أخبارتقارير وتحقيقات

تنصيب مناوي حاكماً لدارفور.. عوامل البناء ومخاوف الهدم

منذ تسمية مني أركو مناوي حاكماً عاماً لإقليم دارفور، ظلت الأسئلة تطل برأسها حول ما إذا كان هذا التطور سيسهم في استقرار وبناء الإقليم، أم يصبح أحد عوامل تأزيم المشهد وعنصراً للهدم، وأصبحت الأسئلة أكثر جدية بعد تنصيبه رسمياً.

التغيير– الخرطوم: علاء الدين موسى

تسلّم رئيس حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي رسمياً، أمس الثلاثاء، مهام منصبه حاكماً عاماً لإقليم دافور بعد تنصيبه بمدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور وسط حضور رسمي وشعبي، رغم تباين الآراء بين مؤيد ورافض للتنصيب.

ومرد هذا التباين، تخوف البعض من أن يكون تسلّم مناوي للمنصب عاملاً إضافياً لتعقيد الأزمة السياسية والأمنية، خاصة بعد الانفلات الأمني والصراعات القبلية التي شهدتها بعض أجزاء الإقليم.

كما أن آخرين يرفضون الأمر من حيث المبدأ، كما تبين في الاحتجاجات التي برزت ضد مناوي كحاكم للإقليم، وهو ما أقر به هو نفسه خلال مؤتمره الصحفي الاثنين، بينما تمسك البعض برفض الولايات في انتظار قيام استفتاء الاداري، فيما مضت آراء إلى أن قانون الحكم الاتحادي لم يتم تعديله ليجري تقسيم البلاد إلى إقاليم، وأن ما حدث فوضى إدارية، وآراء أخرى اعتبرت أنه ليس لمناوي وزن سياسي ليكون حاكماً للإقليم، فهل سيكون تنصيب مناوي حاكماً لدارفور عاملاً للبناء أم الهدم؟!

تسلّم المهام

رغم وجود أصوات كثيرة رافضه لتسلّمه للمنصب، إلا أن مناوي باشر مهامه رسميًا من قلب الإقليم أمس، بعد مرور أكثر من شهرين على تسميته، لتكملة إجراءات خاصة بمواءمة أنظمة الحكم، وحشد الدعم لولايته.

وتمت تسمية مناوي، حاكماً لدارفور مايو الماضي، إنفاذاً لاتفاقية جوبا لسلام السودان.

وتعهد مناوي بالعمل على استتاب الأمن، والشروع في إقامة مشروعات التنمية، وأعلن خلال تنصيبه، عن فتح الحدود للتجارة بين دارفور ودول الجوار.

ونادى بتكملة الترتيبات الأمنية، وإنفاذ العدالة الانتقالية، وتضميد جراح المجتمع من آثار التهميش والحروب.

مصادر: سبب الخلافات بين مناوي وبعض الحركات هو سعي كل منهم للسيطرة على المشهد في دارفور

أسباب الخلاف

وبحسب مصادر «التغيير»، فإن الخلافات بين حاكم إقليم دافور وبعض الحركات الموقعة على السلام بدأت منذ وقت مبكر، لسعي كل منها للسيطرة على المشهد في دارفور قبل أن تتم عملية دمج جيوش الحركات في جيش قومي واحد.

وبدأت التفلتات تحدث بين الحين والآخر، آخرها الكمين الذي وقعت فيه قوات عضو مجلس السيادة الطاهر حجر قبيل تنصيب مناوي بساعات، وأرسلت على إثرها الحكومة الانتقالية وفداً برئاسة عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي لنزع فتيل الأزمة، ووعدت بتنفيذ استحقاق السلام الموقع بين الحكومة والجبهة الثورية في 3 أكتوبر الماضي.

بداية أحداث

وقال الخبير الإستراتيجي، المختص في شؤون دارفور محمد تورشين، إن الإنفلات الذي حدث في شمال دافور يشكل بداية لأحداث متوقع حدوثها.

وأضاف لـ«التغيير»، أن الحركات المسلحة تسعى لفرض الواقع بالقوة لتسهم في الاستقرار.

وتابع: «في تقديري هذه القوات لن تستطيع أن تسهم في حل المشكلة لأنها جزء من الصراع التاريخي في دارفور».

وطالب تورشين بتكوين قوة مشتركة من كل أجزاء السودان بدلاً عن القوات الحالية.

واعتبر أن وجود هذه القوات بأسلحتها يشكل هاجساً أمنياً لإنسان دارفور، لذلك لابد من وضع ضوابط محددة لها.

وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفري أول ركن عبد الفتاح البرهان، أعلن بدء تنفيذ ملف الترتيبات الأمنية في كلمته خلال تنصيب مناوي حاكم للإقليم أمس.

منسقية النازحين واللاجئين: تنصيب مناوي لا يعني الضحايا وسيفشل كما حدث من قبل

اتفاقيات جزئية

واتفق الناطق الرسمي المكلف باسم المنسقية العامة لنازحين واللاجئين بالسودان آدم رجال، مع تورشين فيما ذهب إليه، وقال لـ«التغيير»، إن ما يجري الآن في شمال دارفور «محلية طويلة ودار السلام»، وجنوب دارفور «قرية ود حبوبة»، وغرب دارفور، ومعسكر سورتوني سببها اتفاقيات جزئية لم  تخاطب جذور الأزمة التاريخية في البلد.

وأضاف: «مناوي سيفشل في إدارة الاقليم، لأنه سبق وعمل مساعداً لرئيس الجمهورية في ظل النظام البائد، وحاكم إقليم دارفور، وفشل من دون تقديم أي خدمة لإنسان الإقليم».

رفض النازحين واللاجئين

وعلى الصعيد، برزت أصوات رافضة لتنصيب مناوي حاكماً للإقليم باعتباره جزء من الأزمة وليس حلاً لها، وأكد آدم رجال، أن  تعيين مناوي لا يعنيهم كضحايا، لأنه لم تتم مشاورتهم في اتفاقية جوبا التي سلكت نفس النهج القديم للنظام البائد في المحاصصات.

ووصف اتفاق جوبا أنه شبيه بالاتفاقيات السابقة «الدوحة وسرت وأبوجا» التي لم تأت للنازحين بغير القتل الجماعي والفردي والإغتصاب.

مدعاة للهيمنة

وعضد الخبير تورشين، حديث رجال بوجود أصوات داخل مكونات دارفور رافضة لتنصيب مناوي حاكماً للإقليم، وقال: «الآن هنالك مجموعات ترفض هذا الحكم منها الهيئة الفيدرالية لولايات دارفور باعتبارها تكرس لهيمنة إثنية معينة، وهذه مدعاة لمزيد من الرفض الشعبي سواء في شرق دارفور أو غرب دارفور لتغير الوضع.

وأشار تورشين إلى أن الشعوب أصبحت لديها الرغبة في الحكم وتمثيل نفسها بنفسها.

والي وسط دارفور: التقاطعات ستعالج في مؤتمر نظام الحكم

بروز تقاطعات

واعتبر المحامي والناشط الحقوقي محمد نكروما، أن تخصيص إقليم لدارفور دون بقية أجزاء السودان يعقد المشهد السياسي.

وقال لـ«التغيير»، إن تعيين حاكم لإقليم دارفور تم قبل تحديد مهامه وصلاحياته بعد أكثر من شهر من تاريخ التعيين.

وأوضح أن القانون الخاص بإقليم دارفور في ظل وجود الولايات وتبعيتها المباشرة لرئيس الوزراء سيؤدي لبروز التقاطع في المهام والصلاحيات بين حكومة الإقليم وحكومات ولايات دارفور، وهذه من التحديات التي تواجه حكومة الإقليم.

وأجاز مجلس الوزراء، في يوليو الماضي، مشروع قانون نظام الحكم الاقليمي لدافور لسنة 2021م عقب إجراء تعديلات تضمن مواءمة المشروع مع الوثيقة الدستورية واستحقاقات اتفاقية جوبا، كما حدد مستويات الحكم ومستوى التعامل ما بين حاكم الإقليم والولاة والمحليات، وطبيعة العلاقات الرأسية ما بين مجلس الوزراء ومستويات الحُكم الأخرى وحكومة الإقليم.

واتفق والي وسط دارفور أديب عبد الرحمن مع نكروما، بأن دارفور كانت ولاية، قسمت إلى «3» وبعدها إلى «5» دون مشورة أهل دارفور.

وقال أديب لـ«التغيير»: «أظن أن هذا الأمر ربما يعالج في مؤتمر الحكم».

وأكد أديب خلو ولايته من الصراعات القبيلة حتى الآن، فضلًا عن أنه ليس هناك صراع قبلي منذ تعين الحكومة المدنية، وأشار إلى أن الحكومة أسهمت في حل الصراعات القبلية القديمة.

استنكار التنصيب

فيما استنكر رئيس هيئة محامي دارفور الصادق السندكالي، تنصيب الولاة وحاكم الإقليم بهذه الطريقة.

وقال لـ«التغيير»، إن التنصيب لا يحتاج لمظاهر تبديد الأموال والجهود وإنسان الإقليم أحوج ما يكون لهذه الأموال.

وأضاف: «التنصيب جاء عن اتفاق تسوية لنزاع مسلح سقط جراءه الآلاف وهجر الملايين، ولذلك الصرف على مثل هذه الاحتفالات ليس بأولوية وقد تأتي بنتائج ورسائل سالبة قد لا تخدم الحاكم نفسه».

وتابع: «دارفور تشهد اشتباكات مسلحة دامية أدت إلى سقوط ضحايا والاحتفال يعطي رسائل بأن ليس للحكومة والحاكم أولويات استراتيجية».

وزاد: «كان على الحاكم أن يشرع فور تعيينه ودون حفل واستقبالات ومظاهر تنصيب في اتخاذ التدابير المناسبة لوقف الاقتتال القبلي الذي شاع في الولايات، كما يعمل تسهيل الخدمات الضرورية ما أمكن».

واستطرد: «كان عليه تأطير العمل بين الإقليم والولايات والتأسيس السليم للعمل والتعاون المشترك. ولكن الحاكم اختار البداية الخاطئة ليجد نفسه بعد مظاهر احتفالات التنصيب وتبديد الأموال قابعاً في محطة ماذا بعد؟؟».

محلل سياسي: ناوي رئيس حركة وهذا ما أعطاه حق حكم دافور كاستحقاق لسلام جوبا

خلق أزمة

وبحسب المحلل السياسي د. عبد الرحمن ابوخريس، أن تعيين مناوي حاكم لإقليم دارفور يأتي في إطار تنفيذ السلام، لكنه أتى متقدماً على ملفات قومية مثل تغيير الحكم الفيدرالي إلى ولائي.

وقال أبو خريس لـ«التغيير»: «كان يجب إجازة القانون في كل السودان وليس دارفور  فقط، حتى لا يخلق أزمة في بقية الولايات لأنه يعد مخالفة واضحة للقانون».

فيما اعتبر محمد تورشين، أن الوضع في دارفور مشوه تماماً واشبه بالحكم الذاتي في ظل دولة مركزية تتمتع فيها بعض الأقاليم بالحكم الذاتي كالنيل الأزرق ودارفور وربما مستقبلاً جبال النوبة.

اختلال الوضع

واعتبر تورشين أن الوضع إدارياً مختل تماماً بالرغم أن القانون الذي أصدره رئيس مجلس السيادة مؤخراً يحاول دراسة هذه الإشكالية وحاول توضيح وجود برلمان إقليمي وحكومة إقليمية تضم ولاة الولايات.

بينما طالب أبو خريس، مناوي بالتعامل بواقعية دون أن يبرز الصفة المنتخبة.

وقال: «كان على حكومة الفترة الانتقالية التروي في التعيين لأنه يخلق تململاً داخل الولايات الأخرى ويشجع على إعطائها نفس القيمة الاستثنائية».

ونادى بالتسامي عن شيطان التفاصيل لأن السلام له ثمن.

وفند أبو خريس، الزعم بأن مناوي ليس له وزن لحكم الإقليم، وقال إن مناوي رئيس حركة وهذا ما أعطاه الحق كاستحقاق لسلام جوبا.

وأضاف: «في تقديري مناوي رئيس حركة ولابد أن يتعامل معه بهذه العقلية وليس بالنظر لوزنه».

وتابع: «الأوزان لو تم تطبيقها ستخرج أغلب الأحزاب المسيطرة على المشهد والفترة الانتقالية الآن».

وزاد:” «ما أعطى هؤلاء الحكم يعطي مناوي أن يكون حاكماً لإقليم دارفور أيضاً».

ورأى أن الجميع ليست لهم أوزان سياسية سواء في الخرطوم أو الأقاليم، لذلك لابد من التسامي فوق الهفوات حتى يتحقق السلام لأن شعب دارفور دفع الثمن غالياً للحرب وآن الأوان لتحقيق السلام حتى يعيش في أمان وسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى