أخبارأعمدة ومقالات

تعليقات حول مسودة قانون الصحافة لسنة 2021م المقدم من اللجنة الإستشارية لإصلاح قطاع الإعلام في السودان «2»

عبد القادر محمد عبد القادر

سجل الصحافيين (القيد الصحفي) ومشروعيته من منظور حقوق الإنسان

عبد القادر محمد عبد القادر*

تناولتُ في المقال السابق، تحليل مسودة قانون الصحافة لسنة 2021م – المقدم من اللجنة الإستشارية لإصلاح قطاع الإعلام في السودان – بشكل عام، وسأتطرق اليوم لقضية يتسم النقاش حولها ببعض التعقيدات في أوساط الصحافيين، وهي موضوع (السجل الصحفي / سجل الصحافيين)، أو ما يعرف في السودان بـ(القيد الصحفي). وهو سجل تحتفظ به الجهات الرسمية المنظمة لقطاع الصحافة يحوي أسماء الصحافيين المرخص لهم بمزاولة المهنة، بعد اجتياز امتحان معين، تناوب على تنظيمه تارةَ (مجلس الصحافة) وتارةّ أخرى (اتحاد الصحفيين).

ذكرتُ في تحليل مقترح مسودة قانون الصحافة لسنة 2021م، ان (تعريف الصحفي) الذي ورد في المسودة يعتبر تعريفاً قاصراً وتمييزاً ومن شأنه أن يعيق حرية التعبير والصحافة بصورة جدية، سأتناول فيما يلي بالتفصيل جوانب القصور في (تعريف الصحفي) الذي جاء في مقترح المسودة.

عرف مقترح مسودة قانون الصحافة لسنة 2021م، (الصحفي) بأنه: “أي شخص مؤهل يمتهن مهنة الصحافة ويمارسها كعمل دائم ومسجل في سجلات المهنة ويدخل في ذلك المراسلون والمحللون المتفرغون وأصحاب المدونات الالكترونية”.

فما هي أوجه القصور في هذا التعريف؟

للوصول إلى تعريف عادل وموضوعي لــ(من هو الصحافي؟)  يجب النظر أولاً إلى الوظيفة التي يؤديها الصحافيين وإلى طبيعة خدمتهم. ووفقاً للمُقرّر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير التابع للأمم المتحدة، فإن “الصحافيون هم الأفراد الذين يراقبون ويصفون الأحداث، والوثائق، والتحليلات، والسياسات، والتصريحات، وأي اقترحات يمكن أن تؤثر في المجتمع بغية وضع هذه المعلومات في إطار منظم وجمع الوقائع والتحليلات لإعلام فئة محددة من المجتمع أو المجتمع بأكمله”. وبالتالي فإن هذا التعريف يشمل: الإعلاميين وسائر العاملين في وسائل الإعلام، وموظفي وسائل الإعلام في كل البلد، كما يشمل (الصحفيين المواطنين) الذين ينطلقون من المنصات الإلكترونية، ويقومون بالمهام المذكورة أعلاه.

علاوة على هذا التعريف الذي قدمه المقرر الخاص المعني بحرية التعبير، فقد اعتمدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أيضاً، تعريفاً عملياً لمهنة الصحفي، فقد أوردت اللجنة في أحد تقاريرها ان “… الصحافة مهنة تتقاسمها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة، بمن فيها المراسلون والمحللون المحترفون والمتفرغون فضلاً عن أصحاب المدوَّنات الإلكترونية وغيرهم ممن يشاركون في أشكال النشر الذاتي المطبوع أو على شبكة الإنترنت أو في مواضع أخرى”[1].

وفقاً لهذين التعريفين المذكورين أعلاه، فإن أي نظام لـ(منح التراخيص)، أو (التسجيل الإلزامي للصحافيين) يُعتبر غير شرعي بموجب القانون الدولي.

وقد أشارت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، صراحةً إلى أن: “النظم الحكومية العامة لتسجيل الصحافيين أو الترخيص لهم تتعارض مع الفقرة 3 من المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.[2]

وتنص المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966م)، على الآتي:-

  1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
  2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
  3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،

(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

وفي سابقة قانونية يُعتد بها، فقد قدمت محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان رأياً إستشارياً مهماً في قضية تتعلق بـ (شرعية نظام التسجيل الإلزامي للصحافيين) في العام 1985م، فقد كانت حكومة (كوستاريكا) تتبنى نظاماً يُلزَم الصحافيون بموجبه بالانتماء إلى رابطة محددة تفرض عليهم شروطاً تتعلق، على سبيل المثال، بسنّهم ومستواهم التعليمي. وكانت الحكومة المعنية (حكومة كوستاريكا) ترى أنه “من الشرعي أن يُفرَض على الصحافيين الانتماء إلى رابطة، وقدمت ثلاثة أسباب لذلك، وهي:

– أولاً : لأن التسجيل يُمثل الطريقة “الاعتيادية” لتنظيم المهن؛

– ثانياً: لأن الهدف المقصود من السجل كان النهوض بالمستوى المهني والأخلاقي على نحو يعود بالفائدة على المجتمع في مجمله ويضمن حق الجمهور في تلقي معلومات أكمل وأكثر تطابقاً مع الحقيقة؛

– ثالثاً: لأن نظام منح التراخيص يُفيد في ضمان استقلال الصحافيين تجاه الجهات التي تُوظّفهم.

ويمكن تبرير هذه الأسباب الثلاثة واعتبارها ضرورية لحماية النظام العام بمفهومه العام المتمثل في (الظروف التي تضمن سير عمل المؤسسات على نحو طبيعي ومنسجم استناداً إلى نظام مترابط من القيم والمبادئ ).

في الرد على هذه الأسباب، التي بررت بها حكومة كوستاريكا قرارها بـ(إلزامية تسجيل الصحافيين)، قالت محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان الآتي:-

“أن النظام العام يستفيد من حماية حرية تداول المعلومات والأفكار أكثر مما يستفيد من مراقبة مهنة الصحافي”، وأوردت نصاً: “تُمثل حرية التعبير العنصر الرئيسي والأساسي في النظام العام ضمن المجتمع الديمقراطي، الذي لا يمكن تصوّره من دون حرية المناقشة ومن دون منح الأصوات المعارضة إمكانية الوصول إلى أسماع الناس بلا عوائق … وتتحقق أيضاً مصلحة النظام العام الديمقراطي المتأصل في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الانسان من خلال الاحترام التام لحق كل فرد في التعبير بحرية وحق المجتمع بأكمله في تلقي المعلومات”.

التسجيل وتنظيم المهن:

الحجة الأولى، التي قدمتها حكومة كوستاريكا، لتبرير تسجيل الصحافيين هي (أن التسجيل يُمثل الطريقة “الاعتيادية” لتنظيم المهن)؛

ولدى النظر في هذه الحجة، ميّزت المحكمة بين (مهنة الصحافة) و(المهن الأخرى)، إذ أشارت المحكمة إلى ما يلي: ” تقتضي مهنة الصحافي – الطبيعة ذاتها لما يقوم به الصحافيون – على وجه التحديد التماس المعلومات وتلقيها ونشرها. ومن ثَمَّ فإن ممارسة الصحافة تتطلب من الفرد أن يُكرِّس اهتمامه لأنشطة تُعرِّف حرية التعبير التي تضمنها الاتفاقية (الأمريكية لحقوق الإنسان) أو تندرج في حرية التعبير هذه. … ولا ينطبق ذلك، على سبيل المثال، على ممارسة مهنة المحاماة أو مهنة الطب – أي الأنشطة التي يزاولها المحامون والأطباء – لأنهما لا تمثلان نشاطاً تضمنه الاتفاقية على وجه التحديد”. … ولذا فقد استنتجت المحكمة أن الأسباب المتعلقة بالنظام العام والتي يمكن أن تكون صالحة لتبرير منح ترخيص في إطار مهن أخرى، لا يجوز الاستناد إليها في حالة مهنة الصحافي لأن ذلك سيؤدي إلى حرمان دائم لأولئك الذين لا ينتمون إلى هذه المهنة من حقهم في الانتفاع التام بالحق في حرية التعبير.

ورفضت المحكمة أيضاً الحجة القائلة بأن نُظم منح التراخيص ضرورية لضمان حق الجمهور في الحصول على معلومات، من خلال غربلة واستبعاد الصحافيين السيئين ووضع قواعد مهنية صارمة، من بين أشياء أخرى، لأن هذا النظام يمكن أن يترك الباب مفتوحاً للتجاوزات.[3]

وركّزت المحكمة اهتمامها في المقابل على ضرورة الحصول على أكبر كمية ممكنة من المعلومات أكثر من التركيز على ضرورة ممارسة رقابة على هذه المعلومات.

ثم وجَّهت المحكمة اهتمامها إلى الحجة القائلة بأن نظام منح التراخيص يدعم الرابطة، مما يؤدي إلى تعزيز المهنة والإسهام في حماية الصحافيين من خلال مساعدتهم على الدفاع عن حقوقهم أمام الجهات التي تُوظّفهم. ورأت المحكمة أن هذا الهدف يمكن أن يتحقق بفضل وسائل أقل إثارة للاستياء وأنه لم يتم الوفاء بشروط الاختبار الثلاثي- المتضمن في القانون الدولي- والمتعلق بالقيود التي يمكن فرضها على حرية التعبير.

تعتبر هذه السابقة التي أرستها المحكمة الامريكية لحقوق الانسان من السوابق المهمة في سياق بحث مدى مشروعية نظام تسجيل الصحافيين من وجهة نظر القانون الدولي.

فإذا كانت الحكومات تسعى إلى تسجيل الصحافيين من أجل تنظيم المهنة، فكما ورد سابقاً أن مهنة الصحافة هي (مهنة يتقاسمها طيف واسع من الجهات الفاعلة) الذي يكفل لهم القانون الدولي الحق في حرية التعبير والنشر والحصول على المعلومات. أما إذا كان الهدف دعم (الاتحادات والروابط المهنية) فهذ أمر يخص الصحافيين أنفسهم ويجب أن يترك لهم أمر تنظيمه، بعيداً عن التدخلات الحكومية.

هنالك مسالة أخرى تطرأ في سياق تناول مسألة سجل الصحافيين (القيد الصحفي) أو نظام تسجيل الصحافيين، وهي الإمتيازات التي توفرها بطاقة الصحفي المسجل. وهنا يجب النظر إلى ان اي نظام لتسجيل الصحافيين، يهدف إلى توفير أو منح امتيازات معينة للصحافيين المسجلين، إنما هو هدم لأحد أهم أعمدة الديمقراطية، وهو الحق في الحصول على المعلومات، فلا ديمقراطية بلا حرية تعبير  وحرية صحافة، ولا حرية تعبير وحرية صحافة بلا ضمانات وافية لحق الحصول على المعلومات. إذ ” تُمثل حرية تداول المعلومات حقاً أساسياً من حقوق الإنسان وحجر الزاوية لكل الحريات الأخرى…”.[4]

إن نظام تسجيل الصحافيين الذي يوفر امتيازات معينة للصحافيين المسجلين، يؤدي في نهاية المطاف إلى حرمان الصحافيين غير المسجلين من حقهم في الحصول على المعلومات، وحرمانهم من حقهم في التعبير، وبالتالي يقود إلى تقويض أسس الديمقراطية. لذلك فإن مناهضة نظام تسجيل الصحافيين، ومناهضة القيود المفروضة على ممارسة مهنة الصحافة هو في جوهره دفاع عن  قيم الديمقراطية.

المسألة الثالثة، التي تطرأ في سياق النظر إلى موضوع تسجيل الصحافيين، هي مسألة (الإعتراف بالوضع القانوني للصحافي). ويمكن النظر إليها في سياق الغرض من تسجيل الصحافيين، وكيفيته. فإذا كان الغرض من تسجيل الصحافيين هو خلق وتقنين امتيازات لفئة معينة الصحافيين (المسجلين)، فهذا أمر مرفوض، ومتعارض مع مبدأ حرية التعبير. أما إذا كان الغرض هو تنظيم ذاتي للصحافيين أو تسهيل انعقاد جمعية عمومية لبعض رابطات الصحافيين فهذه ممارسة معترف بها، شريطة ألا تكون إلزامية، وألا تخلق وضعاً تمييزاً .

بينت الممارسات في عدد من البلدان، انه من الضروري الاعتراف لبعض الأفراد التمتع بالوضع القانوني للصحافي تحقيقاً لهدف محدد، مثلاً إمكانية دخول قاعة محكمة، أو الدخول إلى البرلمان ، أو حضور مؤتمر صحفي أو نقل معلومات إلى الجمهور …

وجرى حل هذه المشكلة في العديد من النظم الديمقراطية من خلال الاستعانة بنظام للاعتماد يُستند إليه في الاعتراف بشرعية بعض رابطات الصحفيين، وبذلك يصبح أعضاء هذه الرابطات معتمدين من خلال الاعتراف بالبطاقات الصحفية التي تمنحها هذه الرابطات. وهناك نظم مختلفة لتحديد الرابطات الشرعية والرابطات غير الشرعية. وعلى سبيل المثال، اجتمعت مختلف روابط الصحافيين في المملكة المتحدة، ووضعت عملية للتصديق الذاتي (أي نابعة من الصحافيين أنفسهم) تعترف بها قوات حفظ النظام.

وفي حالات أخرى، تقوم القوات النظامية التي تمنح أذونات الدخول إلى أماكن معينة (مثل قاعة المحكمة) بالاعتراف بمختلف الرابطات. ومن المهم جداً في هذه الحالة أن تؤدي القوات النظامية هذه المهمة على نحو عادل وموضوعي لكي تكون إجراءات الاختيار خالية من التمييز ضد بعض الرابطات. ويترك ذلك للصحفيين حرية تنظيم أنفسهم، كما يتيح للسلطات حماية حرية تداول المعلومات الموجهة إلى الصحفيين الذين يصبحون بدورهم قادرين على نقل هذه المعلومات إلى الجمهور.

وفي بعض الحالات التي تتعلق مثلاً بالبرلمان أو بالمحاكم، قد يكون هناك نظم خاصة بمنح الاعتماد من أجل الحرص على تمكين الصحفيين الذين يُغطون، بإنتظام، هذا النوع من الأحداث من الدخول إلى مكان الحدث.  ففي بعض البلدان، يضع البرلمان بعض الوسائل كالانتفاع بالإنترنت أو حتى أحد المكاتب في تصرف الصحفيين المعتمدين.

ومن المهم هنا أن الإشارة إلى أن الهدف من هذه النُظم ليس الاعتراف بحقوق خاصة أو بامتيازات لبعض أفراد المجتمع (أي للصحفيين)، وإنما الهدف هو ضمان حرية تداول المعلومات الموجهة إلى الجمهور. وبعبارة أخرى، إن ما يحظى بالحماية في هذه الحالة هو بالتحديد (حرية تداول المعلومات) الصادرة عن هذه الأماكن الهامة والموجهة إلى الجمهور، وليس منح الصحفيين نوعاً من الحقوق الخاصة او الامتيازات.

ولكن حتى نظم الاعتماد يجب أن تراعي بعض القواعد المحددة، كما تعلن ذلك لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة: “ولا يُسمح بنظم الاعتماد المقيَّد إلا عندما تكون هناك ضرورة لمنح الصحافيين امتيازاً للوصول إلى أماكن و/ أو مناسبات معيّنة. وينبغي أن تُطبَّق هذه النظم بطريقة غير تمييزية ومتلائمة مع المادة 19 ومع الأحكام الأخرى للعهد على أساس معايير موضوعية وبمراعاة أن الصحافة مهنة تتشارك فيها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة ” [5].

أي انه حتى عندما يوفر نظام الاعتماد امتيازاً معيناً يجب ألا يكون هذا الإمتياز محصوراً على فئة معينة. ومن المهم ألا تتدخل الجهات الرسمية في نظام الاعتماد.

وفي بلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أرسى الصحافيون من تلقاء أنفسهم نظام اعتماد نموذجي للممارسة الجيدة، إذ يشرف على نظام الإعتماد لدى الجمعية التشريعية، لجنة دائمة للمراسلين، يُنتخب أعضاؤها من بين الصحافيين المعتمدين مسبقاً، ومدة دورة اللجنة سنتين، وعلى الصحافيين الراغبين في الحصول على اعتماد أن يودعوا طلباً لدى اللجنة. وهنالك ثلاثة أنواع من الاعتمادات او تصاريح المرور لوسائل الإعلام تتيح دخول الصحافيين إلى مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهي: ( 1) تصريح المرور اليومي؛ ( 2) وتصريح المرور المؤقت؛ ( 3) وتصريح المرور الدائم.[6]

من خلال استعراض التجارب السابقة، نود أن نلفت النظر إلى ان نظام تسجيل الصحافيين الذي تكرس له التشريعات السودانية، بما في ذلك مسودة قانون 2021م، هو نظام يتعارض مع الحق في حرية التعبير والصحافة، ويتنافى مع أسس الديمقراطية.

من المؤسف أن نشير إلى ان نظام تسجيل الصحافيين في السودان أسس له الحكم الأجنبي في البلاد، منذ سن أول قانون للصحافة في العام 1930م، وظل متوارثاً عبر جميع حقب الحكم الوطني. نتتبع فيما يلي نظام تسجيل الصحافيين في السودان من خلال التشريعات الصحفية في السودان في الفترة من 1930م-2009م.

نظام تسجيل الصحافيين في التشريعات الإعلامية في السودان:

صدر أول قانون للصحافة في السودان في العام 1930م، أي في فترة الحكم الأجنبي (الإستعماري) للبلاد، وقد صدر القانون بتوقيع نائب الحاكم العام، ونصت المادة (3) من القانون المتعلقة بـ( وجوب الترخيص للصحف بواسطة السكرتير الإداري)، على أنه “لا يجوز نشر جريدة تشمل أخبار عامة أو تعليقات على أخبار عامة سواء أكانت تصدر بانتظام أو بغير انتظام إلا بمقتضى رخصة يصدرها السكرتير الإداري ، ويبين في الرخصة اسم الجريدة، وصاحبها ، وطابعها وناشرها، ومحررها أو محرريها …”. كما نصت المادة (5) من القانون على “كل شخص يكون بالفعل مالكاً أو شريكاً أو ناشراً أو طابعاً أو محرراً في جريدة مرخص لها … يجب أن يتحقق من تدوين اسمه كاملاً”. كانت هذه بداية التقنين لنظام التسجيل في التشريعات المحلية، ويشير هذا النظام إلى ان التسيجبل كان يتم من خلال ترخيص الصحف والمطبوعات.

ومن المهم في هذا السياق الإشارة إلى ان قانون الصحافة لسنة 1930م، الذي أصدره المستعمر، قد صدر في ظروف سياسية معينة، وهي ظروف تنامي حركة المقاومة الوطنية المناهضة للإستعمار، وبعد مرور ست سنوات فقط على إندلاع ثورة 1924م. وقد كان الهدف من القانون هو تكميم الأفواه المناهضة للإستعمار والناقدة لسياساته، وقد نص القانون نفسه على ان الهدف منه هو (الترخيص للصحف) و (مراقبة إخال المطبوعات الى البلاد….).

وقد كانت صحافة ما قبل عام 1924م في طابعها الأعم إما (صحافة أدبية)، أو (صحافة أجنبية) أسسها الحكم الأجنبي (المستعمر) لخدمة أغراضه، أو (صحافة وطنية) متماهية مع سياسات الحكم الأجنبي .. ولكن في أعقاب ثورة 1924م، حدث تحول في بنية وطبيعة الصحافة، وهو ما جعل الحاكم الأجنبي يستعجل إصدار قانون الصحافة لسنة 1930م، المعيب شكلاً ومضموناً.

عندما نال السودان إستقلاله، في العام 1956م، تمت عملية إنهاء الإستعمار (Decolonization) على المستوى السياسي (أي ان البلاد نالت إستقلالها وحصلت على حكم وطني مستقل)، ولكن هذه الحكومات الوطنية المتعاقبة لم تفلح أو لم تعمل على التخلص  من التداعيات والتبعات والآثار الإستعمارية الرهيبة على مستوى التشريعات، خاصة التشريعات الإعلامية، ومن المثير للسخرية ان جوهر القيود المفروضة على حرية الصحافة والتعبير التي أسس لها المستعمر في قانون الصحافة لسنة 1930م، بغرض تكميم أفواه أصوات المقاومة، ظلت سارية إلى يوم الناس هذا!.

توارثت أنظمة الحكم الوطنية، التشريعات الإعلامية من المستعمر، وأضافت عليها المزيد من القيود والكوابح.

اُدخِلت ثلاثة تعديلات على قانون الصحافة لسنة 1930م، منذ صدوره وحتى عشية الإستقلال، كانت هذه التعديلات في الأعوم (47، 48، 1959م)،

جرى أول تعديل وطني واسع لقانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1930م، في العام 1965م، وتضمن هذا التعديل، نصاً صريحاً على تقنين نظام تسجيل الصحافيين، ومنح المسجلين منهم امتيازات معنية. وقد نصت المادة (7) البند (ه) من لائحة المطبوعات (تعديل) لسنة 1965م، على الآتي: “تشكيل لجنة لتسجيل الصحفيين ومنح المسجلين منهم البطاقة المهنية اللازمة لممارسة العمل الصحفي”. وهذا النص مستمد من جوهر القيود التشريعية التي وضعها المستعمر لكبح أصوات الصحافة الناقدة. وظل هذا النص المقيد متواتراً (مع بعض التحوير) في كل قانون جديد للصحافة يصدر في السودان، منذ ذلك الوقت وحتى مقترح مسودة قانون الصحافة لسنة 2021م، التي نناقشها الآن.!

في العام 1973م، صدر أول قانون للصحافة – أي قانون جديد وليس تعديل- (في ظل حكومة وطنية) وذلك في أعقاب إستيلاء نظام مايو بقيادة نميري على الحكم في البلاد عبر إنقلاب عسكري. تضمن القانون الجديد نصاً مماثلاً للقوانين السابقة له في مسألة تسجيل الصحافيين، إذ نصت المادة (7) ، البند (4) من قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1973م، على الآتي:  ” تعيين لجنة لقيد الصحفيين ووضع لائحة تنظم أعمالها وتحدد الشروط الواجب توفرها في الصحفي”.

ظل قانون 1973م المعيب سارياً حتى العام 1993م، حيث جرى إصدار قانون جديد للصحافة في ظل (نظام الإنقاذ) البائد، تضمن القانون النص نفسه، مع بعض التحوير، إذ نصت المادة (24) البند (ط)، من قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 1993م، على الآتي: ” إنشاء سجل للصحافيين وتشكيل لجنة لتسجيلهم ومنح البطاقة الصحفية اللازمة لممارسة العمل الصحفي”.

في العام 2005م، وفي أعقاب توقيع (اتفاق السلام الشامل) بين الحكومة السودانية (نظام الإنقاذ) والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق، شاركت الحركة الشعبية وحلفائها من أحزاب المعارضة في البرلمان. بوصول المعارضة إلى قبة البرلمان تفاءل الصحافيون السودانيون بأن الوضع الجديد سيؤسس لقليل من الإنفتاح السياسي، وفتح الصحافيون نقاشاً مهماً حول إصدار قانون جديد للصحافة في ظل الوضع الجديد الذي تميز بقليل من الإنفتاح السياسي، من المفارقات ان القانون الجديد الذي صدر في العام 2009م، تضمن نصاً مماثلاً لنص “القانون الإستعماري” حول تسجيل الصحافيين!. ونص الفصل الخامس من قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009م، المادة (23)، المتلعقة بـ(شروط العمل بمهنة الصحافة)، على انه: ” یشترط في الصحفي قبل ممارسة المهنة أن یكون مسجلاً في سجل الصحافیین لدى الإتحاد العام للصحفیین السودانیین”.

هذا الإستعراض السريع لتأريخ نظام تسجيل الصحافيين في التشريعات الاعلامية في السودان، يبين التركة الثقيلة التي تزرح تحت وطأتها الصحافة السودانية. فلا يعقل بعد مرور أكثر من مائة عام، نعيد تكرار نفس أخطاءنا!.

في ختام هذا التعليق المطول، أعود لأقول ان (تعريف الصحفي) الذي ورد بمسودة قانون الصحافة لسنة 2021م، هو تعريف قاصر وتمييزي، كما أسلفت الشرح في مستهل هذا التعليق، ويجب أن يكون تعريف الصحفي بأنه ( أي شخص طبيعي أو اعتباري يعمل بشكل منتظم أو مهني في جمع ونشر المعلومات إلى الجمهور عبر أي وسيلة من وسائل الإتصال).

——————

* عبد القادر محمد عبد القادر/ جامعة الخرطوم

– صحافي، باحث في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان.

– زميل معهد ستانفورد للديمقراطية والتنمية وحكم القانون.

—————–

 [1] – التعليق العام رقم 34، لجنة حقوق الإنسان، 12 سبتمبر 2011م

[2]  – المرجع السابق

[3]  – دراسة حالة ضمن دليل اليونسكو حول حفظ النظام واحترام حرية التعبير.

[4]  – القرار 59، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 1948م

[5]  – التعليق العام رقم 34، مصدر سابق

[6]  – معظم الأجزاء السابقة من المقال استندت على دليل اليونسكو حول (حفظ النظام واحترام حرية التعبير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى