أعمدة ومقالات

وفرة في الآليات وشح في المحاصيل

خالد فضل

وفرة في الآليات وشح في المحاصيل

خالد فضل

في أحيان كثيرة ينتاب المرء شعور كأن لا أحد يعمل شيئا , عندما تتراكم مياه الأمطار الشحيحة في كل أرجاء العاصمة والمدن الأخرى , يشعر المرء بالغثيان لكون تصريف موية ( رشيشة) يصبح حلما تقلق مضاجعه أسراب الذباب والبعوض !! كأن لا أحد يريد أو عاجز أو مهمل , لست أدري أي صفة يمكن أن تطابق الحال ؟ وعندما ترتاد أي مرفق خدمي , مياه , كهرباء , كروت صحية لزوم السفر , عيادة في مشفى … إلخ في أي واحد منها عينك ما تشفش إلا النور !! كأن لا أحد يريد أو مهمل أو عاجز عن فعل أي شئ ! ما هذه الحالة الشاملة من السيولة ؟

ومع ذلك , لا يمكن إحصاء عدد الآليات التي تُذاع وتنشر يوميا لعمل كل شئ , لم يبق جزء من جسد الوطن لم تطاله آلية , سمها لجنة مرّة أومجلس أو  شيئا من هذا الجنس , ولا أعلم حتى الآن ما الفرق بين هذه المسميات  ما أعلمه  هو أنّ هناك ثلاث أو أربع لجان ورد ذكرها في الوثيقة الدستورية ؛ تلك الوثيقة التي تشبه حال مرافق البلد ؛ كأن لا أحد يريد أن يفعل شيئا , وكتّر الله خير لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد , هي الأنشط , والأظهر عملا , لهذا هي التي تجد الحظ الأوفر من النقد والهجوم والتآمر والتخريب من جانب الفلول والمنتفعين من عهد الفلول , صحيح عمل اللجنة عليه بعض الملاحظات هنا وهناك , لكن مجمل عملها هو الأفضل في تقديري , ثمّ هناك لجنة إعادة وتوفيق أوضاع المفصولين تعسفيا , هي الأخرى أحسن حالا من  غيرها , أمّا أمّ اللجان ؛ لجنة التحقيق في مجزرة فض الإعتصام أمام بوابات القيادة العامة في يوم 29رمضان للعام 2019م , فهي الأبطأ بمقارنة الأخريات , يمضي العام تلو العام ولا تقرير يقدم , بل يكتفي مولانا نبيل أديب بتنوير مقتضب بين الفينة والأخرى , غير ذلك لا يشعر المرء بأثر للجان تم تكوينها بالكووووم , ما أن تمر نشرة أخبار إلا وفي تفاصيلها تكوين لجنة للتحقيق في كذا , ولجنة لعمل كذا , وآلية لتحقيق هذا وذاك , وأنا أكتب في هذه الكلمة ورد في عرض أخبار التاسعة نبأ مقترح الترويكا بتكوين آلية لتقييم اتفاق سلام جوبا ,  واتحدى من يستطيع عمل احصائية للجان والآليات خلال العامين المنصرمين , ثم ليقدم لنا محصول تلك اللجان !! وهناك قول موروث مفاده ( إذا أردت طمر شئ ونسيانه فكوّن له لجنة ) , أو آلية !!

لقد نصّت الوثيقة الدستورية على قيام المجلس التشريعي الإنتقالي , فلم يقم حتى الآن , وعوضا عن ذلك وبسرعة فائقة نشأ جسم ( بروس) بمسمى مجلس الشركاء !! كما نصّت الوثيقة على تأسيس مفوضيات لشؤون مختلفة ومهمة , لم تنشأ هذه المفوضيات بعد , ومن أهمها في تقديري مفوضية السلام , والخدمة المدنية , والعدالة , ومحاربة الفساد , لم تؤسس أيّا من تلك المفوضيات , ويستمر الحديث عن آليات آليات , ومجلس  ومجلس , فلماذا يا ترى هذه الوفرة في اللافتات والشح البائن في الحصاد , إذ لم تنجز أي لجنة أو آلية أو مجلس شيئا يعتد به في مجاله , وتبدو حهود بعض الوزارات أفضل من كل تلك الآليات المزعومة , فهل تؤسس اللجان والمسميات المختلفة لمجرد إخلاء الطرف من المسؤولية المباشرة , أم تقام مجاملة أم ماذا , نحن الآن نتحدث في عهد الثورة , الزمن الذي انتهى فيه اسلوب الدسدسة والغتغيت , ما حصاد عشرات الآليات واللجان والمجالس ؟ ما حجم الموارد الذي استهلكته هذه المسميات ؟  ولا يوجد مجلس تشريعي يسأل كما هو معلوم !!

آخر تلك المسميات لجنة أو آلية تنفيذ مبادرة رئيس الوزراء , صراحة أشعر بأن تلك المبادرة في طريقها للنسيان , لأنّ تكوين آلية يعني تسويف القضية مباشرة , عوضا عن تلك الآلية كان يجب تكوين المجلس التشريعي , رئيس الوزراء عليه أن يصرح بأسماء وصفات المعرقلين لقيام المجلس , أهي قوى الحرية والتغيير أم الجبهة الثورية أم المكون العسكري أم المكون المدني في مجلس السيادة ؟ أم هي لجان المقاومة ؟ لابد من تسمية الإخفقات بأسمائها والمخفقين كذلك , أمّا مواصلة السياسات القديمة فإنّ المعلوم للكافة أنّك لا يمكن أن تتخذ نفس الأساليب في كل مرّة وتتوقع أن تحصل على نتائج مختلفة , لقد عقدت مئات ورش العمل , والآف الإجتماعات والفعاليات , ومع ذلك يبدو كأن شيئا لم يحدث , ذات المظاهر البائسة لأوجه الحياة المختلفة ما تزال حاضرة بل تزداد سوءا , المبادرات والآليات لم تنجب فعلا واحدا ناضجا يحدث الفرق , فما الجديد الذي يمكن توقعه من الآلية الجديدة سوى نفس الموال القديم ؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى