أخبارأعمدة ومقالات

السودان في مأزق مخيف!

الفاضل عباس محمد علي

السودان في مأزق مخيف!

الفاضل عباس محمد علي

لم يتبق شيء من ثورة ديسمبر إلا إسمها وما سطر شعراؤها، وجذوتها المتقدة في قلوب مفجريها الذين أطبقت عليهم الحيرة وألجمت ألسنتهم علامات الاستفهام المتعددة، وهم يرون ثورتهم تتحنّط وتتبخّر وتنزلق من بين أصابعهم لتصبح ملكاً عضوداً….. بفعل من تسلّل إلي قيادتها من ممثلي الأحزاب، مثل حزب الأمة وبعث  الشيخ السنهوري وغيره من (أحزاب الفكه)؛ ثم أخذ هؤلاء يضعون أيديهم في يد القوى الرجعية، إلى أن تكللت تلك الجهود بالطامّة الكبرى– اتفاق جوبا– الذي شرعن المحاصصة في كل شيء، مستخفاً بالوثيقة الدستورية التي نصت على جهاز تنفيذي من التكنوقراط المحايدين غير الملوثينً من قبل النظام المقبور، وعلى مجلس رأس دولة تشريفي مناصفة بين العسكريين والمدنيين، ورئاسته بالتداول بينهما؛ ولقد بني هذا الباطل علي باطل آخر- اتفاقية جوبا المخالفة لنص وروح الدستور الانتقالي، والتي لم تتم استشارة الشعب السوداني حولها، ولم تشمل قوى حقيقية حاملة للسلاح ومقيمة فوق أراضيها المحررة بجبال النوبة وجبل مرة، بقيادة الكماندر عبد العزيز الحلو والمناضل عبد الواحد محد نور.

وهكذا، تولت البلاد منذئذ حكومة هزيلة ناتجة عن محاصصات وترضيات وتوازنات سياسية ومناطقية وإثنية وحزبية وقبلية جاءت بعد شهور من اللت والعجن والمجابدة، (وجاءت فيما جاءت بسبعة وزراء من قبيلة واحدة– الزغاوة– غض النظر عن مؤهلاتهم وتاريخهم النضالي)، وأصبح ذلك هو الديدن لكافة أنواع القرارات البنيوية الهيكلية والمتعلقة بالسياسات والتكتيكات المرحلية والاستراتيجية، (مثل خيار الارتباط بفكر وتطبيقات الليبراليين الجدد ربائب الاستعمار الغربي، ومثل عقد الصفقات وبيع الإقطاعيات الضخمة لدول أجنبية ليست بالضرورة صديقة لشعب السودان)، مما جعل الجرجرة طقس دائم، وأربك أداء الحكومة بمجلسيها، وأصابها بالتلكؤ والتكلّس والكساح والتخبط والعجز: (حقيبة وزير التربية مثالاً التي ظلت شاغرة منذ ما يقرب العام).

وتجأر وتزمجر العديد من الحناجر مطالبة بتكوين المجلس التشريعي باعتباره المنقذ من ضلال الحكومة والمكون العسكري، والعائد بسفينة الثورة لمجراها الحقيقي. وتلك فرية كبرى وفخ نصبته قوى الثورة المضادة ودفعت نحوه القوى التي وجدت نفسها صاحبة الثقل بالهياكل القائدة للوضع الانتقالي:

  • فهذا المجلس المزعوم سيأتي مثله مثل الحكومة الراهنة ومجلس السيادة ولجنة آلية حمدوك، نتاجاً للمحاصصة البغيضة التي فعلت بنا ما فعلت حتى الأن، وعطلت سير الثورة، بل اختطفتها بالكامل.
  • أي مجلس غير منتخب بالضرورة غير ديمقراطي ولا يمثل إرادة الشعب.
  • إنه مجرد استفحال للترهل الموجود: أعداد خرافية من الدستوريين يزحمون الآفاق دون مردود محدد في شكل تحسين أحوال الناس المعيشية ورفع الضائقة وتنفيذ مطلوبات ثورة ديسمبر. (لا شغل ولا مشغلة).

وحتى لو تمت أي انتخابات في الظروف الفوضوية الهلامية الراهنة، وفي وجود الدولة الكيزانية العميقة بشحمها ولحمها، وفي غياب الأحزاب المحدّثة التي نقدت نفسها واستفادت من أخطائها، والمتكئة على المؤسسية، باستثناء المؤتمر السوداني الذي جاءت قياداته بالانتخاب الديمقراطي وفقاً للعطاء النضالي، (والذي، على كل حال، تؤخذ عليه الطبزة الكبرى، أي الاشتراك في حكومة المحاصصة الراهنة، غاضاً الطرف عن المخالفات الدستورية المذكورة)، فإن العواقب ستكون غير سليمة وليست في مصلحة الثورة بأي حال من الأحوال، بل هي قفزة في الظلام قد تأتي بمجلس تشريعي يكون أول قراراته مد الفترة الانتقالية لعشر سنوات، لاستدامة أوجاعنا، وهذا ما ظل يهمس به بعض (المكنكشين)، من النوع الذي قام من نومه ولقى كومه.

والحالة هذه، يتساءل الوطنيون الحادبون والمراقبون عن المصير الذي ينتظرنا:

  • إذ أن الانقلاب العسكري بالطريقة التونسية غير وارد، فجيشنا ليس علمانياً كالجيش التونسي، والذي قاد الانقلاب هناك رئيس جمهورية منتخب من الشعب انصاعت له وتناغمت معه القوات المسلحة؛ أما جيشنا فهو ما زال إقطاعية رأسمالية كبرى تحت سيطرة الإخوان المسلمين الذين يشكلون غالبية ضباطه العظامtop brass بل ورتبه المتوسطة والصغرى، وكذا الحال بالأجهزة المصاحبة مثل الأمن والاستخبارات.
  1. وهل يمكن أن يحدث انقلاب عسكري بالرغم مما ذكرنا أعلاه؟

فعلاً، من المحتمل أن تقوم به كتيبة واحدة تشبه المارينز الأمريكية، عالية التدريب وممتازة التسليح وقوية التوحيد حول عقيدة عسكرية محددة؛ ولا ننسى أن الإخوان المسلمين استولوا على السلطة في 30 يونيو 1989 بنيف ومائة مجند وأربع دبابات صلاح الدين وبضع حاملات للجنود. المهم في المؤامرة هو التوقيت والمباغتة والسرية الكاملة والعملية التمويهية. وعلى ذلك، قد تفكر جهة ما في (إنقاذ) السودان مرة أخرى، فتقدم على خطوة من هذا القبيل وتدّعي أنها تمثل القوات المسلحة بكل فروعها، وقد تنطلي علينا للمرة العاشرة، فنحن قوم طيبون، نقول: (المؤمن صديق “بكسر الصاد وتشديد الدال”، ونقول: المؤمن إذا خدعنا لانخدعنا له).

  1. وتزعم بعض القوى الحية، وقد كنت طرفاً في فعالية من هذا القبيل: التغيير بمعنى الاصلاح من الداخل ممكن، فقط علينا تحريك الشارع من خلال النقابات الشرعية ولجان الأحياء المضمونة؛ ولكنا إن فعلنا ذلك وجمعنا الحشود كما حدث يوم ثلاثين يونيو الماضي، فإن الشارع سوف ينقسم على الفور بين الداعين لإسقاط النظام برمته، والداعين لترميمه فقط، وبالأطراف مجموعات السابلة غير المسيّسة التي لا تعرف ماذا تريد تماماً. ومن ناحية أخرى فإن تجميع لجان الأحياء والنقابات الشرعية وفرزها وتنظيمها سوف يستغرق شهوراً عديدة، بينما تواصل أحوال الناس المعيشية في التردّي، حتى بتنا على شفا مجاعة مثل تلك التي ضربت منطقة الساحل الغرب أفريقي (خاصة دارفور) عام 83 و1984 والتي ضربت الصومال وأوقادين وإقليم التقراي حالياً.
  2. لا أري حلاً منطقياً يخرجنا من عنق الزجاجة إلا بعقد مؤتمر استنثائي فوري لقوى الحرية والتغيير مرفوداً بالشخصيات الوطنية المعروفة بمقاومتها لنظام البشير لآخر لحظة، بحضور المكون العسكري، للاتفاق على الآتي:
  • إلغاء اتفاقية جوبا ومعاملتها كأن لم تكن، والعودة لليوم السابق لتوقيعها، وبالتالي إلغاء كل التعيينات التي تمت بموجبها، والدعوة لمؤتمر سلام شامل جديد بالداخل.
  • تكوين حكومة ومجلس رأس دولة رشيقين، وتعيين كل الوكلاء والمديرين الجدد في دولاب الحكم قبل انفضاض المؤتمر.
  • القيام فوراً بإرسال المطلوبين إلى محكمة الجنايات الدولية بلاهاي، وعقد محاكم عسكرية إيجازية لمن تبقى من رموز نظام البشير، والإعلان الفوري لنتائج التحقيق في مجزرة فض الاعتصام وتقديم المسؤولين عنها للمحاكمة قبل فض المؤتمر.
  • إعلان سياسة اقتصادية إسعافية جديدة وإجراءات تقشفية خاصة بالمناصب الدستورية.

على كل حال، لن تستمر الأمور بطريقتها الراهنة لوقت طويل، ومن المؤكد أن الإنقلاب العسكري يلوح في الأفق، فهلا استبقناه بإجراءات ثورية مثلما أوردنا أعلاه. والسلام.

‫2 تعليقات

  1. قد ينعم الله بالبلوى و لو عظمت *** و يبتلى الله بعض القوم بالنعم
    نحن فى السودان نقول ” يبتلى الله أهل السودان بالجهل” يتقاتلون أمام بئر الماء حتى يموتوا عطشا و يتقاتلون حول النعمة حتى يموتوا جوعا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى