أعمدة ومقالات

العبيدية: عندما يصير الذهب صفراً

خالد فضل

  هنا العبيدية، التي ذاع صيتها منذ نهاية العشرية الأولى لهذا القرن، الدهب.. الدهب، نغمة يتردد صداها في محطات الحافلات في سوق 6الحاج يوسف، والسلمة البقالة في جنوب الخرطوم، والسوق الشعبي أم درمان، والركاب من الشباب وبعض الشيب يتدافعون، وحكاوي تقترب من الأساطير ولا تبعد عن الخيال يرددها جارك على مقعد الحافلة، وفي أرجاء السودان المختلفة راجت حرفة التعدين والتنقيب عن الذهب، ذاك الأصفر البرّاق، هناك من يحيط الأجواء بالخرافات عن الجن والشياطين، ولا شيطان أو جان بأشدّ فتكاً مما عرضته الزميلة مديحة عبد الله نيابة عن زملائها وزميلاتها في رحلة البحث والتقصي وراء ذاك الرنّان النفيس، في مشروع دراسة قصير نظمه مركز الألق للخدمات الإعلامية بالتعاون مع فريدوم هاوس، لمعرفة الأثر البيئي للتعدين الأهلي في ولاية نهر النيل. كان ذلك في نهارية ساخنة من نهارات أوائل سبتمبر الجاري، في بيت التراث وسط الخرطوم، وضمّ الحضور صحفيين وناشطين بيئيين وأساتذة جامعات متخصصين من الرجال والنساء.

تضم المنطقة حوالي 600 ألف معدّن، وفي سوق العبيدية الذي تبلغ مساحته حوالي 25 كلم مربع هناك نحو 24 ألف شخص، كلّهم من الذكور، قال الناس هناك عندما زارتهم الأستاذة مديحة: إنّ سيدتين فقط قد دخلتا هذا السوق، هما والية ولاية نهر النيل د. آمنة المكي والصحفية مديحة، سمعنا من قبل بمدينة اسمها مدينة الرجال، يقال أنّه لا يوجد بها رجل واحد، الآن يمكن عكس الوضع في سوق العبيدية بتسميته (سوق النساء) حيث لا توجد امرأة !! وارجو ألا يغضب مني السادة في مجلس شورى قبيلة… الذين زأر زعيمهم ذات مرّة وفي محفل قبلي، (يا جماعة نحنا قضيتنا واضحة، الولية دي) والإشارة كانت لوالية الولاية الكنداكة بت المكي. ما علينا نعود لما توصلت إليه تلك الدراسة الميدانية المهمة لتلك المنطقة، فقد هجر 80% من المزارعين مهنة الزراعة وتحولوا للتعدين، والسبب واضح، ضعف عائد الزراعة مقابل ارتفاع الدخل من التعدين، بل حتى أصحاب الجنائن باتوا يؤجرونها أو يبيعونها من أجل استخدام مساحاتها في استخلاص الذهب من الكرتة !! وما أدراك ما هي فقد وصفها د. عبدالقادر من جامعة النيلين بأنّها أس البلاء وسبب الشقاء، واصفا المنطقة من عطبرة إلى بربر بقوله (انتهت) والسبب في رأيه سياسات الدولة وجهل الأهالي بمضار وخطورة ما يتعاملون به من سميات قاتلة على رأسها الزئبق.

تمضي الدراسة لعرض المشاكل التي تحيط بالمنطقة منا : أكوام النفايات، عدم كفاية الحمامات وسوء استخدامها مع شحّ المياه، استخدام الزئبق دون تحوطات وقائية مثل ارتداء الكمامات والقفازات.. إلخ، الأبخرة المتصاعدة من الحرق، محلات الطعام والشراب التي تجاور النفايات، غياب الرقابة الصحية في السوق وضعفها،وضعف الخدمات الصحية إذ يوجد مركز صحي واحد، وهناك صيدليات عشوائية، أمّا جائحة كورونا فيتم انكار وجودها أساسا ناهيك عن التحوط لها، وهناك مشاكل اجتماعية أفرزها هذا الواقع البائس ( رغم ثراء الذهب الفاحش)، منها، اتساع الهوة بين المعدنيين وغيرهم من أصحاب الدخل المحدود في المهن الأخرى، الجرائم المتعددة مثل القتل والسلب والنهب والخمور والمخدرات، وقد ساعد عدم وجود الكهرباء على ارتكاب تلك الموبقات، وهناك جانب في غاية الخطورة ؛ هو ظاهرة عمالة الأطفال، إمّا بصورة مؤقتة في فترات الإجازات أو بصورة دائمة، ومن المؤسف أنّ تلك الظاهرة تتم بتشجيع ودفع من جانب الأسر نفسها !! وقد نجم عن ذلك التسرب المدرسي بصورة غير مسبوقة في المنطقة.

أمّا ثالثة الأثافي كما يقال، فهو عمليات استخلاص الذهب التي تتم داخل الأحياء السكنية ؛ الأهالي ينكرون وجود أثر للتلوث البيئي من مخلفات الطواحين والخلاطات رغم انتشار أمراض الحساسية والرمد، وعندما حاولت الحكومة تنظيم العمل ومنعه داخل الأحياء السكنية قوبلت محاولتها بالمقاومة الشديدة والرفض من جانب المواطنين، وقد تمّ اجتراح حلول لتفادي الأثر البيئي السالب في منطقة العبيدية منها : اخراج كل الكرتة من البيوت والمدارس ورياض الأطفال والجوامع لتكون على مسافة بعيدة عن مناطق السكن، توعية المجتمع بخطورة تلك الممارسات، الرقابة على واردات الزئبق، تفعيل وتطبيق القوانين التي تحمي البيئة، وغيرها من مقترحات.

وبعد فقد كانت الرحلة مضنية، ففي أجواء خانقة كهذه، وثروات طائلة كالذهب، تمضي العبيدية، أشهر المناطق بالذهب إلى حتفها المحتوم، عائدات الذهب لا تساوي ثمن العافية، جهود كبيرة تنتظر الدولة والمجتمع ومنظمات المجتمع المدني على وجه الخصوص لرفع الوعي وسط المواطنين، وحتى لا يتحول الذهب إلى صفر،صفر كبير على شمال صحة الإنسان، دعونا نحيي الذين أنجزوا الدراسة ودقوا نواقيس الخطر عسى ولعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى