حوارات

زوجة الأمير نقد الله تتداعى: كان خفيفاً مع أسرته وثقيلاً على جلاديه

خدمته كانت أسهل من شرب كوب من الماء

قابلناها لنعرف بعض كواليس حياة الرمز الوطني، الأمير عبد الرحمن نقد الله، وخرجنا منها ونحن على يقين بأنه وراء كل رجل عظيم امرأة.

التغيير-  حوار: أمل محمد الحسن

المحررة مع حرم الأمير عبد الرحمن نقد الله

كانت لا تزال ترتدي الثوب الأبيض، حداداً على رحيل زوجها؛ الأمير عبد الرحمن نقد الله الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى في يونيو الماضي.

وفي أثناء الحوار كانت تبكي وهي تسرد عذاباته في (بيوت الاشباح) سيئة الصيت، وتملأ الابتسامة وجهها عندما تحل الذكريات السعيدة.

الذكريات التي جمعت هدى مهدي مجذوب الحجاز، بزوجها الراحل بحسابات الأيام قليلة، فزواجهما الذي بدأ في العام 1982 واستمر حتى وفاته في العام 2021، قضى منها الراحل 18 عاما غائباً عن الوعي، و11 عاما متنقلاً بين معتقلات وسجون النظام البائد، ما يجعل مجموع حياتهما الزوجية 10 أعوام من جملة 39 عاماً، ومع ذلك فالحسابات لديها مختلفة، إذ تقول: “لم أكن أشعر بانه غائب، دائماً ما كان موجود، وبيننا تواصل روحي لا ينقطع”.

قالت عبارتها تلك وهالة مشعة اكتست وجهها، بطريقة تجعل القشعريرة تسري في جسد من يستمع إليها.

المعتقلات والتعذيب

بعد شهر واحد من تلاوة الرئيس المخلوع عمر البشر بيان انقلابه على الحكم الديموقراطي، تم اعتقال الأمير نقد الله، لتستمر الاعتقالات والتعذيب والتجول في السجون حول السودان، حيث تنقل بين سجون كوبر، وحلفا، وشالا بالفاشر، ودبك، وهذا الأخير كان ممنوعاً على الأسرة زيارته فيه، وقضى  معه تلك الفترة عبد المحمود أبو رئيس شؤون الأنصار حالياً.

تعرض خلال 11 عاما لجميع أصناف التعذيب، وفقاً لزوجته التي أكدت عدم انكساره أو افشائه لأي من أسرار المعارضة، وتحدثت عن كيف يهابه العسكر، على الرغم من عدم ضخامة بنيته الجسدية؛ إلا أنه كان يصبر على العذاب المتصل.

“حجمه لا يختلف عن حجم أبنائه، لكن كانت له “هيبة”، ابتسمت وصمتت قليلا، لا شك أنها تشعر بالفخر.

على الرغم من انه كان لا يحكي لها ما يدور في الزنازين، إلا أن بعض القصص تتفلت من بين لسانه أثناء أحاديث متفرقة.

قال لها ذات مرة إن العسكر صمموا له زنزانة خاصة من ايران، اسمها الأمير نقد الله، “منها للقبر”! وكان رده عليهم: “إن كنتم تملكون الروح، وأنتم رجال تعالوا وخذوها”.

حكى لها أيضاً أنهم كانوا يقومون بتعليقه من يديه لأيام، حتى أنه يشعر بروحه تخرج من أصبع قدمه الكبير، إلا أن قوة تضاهي قوة الأسد تملأه كلما لمح أحد رجال الأمن.

وكأن وجهها صار مشعاً، وهي تتحدث عن الترابط الروحي القوي بينهما، حتى وهو في سجون نظام الانقاذ، وكيف كانت تدور بين معتقلات جهاز الأمن والسجون لتحصل على إذن للقاءه.

“عندما كان في سجن حلفا سمحوا لنا بربع ساعة، سافرنا 9 ساعات ذهاباً ومثلها عودة فقط لنراه مدة 15 دقيقة”.

كانت تحمل جميع ابنائه التسعة (سبعة ذكور وبنتان) لتزوره في السجون التي كانوا يضعونه فيها.

“نا نقضي أحيانا طوال فترة الإجازة المدرسية معه في استراحة السجن، كان الوقت الأطول الذي يبقى فيه مع أبنائه، وهم مسجونون معه”.

على الرغم من الحياة التي تبدو غير مستقرة لمن يستمع لتفاصيلها؛ إلا أن وجهها كان يعبر عن سعادة بالغة، وهي تتحدث عن نضالات زوجها، لكن قلبها لم يغفر لرجال الأمن الذين كانوا يعذبونه “هؤلاء ليسوا بشر، لا يمكن أن يكونوا سودانيين مثلنا”.

حكم إعدام

حكم النظام البائد على الأمير نقد الله وآخرين بالإعدام، بتهمة مشاركتهم في محاولة انقلابية في العام 1992.

وقع الخبر على الأهل والأصدقاء جاء عنيفاً (أحدى عماته جاءت بدون “ثوب” من مدينة النيل حتى ود نوباوي)، لكن الغريب أن وقع ذات الخبر على زوجته لم يكن كبيراً، السبب وفق ما حكت أنه كان يدعو الله ألا تسمع إعلان الحكم الذي تم قطع المسلسل اليومي لبثه، نسبة لأنه يعتبر وقت ذروة في المشاهدة في تلك الحقبة التي لم تنتشر فيها القنوات الفضائية.

لم تستطع أن تخفي سعادتها بأنه كان يفكر فيها في أحلك المواقف؛ كانت متاكدة من أن دعاءه مستجاب، وكانت تكرر باستمرار “كان  راجل ما ساهل”.

استدعت ذاكرتها ذلك الحدث الكبير في حياتها مع الأمير نقد الله، خرج ابناؤها مع عمتهم سارة، وكانت هي في شهور حملها المتأخرة بالتوأم (وداعة ووديعة).

تقول: “فكرت في مشاهدة التلفاز على الرغم من أنها ليست عادتي، إلا أنني كنت أشعر بالزهج والقلق وعبد الرحمن في السجن، وبمجرد جلوسي في مواجهته انقطعت الكهرباء”.

هي متأكدة من أن كل ما حدث كان استجابة لدعوته بعدم مشاهدتهم لإعلان الحكم، الذي خفف لاحقا بالمؤبد، قبل أن يتم الافراج عنهم بعد مصالحة وطنية شهيرة في العام 1995.

عاد وجهها يشع وهي تذكر ما قاله يومها للعسكر: “قولوا لعمر البشير ستندم طوال حياتك على هذا القرار”.

شعر العسكر بالاندهاش، كيف يقول هذا الحديث من نجا من الموت الآن.

طالب معتقليه بتوصيل رسالة للمخلوع البشير عقب إطلاق سراحه في 1995

زارته بعد وصوله لسجن كوبر، وصفته بأنه تهيأ تماما للموت، حلق ذقنه وقصف أظافره، قال لها إنهم عندما هددوه بالإعدام رد عليهم بأنهم سيجعلونه يذهب للقاء الرحمن ولا يوجد من هو أحن عليه منه.

مات بعد قرابة الثلاثة عقود من حكم الإعدام ذاك.

الدقات الأخيرة

توقف قلب الأمير نقد الله لمدة ثلث ساعة، كانت السبب في أن يحدث ضمور في المخ، عطل جميع حواسه ليبقى طريح الفراش لا يعلم ما يدور حوله طوال 18 عاماً.

لم يكن التشخيص الطبي واضحاً، لكنهم مقتنعون بأن التعذيب الممنهج من جهاز أمن البشير كان هو السبب الرئيس خلف ما حدث له.

قالت: جلبوا له كرسي كهربائي لتعذيبه من الخارج”.

طوال هذه الأعوام كانت تقوم على خدمته هي وأبنائه وأخته سارة (خدمته أسهل من شرب كوب ماء بالنسبة لي).

انقطعت علاقتها بالعالم الخارجي، وقامت بمقاطعة جميع المناسبات الاجتماعية لتتفرغ لخدمته والالتزام بجدول الوجبات الذي يتم كل ساعتين.

تضيف: “خلال فترة مرضه شاركت في مناسبتيّ فرح فقط، زواج ابنينا إبراهيم ومحمد”.

ولفتت إلى أنها كانت تجلس بجواره وتتحدث إليه، دون أن تفقد الأمل أبداً في عودته لسابق عهده.

“كنت أتخيل أنني في أي لحظة افتح فيها باب الغرفة سأجده جالسا على فراشه”.

عندما حدثت له تلك الحادثة الطبية، كان أصغر أبنائه عمره سبع سنوات فقط، كبر الأبناء وتزوج اثنان منهما ورزقا بذرية، ومع ذلك “لم نشعر للحظة بأنه غير موجود، ولا أبنائه شعروا بذلك”.

رجال أمن البشير جلبوا لتعذيبه كرسياً كهربائياً من خارج البلاد

تربى الأبناء في منزل الأسرة الكبير، ووجدت زوجة الأمير نقد الله كل العون من أخواته في تربية ابنائها، “كانوا أولاد الكل”.

توقف قلبه للمرة الثانية، ولم تفلح محاولات الانعاش الكثيرة، قالت إنها لم تفقد الأمل في أن يعود قلبه للحياة، وأخبرت أحد ابنائها: “عندما توقف المرة السابقة لثلث ساعة بقي بيننا 18 عاماً، الآن سيعود قلبه للعمل، وسيبقى بيننا سنوات أخرى، بل ربما يخرج ماشيا معنا للمنزل”.

لكن قلبه توقف هذه المرة عن بشكل نهائي، وانتقل الأمير عبد الرحمن عبد الله نقد الله إلى جوار ربه.

من بين دموعها قالت: “ربنا قال الـ18 سنة دي ما حقتكم! راضين بحكم الله، ونسأله الا يفتنّا بعده”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى