أعمدة ومقالات

في نقد النقد: عادل عبد العاطي والفكرة الجمهورية (1)

بقلم سعد عبدالله أبونورة

مقدمة :

نشط عادل عبد العاطي مؤخرا في كتابة مقالات ينقد فيها الفكرة الجمهورية، وليس هنالك أي اعتراض من الناحية المبدئية أن يقوم أي شخص بنقد الفكرة الجمهورية، بل إن الجمهوريين أنفسهم يرحبون بذلك أشد الترحيب.

كرر الجمهوريون قولهم مراراً وتكراراً بأن معظم الناقدين للفكرة الجمهورية – خصوصاً من مواقع الفكر السلفي – لا ينقدون الفكرة الجمهورية كما هي، بل ينقدون فكرة أخرى من تصوراتهم الخاطئة، فهم حين أعماهم الغرض عن توخي الموضوعية، لجأوا إلى التخريج،وبتر نصوص الفكرة،ولي عنق النصوص، وإخراجها من سياقها الموضوعي، بل وتقويل الفكرة ما لم تقله، حتى يتحقق لهم غرضهم في تشويه الفكرة الجمهورية.وقد رد الجمهوريون على ذلك رداً مفحماً في حينه ووقته.

إن الفكرة الجمهورية فكرة جدلية، وسجالية، تتوخى الموضوعية في طرحها، وكان لها فضل الريادة في ترسيخ أركان النقاش، والندوات، في الجامعات، والمنتديات العامة، والشوارع. يتجاوز أدب الفكرة المكتوب والمنشور أكثر من ثلاثمائة كتاب، وكتيب، ومنشور. وهي فكرة قد طرحت قضايا الفكر والوجود التي تهم الإنسان المعاصروقدمت أخطر الأجوبة على أخطر الأسئلة الوجودية القلقة .ولقد فتحت أركان نقاش الفكرة الجمهوريةأبواباً فكرية جديدة في الجامعات والمعاهد وجادت بمذاقات عذبة، مما جعل الطلاب يتركون محاضراتهم و يتعلمون منها علماً جديداً حاراً من منجمه لم يعهدوا مثله في العنت ألأكاديمي الذي كان يلقيه عليهم أساتذتهم .. سمع الطلاب بإفتتان ولأول مرة عن (الإنسان الكامل) و(دياليكتيك العبد والرب) و(إطلاق القيد وقيد المطلق) و(وإلغاء التعارض بين العقل الواعي والباطن) و(فض الكبت عبر منهاج العبادة). ثم أنها قامت بتنزيل هذه المعارف من الأروقة الأكاديمية العليا في الجامعات والمعاهد إلى الشارع، حيث رجل الشارع المغمور الذي هب من سبات نومه وهو يبحث عن نفسه وعن حريته. لقد أضفت الفكرة الجمهورية الكثير من الحيوية على الحياة الثقافية والسجالية والفكرية والنقدية في السودان في الفترة ما بينبداية السبعينات إلى منتصفالثمانينات، ولا زالت تقوم بهذا الدور .

لقد تنبه بعض المثقفين السودانيين، من مواقع اليسار والفكر العلماني، إلى جدة وغرابة وحيوية الفكرة الجمهورية، وأنها قد طرحت الدين في مستوى قامة العصر، متجاوزة بذلك الفكر السلفي، الذي تقاصرت قامته عن تحديات العصر، مما جعل الكثير من الناس ينفرون عن الدين . ولقد التزم بعض هؤلاء المثقفين بالفكرة الجمهورية، واحتفظ البعض الآخر بصداقته للفكرة الجمهورية مع احتفاظهم بمسافة نقدية كافية تتيح لهم نقد الفكر الجمهورية، مثل د. عبد الله بولا .  نحن لا نطلب من المثقفين العلمانيين ألا ينقدوا الفكرة الجمهورية، ولكننا نطلب منهم الالتزام بالموضوعية حين يفعلون ذلك .

لاحظ بعض أعضاء منبر سودانييز أونلاين، ومن ضمنهم بعض العلمانيين مثل كمال عباس، أنه قد سبق لعادل عبد العاطي محاولة نقد الفكرة الجمهورية سابقاً في بداية هذه الألفية .  وكان ينهج في نقده ذلك بروح موضوعية، احتفظ فيها بروح الاحترام للفكرة الجمهورية مع المحافظة على مساحة نقدية تتيح له نقد الفكرة الجمهورية دون التورط في العداء المشحون بالغبينة . وقد قام د. عمر القراي بالرد عليه بشكل هادئ وموضوعي في حينه .

مما قاله عادل عبد العاطي في مفالاته عن الفكرة الجهورية في بداية هذه الألفية والتي نشرت في موقع سودانيز أونلاين (إن الاستاذ محمودمحمد طه ؛ وغض النظر عن الاختلاف او الاتفاق مع اجتهاداته الفكرية والدينية ؛ وغض النظر عن تقييمنا لمجموعة من مواقفه السياسية ؛ يبقى معبرا رئيسيا لكرامة الفكر والمفكرين فى السودان . ومثالا حيا ابد الدهر ؛ للشجاعة المرتبطة بالوعى ؛ ورمزا متميزا عن الانتهازيين من الساسة والمفكرين ؛ والذين يبدلوا مواقفهم كما يبدلوا ملابسهم ؛ ويذبحوا المبادى الغالية على اعتاب السلطة ؛ وينكسروا امام جهل الجمهور او تحريضات الجهلة او عنف الخصوم . ان محمود على غرابة افكاره وعلى جراة تجديده وعلى اشكالية مواقفه الاجتماعية والسياسية ؛ قد وجد الاحترام والتقدير من العديد من مفكرى السودان والعالم ؛ فلم يكن غريبا ان يكتب عنه الشاعر الفذ محمد المهدى المجذوب ؛ عند اعتقاله الاول فى كوبر ؛ ممجدا لصمود محمود ؛ ومستنكرا ان تضم جدران كوبر الضيقة تلك الهامة الفارعة ؛ ولم يكن غريبا ان يكتب الاستاذ عبدالله الطيب ؛ وهو من هو من من سلفية الافكار والمواقف ؛ قصيدة رثاء حارة ينعيه فيها بعد استشهاده ؛ ولم يكن غريبا ان يرفعه فى سلم التقدير درجات قادة اليسار الماركسى فى السودان ؛ وهو الذى نقدهم – فكريا – بصورة جذرية ؛ كما لم ينقدهم احد فى السودان ؛ حيث شبه الاستاذ محمد ابراهيم نقد استشهاده ببطولة فرسان القرون الوسطى ؛ وباستشهاد ود حبوبة وابطال النضال الوطنى . وليس غريبا ان يستلهم تراثه ومواقفه وشخصه ؛ العديد ممن لا تربطهم بالفكر الجمهورى صلة ؛ وتربطهم بالاستاذ محمود الف صلة وصلة) . ومما قاله أيضاً (إن اغتيال الاستاذ محمود ؛ الشيخ البالغ من العمر 77 عاما ؛ واحد مؤسسى وقادة الحركة الوطنية السودانية ؛ وواحدا من ابرز المفكرين السودانيين ؛ ماساة دامية على جبين عصرنا؛ وعلامة لا تقبل الجدل على الانحطاط الاخلاقى والعجز الفكرى والجبن السياسى لمناهضيه من السلفيين ونظام نميرى . فقد تميز الاستاذ محمود ؛ على عكسهم ؛ فى طول حياته ؛ بسعة الافق والتسامح الشخصى مع مناهضية ؛ والحوار الراقى والجدل الفكرى مع اطروحاتهم ؛ والنشاط السلمى والبعد عن اى مظهر للعنف ؛ فى ظل التمسك التام بافكاره ومبادئه ؛ رغما عن سؤء الفهم العام وتشويهات السلفيين لها. ومارس حياة متقشفة زاهدة ؛ ولم يستفد من دعم مناصرية وايمانهم المطلق بشخصة ورسالته ؛ فى جلب مكسب مادى لشخصه ؛ كما انه وطوال سنوات تاييده ومسايرته لمايو لم يسع الى مكسب مادى من ذلك التاييد وتلك المسايرة ؛ وحين اتت محاكم النظام الجائرة بحكم مصادرة مملتكاته ؛ لم يجد المنفذون ما يصادرون غير سرير خشبى شعبى –عنقريب- وبضع بروش ؛ ومنزل مبنى من المواد البلدية – الطين والجالوص – ؛كان فى حقيقته بيتا للجماعة اكثر منه ملكا شخصيا للاستاذ ؛ وحزمات من الكتب والمخطوطات احرقوها فى شوارع الخرطوم ؛ فى ممارسة اعادت للاذهان تجارب النازية فى حرقها للكتب ؛ كمظهر اعمى للعداء الثقافة والفكر والعجز عن الحوار) . ومما قاله عادل عبد العاطي في بوست باسم ” عدد جديد من مدارات في ذكرى استشهاد الأستاذ محمود” نشر في سودانيز أونلاين بتاريخ 19 يناير 2003م وهو يشير لخطاب الأستاذ محمود للدكتور توريز بوديت (أعتقد ان الخطاب المذكور سابق لاوانه بنصف قرن على الاقل ؛ ولا تزال بعض مفاهيمه جريئة ومتقدمة حتى بمعايير اليوم .اعتقد كذلك ان فى كتابات الاستاذ الاولى كثير من العبقرية وسبق الاحداث ؛ واتمنى ان اعود لتفصيل ذلك فى احد الايام)– الخطوط تحت الكلمات من وضعي .

لقد تغيرت نبرة (Tone) عادل عبد العاطي في مقالاته الأخيرة من موقع النقد الهادئ الموضوعي للفكرة الجمهورية المتسم بروح التسامح مع الاحتفاظ بمساحة نقدية من الفكرة الجمهورية إلى نبرة عدائية مشحونة بالغبينة الشخصية . ماهو الدافع، وما هي الغبينة للأستاذ محمود والفكرة الجمهورية، التي دفعت عادل عبد العاطي للتخلي عن اللهجة الهادئة التي كان ينقد بها الفكرة الجمهورية للتمادي لعنف العبارة وعدم الاحترام في الحديث عن الأستاذ محمود والفكرة الجمهورية، وهو الذي كان يقول بأن كتابات الأستاذ بها الكثير من العبقرية وسبق الأحداث وأنه أحد أبرز المفكرين السودايين وقد وجد الاحترام والتقدير من العديد من مفكرى السودان والعالم!!!!!!!!

لقد وجد عادل عبد العاطي نفسه في ورطة كبيرة أمام مجموعة من مستنيري منبر سودانيز أونلاين الذين لاحظوا أن عادل الذي كان يطرح نفسه كليبرالي ومفكر علمانيقد ارتد في نقده للفكرة الجمهورية الحاليمن الطابع الموضوعي الذي اتسمت به كتاباته الأولى، إلى منهج نقدي يتوسل بنفس وسائل السلفية الدينية في مسرح لا يحظى فيه إلا بإعجاب وتصفيق السلفيين في المنبر . وعندما شعر بالحرج من موقفه الجديد لجأ إلى التبريرات الفطيرة الساذجة التي ساقهالتبرير هذا التحول فيالموقف . فأفرد بوست جديد يرد به على كمال عباس،قال فيه ((لانهاء هذا النقاش الخص موقفي في التالي:

١/ موقفي من افكار محمود ومن الجمهوريين كان دائما نقديا، وأن كان النقد وقتها حادبا الا انه اليوم غير حادب.  .
٢/ حدبي على الجمهوريين وقتها والدفاع عن محمود كان نتيجة لأن النظام ظلامي، ورغم أنه لم يكن يضطهدهم بشكل مباشر إلا أنهم كانوا بشكل غير مباشر مضطهدين وتم رفض تسجيل حزبهم ولم تكن لهم الحرية الكاملة في التبشير وممارسة دينهم، ومن منطلق دعمي لحرية الدين والفكر كان موقفي حادبا.
٣/ كان هناك أمل عندي – ولو صغير – أن يتطور الجمهوريين والشيوعيين الخ في اتجاه إيجابي ويتركوا العقائدية والطائفية السياسية، ومن هنا كانت مناشداتي لهم بالتطوير والتغيير، مع تحديد ما رأيته خاطئا في مناهجهم وممارساتهم، ولكن الايام إثبتت أنهم لم يتطوروا وغالبا لن يتطوروا، كما أن الطابع الطائفي والسلفي لهم قد تأكد أكثر .

٤/ انضم الجمهوريون ( أو قل بعضهم ) لحكومة البرهان – حميدتي – حمودك الإجرامية التسلطية، ويشاركون بشكل واسع فيها، ومن هم خارج السلطة لا يقفون ضدها بشكل قوي، وبذلك يعيدون أسوأ التجارب في تاريخهم بدعم الديكتاتوريات .

من كل هذا يتضح أنه ليس هناك انقلاب جذري في مواقفي النقدية عن الجمهوريين، كما زعمت انت في عدة بوستات، وانما استمرار فيها وأن كان بشكل أكثر راديكالية ووضوحا ودون مجاملة)) .

النقطتان التبريريتان الأوليتان،لننقف عندهما كثيراً، ولقد اثبتنا لعادل أنه كان يقف موقفاً نقدياً موضوعياً من الفكرة الجمهورية في الماضي، ولكننا نعينا عليه التحول الإنقلابي في منهج نقده وإنزلاقه لدائرة الغبينة والعداءوالتحامل غير الموضوعي، كما أوضحنا أعلاه .

في النقطة التبريرية الثالثة يريد عادل عبد العاطي للجمهوريين أن يطووروا أفكارهم وفقاً لما يرى هو، وليس وفقاً لمقتضيات فكرتهم . وإذا كان عادل عبد العاطي نفسه يرى أن بعض كتابات الأستاذ محمود فيها ( كثير من العبقرية وسبق الاحداث)، فلماذا ينكر على الجمهوريين قناعتهم بأن الفكرة الجمهورية لا تزال تستجيب لمقتضيات وقتنا الحالي، من حيث حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة المجتمع للعدالة الاجتماعية الشاملة. وأن التطوير في الفكرة الجمهورية يكون عبر منهجها ومنطقها الداخلي، وليس عبر إقحام مناهج من خارجها .

في النقطة التبريرية الرابعة والتي ينعى فيها عادل عبد العاطي على مجموعة صغيرة من الجمهوريين إنضمامهم لحكومة (البرهان – حميدتي – حمودك الإجرامية التسلطية)، هو يعلم أن هذه المجموعة أصغر من أن تعتبر أنها تمثل التيار الرئيسي للجمهوريين الذي يضم الأغلبية . ثم هو يعلم أن هذه المجموعة الصغيرة لها فقط تمثيل في تحالف قوى الحرية والتغيير وليس لها وزير واحد يمثلها في الحكومة التنفيذية .والأعجب من ذلك كله، أن جناحاً كاملاً من حزب عادل الليبرالي بقيادة رئيسة الحزب ميادة سوار الذهب، وفي خيانة سافرة حتى للقيم الليبرالية الي يدعو لها الحزب، كانقد سقط في جب الغول والتحق بنظام الإنقاذ، بكل ديكتاتوريته وقمعه للحرياتوفساده وسلوكه الإجرامي وطاحونة الدم والموت والأحزان الذي ظل يدير بها السودان طيلة ثلاثة عقود. وقد سبق ذلك أن عادل عبد العاطيكان قد أعلن عزمه الترشح لرئاسة الجمهورية منافساً لعمر البشير ضمن إطار نظام الإنقاذ نفسه ووفقاً لشروطه . هذه ورطة نقدية لا يصح فيها إلا أن نهدي لعادل عبد العاطي قول السيد المسيح، عليه السلام (أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ)– إنجيل متى 5:7.

 

يتواصل نقد النقد في الحلقات القادمة

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى