أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

المؤسسة العسكرية في الدولة المدنية

معاذ زكريا المحامي

حالة من الشد والجذب أعقبت المحاولة الإنقلابية الأخيرة ، لاسيما عندما دعا عضو مجلس السيادة الأستاذ/ محمد الفكي سليمان جماهير الشعب السوداني أن ” هبوا لحماية ثورتكم ” ، الأمر الذي أثار على ما يبدو إمتعاض رئيس مجلس السيادة الفريق أول/ عبدالفتاح البرهان الذي تسأل: ( كيف تهب الجماهير لحماية ثورتها؟!
وممن تُحمي الثورة؟ هل من القوات النظامية ؟!، التي – بحسب البرهان – هي الحارس والحامي للثورة.
المحاولة أثارت حالة من السخط الشعبي والتأكيد على صون مكتسبات الثورة وحماية الإنتقال الديمقراطي وصولاً لمرحلة إجراء الإنتخابات ، كما تبعها حالة من التعاطف الإقليمي والدولي ، حيث عبرت عدد من الدول والهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والإتحاد الأوربي ، والإتحاد الأفريقي ، وجامعة الدول العربية وغيرها ) عن رفضها القاطع لأي محاولات من شأنها عرقلة التحول الديمقراطي في السودان.
لأجل ذلك سنحاول في هذه المساحة الحديث عن دور المؤسسة العسكرية والقوات النظامية الأخرى في الدولة المدنية.
نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019م على إعتبار القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسسة عسكرية وطنية حامية لوحدة الوطن وسيادته تتبع للقائد العام للقوات المسلحة كما تخضع للسلطة السيادية في الدولة.
وهذا التوصيف بهذا الشكل ينسجم تماماً مع وضعية المؤسسات العسكرية في الدول المدنية.
فالجيش في الدولة المدنية “يحمي” ولا “يحكم” ، يحمي البلاد وحدودها ، ويحافظ على أمنها وإستقرارها ، ولكن لا يحكم ولا يمارس العمل السياسي ، بل يخضع بشكل كامل للجهاز التنفيذي في الدولة الذي يترأسه رئيس منتخب.
يقول الأستاذ عبده سالم في مقال له في موقع (المصدر أونلاين): ( الجيش عنصر من عناصر القوة السيادية التي يتكون منها ركن (السيادة) أحد أركان الدولة السيادية الثلاثة، وهو ما يعني أن الجيش ليس أداة بيد السلطة الحاكمة بل هو من أدوات الدولة السيادية، ولا يمارس إلا المهام المقررة له دستورياً والمحددة بحفظ كيان الوطن وسيادة الدولة من الأخطار ).
يعتبر الجيش الهندي واحداً من أقوى الجيوش في العالم ، كما يحتل المرتبة “الثالثة” عالمياً من حيث عدد الأفراد المنتسبين إليه.
رغم هذه القوة والمكانة التي يتمتع بها ، إلا أنه ظل بعيداً عن المشهد السياسي في الهند – منذ الإستقلال وحتى الآن – رغماً عما إعترى هذا المشهد من تقلبات وإضطرابات.
ولنضرب مثلاً لذلك ، في العام 1975م أعلنت السيدة/ أنديرا غاندي – رئيس وزراء الهند “في ذلك الوقت” حالة الطوارىء في البلاد إثر خلافات بينها وبين أحزاب المعارضة ، التي دعت بدورها المواطنيين للنزول للشارع ، إزاء هذا التصعيد طلبت غاندي من قائد الجيش الهندي التدخل ووضع حد للإحتجاجات الشعبية ، فرد عليها قائد الجيش بأن ما يحدث بينها والمعارضة عبارة عن صراع سياسي ليس من مهام الجيش التدخل فيه ، وأن على السياسيين حل خلافاتهم بعيداً عن المؤسسة العسكرية.
فما كان من السيدة غاندي إلا الإستعانة بقوات الشرطة ، التي تدخلت وقمعت الإحتجاجات بالقوة ، الأمر الذي أثر على شعبيتها وأدى لخسارتها في الإنتخابات التي أعقبت ذلك.
في مقال للكاتب محمد المنشاوي بعنوان ” هل يتدخل الجيش الأمريكي في أزمة الإنتخابات ” نشر العام الماضي في صحيفة الشروق ، تطرق الكاتب لسؤال كان قد وُجه لقائد هيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي حول القلق من محاولة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إستخدام الجيش من أجل التشبث بالسلطة في حال فوز خصمه بالرئاسة ، فكان رد رئيس هيئة الأركان أن الجيش ينأى بنفسه عن السجالات السياسية ، وفي حال وقوع خلاف حول نتيجة الإنتخابات فإن المحاكم الأمريكية والكونغرس هما المطالبان بحل هذا الخلاف ، وليس المؤسسة العسكرية الأمريكية.
أيضا من النماذج “المشرقة” في محيطنا العربي والإفريقي حالة الجيش التونسي ، فلقد حافظ على وحدة البلاد وتماسكها عقب ثورة الياسمين في تونس 2011م ، فلم ينحاز للرئيس على حساب الشعب ، كما فعلت البعض ، أيضا لم يتدخل الجيش لمصلحة حزب على حساب الآخر في النزاع الأخير الذي شهدته تونس عقب القرارات الأخيرة للرئيس قيس سعيّد بتعطيل عمل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء.
لا أحد يستطيع أن ينكر وجود خلافات بين مكونات تحالف الحرية والتغيير ، ولكن مثل هذه الخلافات أمر مقبول ومحتمل خصوصاً وأن البلاد تمر بحالة تحول ديمقراطي بعد سنين عجاف من الحكم الشمولي القابض ، وهنا تحضرني مقولة السياسي السوداني الكبير محمد أحمد المحجوب أن مشاكل الديمقراطية تُحل بمزيد من الديمقراطية ، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا بإحكام التنسيق بين المكونيين المدني والعسكري في مجلس السيادة ، وتوسيع دائرة المشاركة في الحكم لتشمل أكبر عدد من القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير ، وإستكمال هياكل السلطة الإنتقالية مثل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية ومجلس القضاء العالي ، والمجلس الأعلى للنيابة العامة
وإعلاء قيم الشفافية والمحاسبية وإتاحة الفرصة لإشراك الشعب في عملية صنع القرار وصولاً لمرحلة الإنتخابات ليختار الشعب بكامل إرادته من يحكمه.
ولعل السيد رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك قد حدد بدقة مكمن الأزمة عندما قال في تصريحات صحفية ( إن الصراع الدائر حالياً هو ليس صراعاً بين عسكريين ومدنيين، بل هو صراع بين المؤمنين بالتحول المدني الديموقراطي من المدنيين والعسكريين، والساعين إلى قطع الطريق أمامه من الطرفين، لذا فإن وحدة قوى الثورة هي الضمان لتحصين الانتقال من كل المهددات التي تعترض طريقه).

‫2 تعليقات

  1. الجيش الهندي هو تؤام الجيش السوداني ابوهم واحد بريطاني الجنسية وكلا الجبشان pro English وقد كان اللواء احمد عبد الوهاب يمنع الضباط حتي من الاطلاع علي الصحف في المكاتب وحتي الان قوانين ولوائح الجيش السوداني تمنع الانتماء للاحزاب كل فرد في الخدمة كما تعتبر كل من يشغل منصب سياسي خارج الخدمة ولايحق له العودة للخدمة وهي من اسباب انهاء الخدمة قانونا ولكن الانقلابات هي الافة التي دمرت الجيش السوداني وأصبح زريبة هوامل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى