلة “للمناقشة العامّة” أمام الاشتراكيين في كل مكان، فإن ضراوتها أشد في الحالة السودانية ما بعد ديسمبر، لأن البرنامج الذي تنفذه السلطة الانتقالية (من موقعها الذي يتأرجح بين وكيل العروس والسمسار) مصمم لرعاية مصالح نافذي الرأسمالية السودانية ورأسالمال الأجنبي وتسريع إلحاق/ إدماج البلاد في السوق العولمي، وهو “مشروع حضاري” جديد يمكن فهمه- لو نشاء- في إطار الدور التقدمي الذي ظل مؤجلًا للبرجوازية السودانية لانتشال السودان من اقتصاد متخلف ومشوّه ووضعه في مصاف الاقتصادات المعاصرة (وتحدياتها بالطبع).. فأسئلة الراهن السوداني، بهذا المعنى، أكبر من النظر إليها كسياسات حكومية أو روشتات خارجية تجوز مناهضتها بالقطّاعي ورزق اليوم، بل تستدعي نظرية ثورية للانتقال أكثر شمولًا وجدّة بما يناسب المقام ونبذ التكرار الكسول لمقولات انتفت حيثياتها وما عادت تنتج سوى خطاب اشتراكي مأزوم و”لاءات” طفولية لا تؤخذ- ولو سياسيًا- على محمل الجد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى