أعمدة ومقالات

نحن الفلول

أمل محمد الحسن

المحاولة الانقلابية الفاشلة تم نسبها للفلول؛ وسواء كان ذلك يعني أن ورائها عناصر من حزب المؤتمر الوطني المحلول أم مدنيين يتبعون لإحدى الأحزاب التي تنتمي للحاضنة السياسية الحالية؛ يبقى وصف الفلول هو الأنسب للجانبين العسكري والمدني.

مفهوم (الفلول) من وجهة نظري هو مصطلح يمثل الجانب الشرير داخل أرواحنا، فكما الهم الله النفس فجورها وتقواها؛ زاوجت أرواحنا جميعا ما بين الثورة بكامل قدسيتها، وبين خصائص الفلول، فأصبحنا جميعنا، عسكريون ومدنيون ثوار وفلول في ذات الوقت.

ذات العساكر الذين قاموا بإغلاق أبواب قيادتهم العامة وفتحوا النيران في وجه المعصمين العزل فجر العيد، هم نفسهم حامد وصحبه الذين منحوا الثوار ساترا، وحموهم، وعصوا الأوامر.

ذات الجيش الذي قتل المدنيين العزل في دارفور وجبال النوبة هو الجيش الذي طارد عصابات الشفتة الإثيوبية ليعيد الأطفال الذين اختطفتهم لأحضان أمهاتهم، (وقف قائد الحامية العسكرية للقلابات بعد نفاذ ذخيرته، لم يرض لنفسه الهروب ومازال غائباً لا تعلم أسرته ما هو مصيره).

هو ذات الجيش الذي عندما بدأ انفتاحه لاستعادة أراضي الفشقة الحدودية مع إثيوبيا، مشى أفراده في طرقات وعرة، حتى ادميت أقدامهم وتقيحت واستعصت على الشفاء شهور، (رأيت صورا لهم ولجروحهم ابان زيارتي للقضارف بعد استيلاء الجيش على مساحات واسعة من الأراضي السودانية) لم يملكوا ما يأكلوه سوى البصل!

الجيش الذي بكى أفراده وهو يرى فرحة المواطنين السودانيين الذين تعرضوا لتنكيل القوات الاثيوبية سابقا؛ وهم يعودوا لأراضي اجدادهم، هو ذات الجيش الذي حاول الانقلاب على الثورة!

(الجيش فلول)

الثوار الذين كانت هتافاتهم في القيادة العامة تهز الأرض، الشباب الذي حمى التروس عاري الصدور، وقدم الشهيد تلو الشهيد وجابه الرصاص الحي بصدور عارية، ووقف أمام ترسانة الجنود لا يحمل سوى الهتاف ملء حنجرته، وزغاريد تشق الصمت المربك قبل كل هبة مجيدة كانت كافية لتزلزل عرش الطاغية، كل هتاف كان يحدث شرخا في جبروت “البشير” وصحبه استعصى على الرتق حتى سقط كجزع نخل هاو!

ذات الثوار الأحرار الذين صرخوا في ميدان الاعتصام “يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور”، هو نفس الشباب الثائر الذي عندما أراد أن يهتف ضد عضو السيادي شمس الدين الكباشي اختار عبارات عنصرية!

ذات الثوار الذين حملوا شرارة الثورة الخافتة وحموها بقلوبهم حتى اشتعلت، هم الذين قدموا أرقاما وطنية لبرنامج ثمرات تخص متوفين!

(لجان المقامة فلول)

الأحزاب السياسية التي كان معظم قياداتها في السجن، أخرجهم سقوط البشير، مشوا خطوا بخطو رفقة الثوار الشباب، ناضلوا أيام النظام البائد، تعرضوا للتشريد والقمع واخترق أمن البشير أحزابهم ومنعوهم من العمل السياسي ولم يوقفهم هذا الأمر عن النضال والعمل قدموا وناضلوا وما زالوا.

ذات الأحزاب صاحبة التاريخ النضالي هي التي ترجت قائد الدعم السريع بعدم الخروج من الخرطوم (كما نقل الوسيط الإفريقي ولد لبات في كتابه) في قاعة المفاوضات، وهتفت ضده خارجها، هي ذات الأحزاب التي لم تتورع عن استبدال تمكين الكيزان بتمكين آخر وعينوا رفاقهم في كافة المناصب بوزارتين مهمتين!

هي نفس الأحزاب التي لتنال مقعد والي أدخلت فردا جديدا وفق مطلوبات الوظيفة إلى حزبها قبل أسبوع من التعيينات، حتى لا يسقط ذلك المنصب من خرم جرة نصيبها من المحاصصات! وهي ذات الأحزاب التي لم تتورع عن تعيين اقربائهم في المناصب، ولم تمنع أحد قياداتها من الحضور إلى العمل في حالة سكر تام منتصف الظهيرة معظم أيام العمل!

(الأحزاب فلول)

الشعب السوداني جميعه كان يشعر بنشوة غريبة أيام الاعتصام، بعد سقوط البشير تحديداً، لم يصدق أن ذلك الطاغية سينهار، سعدوا وانتشوا وشعروا بالوطنية والانتماء، قدموا الأكل للمشردين، علموهم، حملت الأمهات الشاي باللبن “المقنن” للميدان بنشاط كل صباح.

هو ذات الشعب الذي لا يتورع عن شتم أي شخص في السوشيال ميديا، ينتقد الحكومة في أي فعل تقوم به أو لا تقوم به، ان فعلت خيرا قالوا: (ده وقتو؟) (مش كان أولى تعملوا كده؟) هو ذات الشعب الذي يغش ويسرق الهواتف، هو ذات الشعب المتنمر، الذي جعل “روني” تبكي، ذات الشعب الذي سخر من الجبلية، وحطم سيارة زنقولا، وهو نفسه الذي يردد بسخرية “دي المدنية الدايرنها”؟ وهو ذات الشعب الذي لا يبذل جهدا في زرع شجرة، أو نظافة طريق، يضعون قدما على قدم ويتحولون لخبراء في السياسية والاقتصاد والأمن.

(الشعب فلول)

جميعنا نحمل داخلنا بذرة الثورة، وبعض صفات الفلول، والآن تحولنا جميعا لفلول ونحن نصفق لمن نميل إليه في لعبة تصريحات العساكر والمدنيين، نتمنى أن ينتصر هذا أو ذاك، مشهد يشبه شيخ كبير أنجب الكثير من الأبناء ومنحهم الكثير من الأراضي، وبدلاً من أن يزرعوا وينتجوا وقفوا ليثبت كل فرد فيهم أنه الأقوى، ويريد أن يأخذ الجزء الأكبر، ووالدهم من بعيد يناديهم، ويضيع صوته الواهن وسط صراخهم الذي لا يتوقف!

نحن الفلول، لأننا نريد أن ننتصر لذواتنا أكثر من رغبتنا في بناء بلدنا، نريد أن نثبت أننا على حق، ورأينا الصحيح ولا نتحمل أن ننصت للآخر بدون تصنيفه، نحمل حقيبة اتهامات جاهزة، نخرج لكل من يتقاطع معنا في رأي مقاسه المناسب من الشتم والتصنيف!

قال فولتير: “نحن جميعا غارقون في الضعف، دعونا نغفر لبعضنا البعض تصرفاتنا السيئة، هذا هو أول قانون للطبيعة، وكل شخص يضطهد شخصا آخر لأنه لا يملك نفس الرأي هو وحش”

قال صديق عزيز إننا كسودانيين ننجح في عمل النفير أكثر من نجاحنا في أي عمل منظم، هذا أمر اتفق معه تماما، روح النفير تخرج أفضل ما فينا، نعمل بصدق وهمة عالية كأننا روح واحدة، كأننا ذات الشخص! فلنعمل في نفير موحد لمحاربة العدو الأول لنا جميعا (الفلول)، المدنيون والعسكريون، لجان المقاومة، وكل الشعب، كل يضع فلوله الخاصة أمامه ويتغلب عليها، وتلك ستكون الطوبة الأولى في بناء الوطن الذي نستحقه.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى