أخباراقتصادتقارير وتحقيقات

حقائق وأرقام حول تقرير «ستيف هانكي» عن التضخم بالسودان

أثار حديث أستاذ الاقتصاد التطبيقي بجامعة جون هوبكنز، الأمريكي ستيف هانكي، بشأن انخفاض مستوى التضخم في السودان لشهر يونيو، الجدل في الأوساط السياسية والاقتصادية في البلاد.

التغيير: الفاضل إبراهيم

وجاء تقرير هانكي، على عكس التقرير الرسمي للجهاز المركزي للإحصاء، الذي أكد ارتفاع مستوى التضخم وهو “مصطلح يعبر عن ارتفاع المستوى العام للأسعار لكافة السلع والخدمات”.

وسجل معدل التغير السنوي (التضخم)، ارتفاعا حيث بلغ 412,75 بالمئة لشهر يونيو 2021 مقارنة بمعدل 378,79 بالمئة لشهر مايو 2021، أي بزيادة قدرها 33,96 نقطة بحسب الجهاز المركزي للاحصاء.

ووفقا للاقتصادي الأمريكي البارز ستيف هانك، فإن حجم التضخم في السودان يبلغ 221.22 %، خلال شهر يونيو، وهو رقم بعيد عن ما ذكره الجهاز المركزي للإحصاء، بأن المعدل وصل “412.75%”. حيث أشار هانك في تغريدة على حسابه بتويتر: “أنه يظل المرجع الوحيد والدقيق لحساب التضخم يوميا في السودان”.

الاقتصادي الأمريكي ستيف هانكي

 

تصاعد معدل التضخم

 

وظل معدل التضخم “ارتفاع الأسعار”، يسجل قفزات للأعلى منذ بداية العام الماضي، حيث أظهرت بيانات الجهاز المركزي للاحصاء، ارتفاع معدل التضخم السنوي بالسودان إلى 304.33 بالمئة في يناير 2021 مقارنة بـ 269.33 بالمئة في ديسمبر 2020، وتوالي ترمومتر التصاعد في معدل التضخم، بمقدار 11 نقطة مئوية إلى 341.78 بالمئة في مارس ، مقارنة ب 330.78 بالمئة في فبراير ثم ارتفع إلى 363.14 بالمئة في أبريل ووصل في مايو إلى 379% في مايو.

 

تقرير مفاجئ

 

يقول الاقتصادي شاذلي عبدالله عمران، إن التضخم، يعني ارتفاع مستمر في جميع أسعار السلع والخدمات في الاقتصاد، وهذا يعني تناقص معدلات الدخول بنسبة التضخم، كمثال حالياً 221% بعد أن سجل معدل 412% في أبريل الماضي من نفس العام وفقاً لمصادر الرسمية.

ويصف عمران، تقرير الاقتصادي الأمريكي الخاص بانخفاض معدل التضخم بالمفاجئ.

وأشار إلى أن ذلك يعني عدداً من التخمينات؛ أولها: أن الأزمة غير حقيقية وتسمى بـ المفتعلة لأسباب سياسية. مضيفاً “يطلق عليها في أدبيات الاقتصاد، ظهور تدهور اقتصادي مفاجئ مصاحب بفترة ازدهار قصيرة، ومن ثم تدهور وهكذا، لذا لا أستبعد هذا النوع كمؤشر لانخفاض التضخم”.

 

تقديرات

 

يقول الباحث الاقتصادي بابكر أحمد عبد الله، إن تقديرات هانك للتضخم في السودان كانت عن شهر ابريل و تقديرات الجهاز القومي للإحصاء في السودان كانت عن شهر يونيو، وبالتالي لا توجد مقارنة بين التقديرين.

وأوضح عبد الله في حديث لـ(التغيير)، أن احتساب معدل التضخم يعتمد في الأساس على ثلاثة أشياء، أولهما فترة الأساس وهي الفترة المالية للاحتساب. والتي قال إنها إما أن تكون سنوية أو ربع سنوية أو شهرية، و ثانيهما سلع القياس، وهي مجموعة السلع التي يتم على أساسها القياس، وثالثهما عملة القياس.

وقال “لذلك يمكن أن تتفق تقديرات جهاز الإحصاء المركزي مع تقديرات هانك من حيث سنة الأساس وسلع القياس، لكن الاختلاف بين التقديرين يبقى في عملة القياس، لأن هانك وأمثاله في الغالب يقيسون بمؤشر الدولار، بينما في السودان يتم التقييس بالعملة الوطنية”.

الباحث الاقتصادي بابكر أحمد عبد الله

 

توضيح بالأمثلة

 

ويضرب عبد الله مثالا بسلعة في السودان في شهر مارس كان سعرها” 375 ” جنيها وسعر صرف العملة كان يساوي” 375 “جنيها، يعني قيمة السلعة واحد دولار. بينما في شهر أبريل، سعر صرف العملة إلى 400 جنيه والسلعة سعرها ارتفع إلى 400 جنيه، أي ان سعرها واحد دولار، وبالتالي حسب قياسات المركز القومي للإحصاء في السودان، فإن هنالك ارتفاع في سعر السلعة من 375 جنيه في مارس إلى 400 جنيه في ابريل، وبذلك تدخل السلعة ضمن سلع قياس التضخم.

أما بالنسبة لمؤشرات هانك، فإن السلعة سعرها في مارس كان واحد دولار وفي أبريل واحد دولار (لم يحدث تغيير) وبالتالي يوجد فرق واختلاف بين قياسات التضخم داخليا وخارجيا على حسب المنهج المتبع في القياس.

 

التضخم وصندوق النقد الدولي

 

وتربط الخبيرة الاقتصادية،  سبنا إمام ، خلال دراسة أعدتها حول أثر سياسات صندوق النقد الدولي على التضخم في الفترة ما بين 1966 و2018 ما بين زيادة التضخم وسياسات الصندوق علي السودان.

وتقول إمام لـ(التغيير)، إن متوسط معدل التضخم في السودان في الفترة التي سبقت أول تطبيق لبرنامج الصندوق الدولي كانت لا تتجاوز ال5%، وهي الفترة من 1961-1965 وكان التضخم وقتها أحادي الخانة، إلا أن الصندوق تدخل وقتها بنصيحة مفادها أن هذا الاستقرار لن يدوم، لأن الاقتصاد اعتماده الكبير على الزراعة كمصدر وحيد للدخل والعملة الحرة ستكون عرضة لصدمات الطلب والأسعار الخارجيتين وأن عليه أن يجري إصلاحات تضمن الاستقرار والنمو المستدامين.

وتضيف “فعلا تم تقديم مجموعة من الإصلاحات في (1966-1969) لم تشتمل على تعويم الجنيه أو تخفيض قيمته مقابل الدولار، وعلى الرغم من أن هذة التجربة الأولى مع الصندوق ساهمت مؤقتا في تقليص الفارق في ميزان المدفوعات، إلا أن هذا الاستقرار ما لبث أن تحول إلى تضخم جامح ابتداءً من العام الثالث لتطبيق البرنامج وقفز التضخم لأول مرة في العام 1972 لمستوى الخانتين “14%” وهكذا.

 

تشابه الحلول والنتيجة واحدة

 

وتسرد سبنا تاريخ تدخل صندوق النقد في السودان وتخلص الى انه وطوال تلك السنين زاد تدخل الصندوق في معدل التضخم بالبلاد .

ورأت إمام، أن روشتة الصندوق حاليا تحمل ذات التوصيات القديمة وتنصح أو توجه بتنفيذ ذات المعالجات رغم الفوارق الزمنية واختلاف الحكومات وحتى تغيير الرقعة الجغرافية للسودان بعد انفصال الجنوب.

وتؤكد أن كل قفزة كبيرة للتضخم كانت تعقب تطبيق روشتة الصندوق، هذا يعني أن روشتة الصندوق مسؤولة بشكل مباشر عن تأزيم وتعميق مشكلة التضخم في الاقتصاد السوداني.

وتابعت “كما أن نتائج الروشتة دائماً هي استقرار مؤقت لا يتجاوز العام، ولكن لا أثر ايجابي لها في المدنيين المتوسط والطويل”.

 

مآلات الاقتصاد

 

“روشتة البنك الدولي لم تحدث إختراقاً أبداً ولو جزئياً في المشكلة الهيكلية للإقتصاد السوداني المتمثلة في ضعف مصادر الدخل الاقتصادي والنمو واستمرار الاقتصاد طوال هذه العقود في الاعتماد على سلعة واحدة أو مجموعة محدودة من السلع الأولية، مما خلق عجزا هيكلياً في ميزان المدفوعات حتى في سنوات إنتاج النفط”، توضح الخبيرة الاقتصادية.

وتخلص إلى أن الأمر لا يحتاج معرفة كبيرة، وقالت “لا يحتاج أحدنا للتخصص في الاقتصاد ليتمكن من التنبؤ بمسار ومآلات السياسات الاقتصادية الحالية المستندة إلى روشتة الصندوق، إذ لن يكون من المستغرب أو المفاجئ أبداً أن يقفز التضخم لمستوي الأربع خانات كما حدث في زيمبابوي وفنزويلا إذا لم يعاد النظر في هذه الروشتة”.

 

جراحات

 

و يعود الاقتصادي شاذلي عبدالله عمران ويقول، إن الجراحات الأخيرة التي قامت بها القيادة الاقتصادية من لدن: تعويم الجنيه، توحيد الجنيه الجمركي ورفع الدعم أو ترشيده، بجانب القفزات الكبيرة في ملف إعفاء الديون الخارجية بواقع 14.1مليار دولار، تعتبر كلها أسباب لتحديد معدلات التضخم الجديدة بشرط تنفيذ مبادرة رئيس مجلس الوزراء وتنفيذ مخرجات بيان اجتماع مجلس الوزراء الذي تلاها.

وأوضح أن مساهمة المغتربين تختلف هذا العام لأول مرة منذ “30” عاما خلال عيد الأضحى  يتم فيه تحويل ملايين العملات الأجنبية عبر النوافذ الرسمية دون الاعتماد بشكل كبير على الاسواق السوداء.

ويشير إلى أن هذا  يعني زيادة كبيرة في عرض العملات الأجنبية والتي بدورها أثبتت فاعليتها في قيادة وتسبيب تغيرات الأسعار في السودان، مما انعكس ايجاباً على ثبات أسعار العملات الأجنبية في الثلاثة أشهر الماضية .

ويعتقد عمران، أن هنالك فرص جيدة للسودان لتحسين وضعه منها مؤتمر باريس وما يمكن أن يساهم به قطاع الاستثمار والحديث عن استثمارات في قطاع التعدين يمكن ان تضخ اكثر من 5 مليارات دولار سنويا، وهذا المبلغ يفوق العجز المتوقع في السنوات القادمة للميزان التجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى