أخبارأعمدة ومقالات

شجن القضايا الكبرى: التنمية.. كتاب جديد ومقاربة جديدة

قصي همرور

شجن القضايا الكبرى: التنمية

كتاب جديد ومقاربة جديدة

قصي همرور

صدر مؤخراً كتاب جديد، بعنوان “أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية- محمود محمد طه، أماراتيا كومار سن (مقاربة” لصاحبه عبد الله الفكي البشير (سبتمبر 2021، الخرطوم: دار الأجنحة). وهذا الكتاب يعتبر ضمن سلسلة مؤلفات لصاحبها الباحث المحقق، عبد الله الفكي البشير، رفد بها المكتبة السودانية والإنسانية، وهي تدور في فلك مشروع مفتوح ومستمر، كما سمّاه صاحبه، مركزه الأستاذ محمود محمد طه (مدرسته الفكرية، مواقفه السياسية والإجتماعية، سيرة حياته وتفاعلات العالم مع أطروحاته).

بيد أن هذا الكتاب الجديد يختلف في مضماره، إذ هو يعقد مقارنة بين أطروحات طه في مضمار فلسفة التنمية وبين ذروة أطروحات أمارتيا سن في نفس المضمار، والتي قدّمها في كتابه “التنمية كحرية” أو التنمية حرية (Development as Freedom) في أواخر القرن العشرين. هذا وسن صاحب صيت عالٍ في الأوساط الأكاديمية المعنية بدراسات التنمية وفي المنظمات العالمية المعنية ببرامج التنمية.

بعد عقود من العمل المتميز في مجال التنمية، وبعد حيازته على جائزة نوبل في الاقتصاد في 1998م نظير أعماله في اقتصاد الرفاه ونظرية الاختيار الجماعي (وخاصة أعماله المتعلقة بأسباب المجاعات وربطها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تهمّش مصالح الفقراء)،[1] أصدر سن كتاب التنمية كحرية في 1999م، وهو نفسه عبارة عن تجميع وترتيب لأطروحات وخلاصات بثّها صاحبها في السنوات البضع البسيطة قبل ذلك التاريخ.

لن نتحدث كثيراً في تلخيص أطروحة سن، في الكتاب المذكور، فهي مبذولة في مصادر شتى (ومنها الخلاصة الواردة في كتاب عبد الله المذكور آنفا)، لكن عموماً يقول سِن إن تعريفنا للتنمية ينبغي أن يكون تعريفاً لما نريده منها، أي تعريف معياري وليس وصفيّاً، لأن التنمية عملية قصدية ناحية هدف (teleological).

يطرح سِن، كخلاصة من خلاصات انخراطه في قضايا التنمية لعقود، أن تعريف التنمية هو – أو ينبغي أن يكون – الزيادة في شروط ومحتوى الحرية، على المستويين الفردي والجماعي؛ ومن ذلك أن التنمية كذلك نقصان في شروط ومحتوى موانع الحرية. والحرية هنا تشير إلى الحريات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية معاً؛ كما قام سن بربط توسيع الحريات بالتركيز على مستوى القدرات ورفعها وتمليكها للأفراد والمجتمعات.

عبر متابعة ومقارنة ممتعة ومفيدة، يخلص المؤلف لخلاصة جاذبة للاهتمام، يصفها بنفسه كالتالي: “كشف هذا الكتاب عن أن ما قدمه سن يتفق كثيراً مع ما طرحه طه منذ خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي، في العديد من كتبه وأحاديثه. فالإنسان الحر، عند طه هو هدف التنمية وغايتها. والتنمية الاقتصادية، عنده، بدون اعطاء العناية بالفرد وحريته مكان الصدارة، منخذلة، ومنهزمة، وفاشلة منذ البداية، لأن الناس هم الثروة الحقيقية. وهو يقول: “لنجاح التنمية… لابد من الحرية”، وهذا ما عبَّر عنه سن، قائلاً: “الحرية مركزية لعملية التنمية”. ويكاد قول سن: “إن المسؤولية تقتضي الحرية”، يوافق قول طه: “إن الحرية مسؤولية”. كذلك يرى سن بأن: “الحرية الفردية في جوهرها منتج اجتماعي”، وهذا عين ما قاله طه: “المجتمع وسيلة موسلة لحرية الفرد”.

أيضاً ما جاء في غلاف الترجمة العربية لكتاب سن: “مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر”، وهو محور موضوع كتابه، يتشابه، لما يقرب لحد التطابق، مع قول طه: “للفرد على الحكومة حق تحريره من الخوف، ومن الفقر، ومن الجهل، ومن المرض”. ويأتي التشابه كذلك في رؤية كل منهما عن التعليم ودوره في زيادة الإنتاجية، فهو عند سن تمليك للقدرة، بينما يُعَرِّف طه التعليم، قائلاً: “بإيجاز نُعَرِّف التعليم بأنه اكتساب الحي للقدرة”. أيضاً عبَّر كل منهما عن قضية اليوم، يقول سن “الحرية مهمة بشكل حاسم الآن”، ولا يختلف هذا القول مع قول طه: “الحرية هي طِلْبَة واحتياج إنسان اليوم”. وهكذا، فالكتاب في مقاربته يقدم المزيد من نماذج التشابه والتقاطعات بينهما.”

وكإحدى الإضافات المعلوماتية المهمة للكتاب، يورد المؤلف رصداً لبعض مؤلفات طه التي إما كُتبت بالإنكليزية منذ الخمسينات والستينات ووجدت طريقها إلى الجامعات البريطانية، أو تُرجِمت إلى الإنكليزية بين السبعينات والثمانينات ووجدت طريقها أيضاً إلى الدور المعرفية الغربية إجمالاً، من جامعات ومكتبات ودور وثائق.

قيمة كتاب “التنمية كحرية”

اختار عبد الله أن يعرض المقاربة لأطروحات الأستاذ محمود محمد طه عبر مقارنتها مع كتاب حديث نسبياً في نفس الموضوع، وذلك في ظننا لسببين مهمّين: الأول صدى هذا الكتاب “التنمية حرية” في الأوساط المعنية بالتنمية، والثانية صيت المؤلف نفسه (أمارتيا سن) والذي يُعدّ اليوم لدى كثيرين أحد أساطين فلسفة التنمية في العصر الحديث. لذلك، كان اختيار عبد الله موفّقا، ففي إطار البذل في قضية كبرى كقضية التنمية (وهي قضية تصلح أن تكون مدخلاً لكل شجون القضايا الإنسانية الكبرى)، يجوز التصويب ناحية ما يعتبره كثيرون أفضل أطروحات العصر، فتلك مقارنة مشروعة ومطلوبة إذا أردنا إبانة المستويات الفكرية المتقدمة.

كتاب التنمية كحرية يعتبره الكثيرون أهم كتاب معاصر في التنمية، بل إن البعض خلع عليه صفات فائقة (وثّقها عبد الله في كتابه بحياد) ،[2] منها أن وصفه بعض الخبراء الغربيين في مجال التنمية بأنه أول كتاب يجمع بين الحرية والتنمية، ووصف آخرون سن بأنه أقوى ناقد أخلاقي للرأسمالية في العصر الحديث، ويتحدث الكثير من اقتصاديي التنمية أن سن غيّر منظورهم للتنمية بدرجة كبيرة وجديدة، كما يرد كثيراً أن هيئة الأمم المتحدة، عبر وكالاتها (وخاصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تبنّت أطروحة سن التي بذلها في كتاباته بحيث صارت هي الأطروحة الطاغية في المجتمع الدولي المعاصر. هذه على العموم بعض الأصداء التي تعكس ما أحدثه الكتاب من اهتمام إيجابي في الأوساط المؤثرة.

من ناحيتنا، ومن باب المعرفة والدربة المعقولة بمجال دراسات التنمية، يمكن أن نقول إننا غير ملزمين بتصديق خلاصات هذه الأصداء، المذكورة أعلاه، ولم نكن من متبنّيها يوماً، ونرى أن عبد الله الفكي البشير، بكتابه هذا، ساهم في تخفيف غلواء هذه الأصداء لدرجة بعيدة، وبذلك قدّم مساهمة جليلة لمضمار فلسفة التنمية ولدراسات التنمية عموماً. مثلاً، من الناحية التاريخية البحتة فأمارتيا سن ليس أول من كتب كتاباً متخصصاً جمع فيه بين التنمية والحرية، فقد سبقه إلى ذلك، كمثال، “المعلّم” جوليوس كامباراقي نيريري، إذ صدر له كتاب قديم بعنوان “الحرية والتنمية” (باللغتين السواحيلية والإنكليزية)[3] في منتصف سبعينات القرن الماضي، وهو نفسه تجميع لكتاباته ومحاضراته في الموضوع من الستينات، شمل مجمل المواضيع التي يتحدث عنها كتاب “التنمية كحرية” وغيرها، كما أن أطروحة نيريري المعروفة باسم “أوجاما” والتي بشّرت بالاقتصاد التعاوني مدخلاً للتنمية الاقتصادية العادلة في أفريقيا، وأوراقه حول التنمية الريفية وأهمية الحرية في العمل والتنظيم لفئات المجتمع الضعيفة كافة من أجل التنمية، منشورة ومعروفة منذ الستينات عند من تابعوا ودرسوا تاريخ حركات التحرر الوطني الأفريقي والحركة الأفروعمومية [4] (والمقاربة بين طه ونيريري مضمار آخر يستحق سانحة أخرى، خاصة وأنهما الاثنان، بجانب اطلاعهما الواسع على منتوج الحركة الاشتراكية العالمية، تأثرا بصورة موثقة بالمدرسة الاشتراكية الفابية ثم نزّلا ذلك الأثر على الفهوم المحلية). وكما أورد عبد الله، في كتابه، فالأستاذ محمود محمد طه تناول نفس المسائل كتابة وخطابة منذ الخمسينات. وهذا على سبيل المثال.

أما في ما يخص الزعم الوارد من بعض الذين أورد عبد الله شهاداتهم (بحياد)، بأن سن “أول ناقد كبير للرأسمالية في القرن الجديد”، وأنه “ناقد الرأسمالية الأخلاقي”، فهذا أيضاً زعمٌ يمكن تجاوزه بسهولة، فسن على العموم لم يخرج تماماً من عباءة اقتصاد السوق اللبرالي إنما في أطروحته يرى إمكانية تحسينه بتطعيمات أخلاقية كبيرة، كما لا يقدّم نقداً لعلاقات القوى المحلية والعالمية، والسياقات التاريخية (الاستعمارية وغيرها) والاقتصاد السياسي، التي لها دور مباشر في استمرار دوامة الفقر والجوع عالمياً، بينما كبار الناقدين الأخلاقيين للرأسمالية حقاً كشفوا مشاكلها الأخلاقية وتناقضاتها مع مساعي العدالة الاقتصادية بصورة أقوى من سن وأقدم منه (على سبيل المثال، مساهمات كارل بولاني منذ أربعينات القرن العشرين– في كتاب “التحوّل الكبير”، 1944م– والتي كانت محاكمة أخلاقية- سياسية- بيئية كاملة لاقتصاد السوق[5] أضافت إلى المحاكمة النقدية العامة التي قدّمتها المدارس الاشتراكية للرأسمالية مسبّقاً، ليس الماركسية فحسب وإنما الفابية كذلك في ربطها بين الديمقراطية والاشتراكية، والأناركية/ اللاسلطوية في تأكيدها لحق المجتمع في وسائل الإنتاج وليس الدولة، ولدينا اليوم محاكمات كبيرة وقوية مثل كتابات توما بيكيتي ويانِس فاروفاكِس).

أيضاً فيما يخص تبني الأمم المتحدة لأطروحة سن التنموية، فذلك وصف ينبغي ضبطه، لأن ذلك التبني على المستوى الرسمي العام لم يحصل أما على المستوى العملي فلم ينعكس على أرض الواقع (ولعل البعض يربط بين أطروحة سن وبين مؤشر التنمية البشرية، وتقرير التنمية البشرية، اللذين يصدرهما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بصورة دورية، وصحيح أن لأمارتيا سن مساهمة كبيرة في هذا الأمر بيد أن لغيره مساهمات تأسيسية أكبر، خاصة الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق والذي ابتدر فكرة المؤشر ووضع معالمه الأساسية التي ما زالت متبناة جملة حتى الآن، بيد أن سن أضاف لها بدعمه الفكري، في مسألة بناء القدرات وعبر تأثيره في مواقع القرار).[6] أما في ما يخص الزعم بأن أطروحة سن قدّمت تغييراً نوعياً في فهم الاقتصاديين للتنمية، فالواقع أن كتاب سن أحد الكتب المهمة في هذا الشأن، وفق الدوائر الأكاديمية المهيمنة، ولكنه ليس أوّلها، كما أنه في دوائر دراسات التنمية لا يُعتبر متفوّقاً بصورة نوعية على مساهمات سابقة له، شملت نفس مواضيعه وبزوايا متعددة وفيها أصالة، مثل:

  • كتاب فريتز شوماخر “الصغير جميل (Small is Beautiful): دراسة الاقتصاد كما لو كان الناس مهمون” والذي صدر في 1973م بالمملكة المتحدة، وصُنِّف كأحد أكثر الكتب تأثيراً في مجاله، وهو رائد مفهوم “التكنولوجيا الملائمة” (appropriate technology) وأحد الداعمين المبكّرين لحلول الاقتصاد التعاوني لمشاكل الفقر. منذ السبعينات والثمانينات ظهرت مشاريع تنموية قاعدية، مبنية على أطروحات شوماخر، تعتمد التكنولوجيا الملائمة وبناء القدرات (عبر التعليم والتدريب وتقوية المؤسسات المحلية) كصنو للتنمية.[7]
  • كتاب “صناعة الجوع: خرافة الندرة” (Food First: The Myth of Scarcity)، الصادر عن مجموعة من مؤسسي “معهد الغذاء أولاً (فرانسس مور لابيه وجوزيف كولينز)، في 1977م (وصدرت بعد ذلك عدة طبعات له وإضافات وكتب ملحقة)، والذي أظهر بصورة علمية موثقة أن المجاعات وحالات الندرة المؤدية للجوع متأثرة بدرجة أساسية بسياسات وخيارات في ما يخص إدارة الأرض واقتصاد الزراعة والغذاء، على المستوى المحلي والمستوى العالمي (وهو ما أيّده امارتيا سن في كتاباته لاحقاً وفي التنمية كحرية، بيد أن كتاب صناعة الجوع تعرّض لعلاقات القوى المؤثرة أكثر من سن). ومن ميزات اطروحات معهد الغذاء أولاً أنه أسّس بصورة كبيرة لأطروحة أن مشكلة الفقر عموماً هي مشكلة اجتماعية/ سياسية وليست طبيعية/ بيئية،[8] إذ عبر المتابعة لحالات كثيرة ودراسات اقتصادية مهمة، وحالات دول متعددة، وفّر المعهد ما يكفي من دلائل على أن العلاقة بين السياسات المتعلقة بالقدرة الشرائية للأفراد وبين الفقر المؤدي للجوع أقوى بكثير من العلاقة بين الجوع وبين مشاكل الندرة الطبيعية (كالجفاف ونقص الأراضي وغير ذلك)، وأن البوابة الصحيحة لمحاربة الجوع هي رفع القدرات الشرائية للمنازل والمجتمعات، وهذا ممّا تتعرّض له أمارتيا سن في كتاباته أيضاً، لكن لم يكن الأول فيها.
  • كتاب “التنمية الريفية: نضع الأخير أوّلا”، لصاحبه روبرت شامبرز، أستاذ دراسات التنمية بجامعة سسِكس البريطانية، والصادر في 1983م، والذي قدّم فيه خلاصات من عمله المباشر ودراساته الميدانية في مجال التنمية الريفية، حيث بلور فيه مفاهيم وممارسات “التنمية التشاركية” وأهمية بناء وتعزيز المبادرات والإمكانيات والمعارف المحلية للمجتمعات الريفية الفقيرة كجسور للتنمية المستدامة. جميع هذه المفاهيم والممارسات ممزوجة بأهمية القرار المحلي المستقل (الحرية) وبناء القدرات المحلية.
  • من السودان، هنالك مساهمة في صورة كتاب “زراعة الجوع في السودان” للكاتب تيسير محمد علي، وهو عنوان دراسة الدكتوراة للمؤلف من جامعة تورونتو، 1982م، ثم صدرت ترجمته العربية في 1994م (بواسطة محمد علي جادين، مركز الدراسات السودانية)، والذي تناول فيه تاريخ الاخفاقات السياساتية من أجل التنمية الزراعية في السودان الحديث بحيث يصح تسميتها بسياسات تجويع وإفقار، وهنا كذلك تظهر العلاقة الواضحة بين الجوع والفقر، من ناحية، وعلاقات القوى وسياسات التنمية الخاطئة أو المتجاهلة من ناحية، في دولة رزئت بغياب المؤسسات الديمقراطية القوية التي تستطيع كشف تقصير صنّاع القرار ومحاكمتهم المشروعة على هذا التقصير. بذلك فإن تيسير محمد علي قدّم نقداً متماسكاً للمسبّبات السياسية للمجاعات في السودان قبل أن يضرب أمارتيا سن بالسودان مثلاً على علاقة السياسة بالمجاعات.

هذه أمثلة غير مستفيضة، تغذي رأينا أن القضايا والاطروحات التي تعرَض لها كتاب “التنمية كحرية” مهمة وقوية، بيد أنها ليست جديدة تماماً على  دوائر دراسات التنمية (وكذلك دوائر الفلسفة الاجتماعية،[9] التي لم نتطرق لها أعلاه)، وأن المبالغة في رفع أسهم هذا الكتاب، وصاحبه، غير مجدية ولا يعوّل عليها، وأن هذا القول لا يغمط الكتاب وصاحبه رصيدهما لكن يبرز الخاصية التراكمية للمعرفة والمساهمات الإنسانية المنشغلة بالقضايا الكبرى كقضية التنمية. هنالك أيضاً دراسات أكاديمية ونقدية متعددة أضاءت مناطق العجز والتقصير في كتاب سن،[10] رغم الاحتفاء به؛ فرأينا أعلاه من بينها ومسنود بها.

قيمة كتاب “أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية”

أما كتاب “أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية” فقيمته كبيرة، من وجهة نظري، وأعتقد أن أهم خلاصة من الكتاب هي أن الاحتكار الغربي الرأسمالي لفرمانات “الأصالة الفكرية” والاطروحات “الجديدة” احتكار لا وزن له في ميزان الفكر الإنساني التاريخي العالمي. من يقرأ المقارنات التي بذلها المؤلف في ذلك الكتاب يمكن أن يصل إلى أن أطروحات طه، منذ الخمسينات والستينات، ومن بلد فقير كان يقبع في هامش الأحداث العالمية الكبرى، أطروحات ليست مكافئة لأطروحات سن، في أواخر القرن العشرين، فحسب، بل متفوّقة عليها في مضمار فلسفة التنمية (أي التأسيس الفكري والأخلاقي لعملية التنمية). وليس في هذا غمط لرصيد أمارتيا سن بل ضرب من ضروب وضع الأمور في نصابها. العبرة الكبيرة من قراءة هذه المقاربات هي التنبيه إلى أن حواء “العالم الثالث” والدة، وبدون الحاجة لاعترافات من الغرب الرأسمالي.

ثم هنالك القيمة الأخرى المهمة، والبارزة في معظم كتابات عبد الله الفكي البشير، وهي دعم خلاصة: أن رحابة وعمق تجربة الأستاذ محمود محمد طه، في شتى الميادين التي اشتغل بها، فكراً وقولاً وعملاً، تشكّل ظاهرة نادرة جداً، وحقيقة بالاهتمام جداً. يكفي للتأمل أنه في الخمسينات وأوائل الستينات، حين كانت حوكمة التنمية ليست في الدراسة والممارسة سوى عملية فوقية، إدارية واستعمارية، موجّهة ناحية الشعوب فاقدة القرار،[11] كان طه يضع لبنات الفكر والممارسة للتنمية كعملية قاعدية، مملوكة للشعوب، وهو التيّار الذي نما لاحقاً وتطوّر وصار صاحب الحجة الأقوى في دراسات التنمية.

وختاماً، فإن كتاب “أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية” حريٌّ بالقراءة، وافر المتعة والفائدة، ومزيّن بالورع العلمي، وصدر في ميعاده، إذ هذه الأيام أيام التنمية، فكراً وقولاً وعملاً.

هوامش وإحالات:

[1] بدأ أمارتيا سن اقتراحاته حول القدرات والاختيار (والتي تطورت لاحقا إلى الحرية) منذ 1979، وعمل على تطويره، مع آخرين، من ذلك الحين، وهو لم يكن طرحا جديدا تماما حتى وقتها، فقد استند على بعض مفاهيم الاقتصاد الكلاسيكي (اللبرالي تحديدا). المزيد من المعلومات في المرجع:

Amartya  Sen. 1982. Choice, Welfare, and Measurement. Oxford: Basil Blackwell.

[2] رصد عبدالله الفكي البشير قائمة من الأقوال التي صرّح بها خبراء اقتصاديين وتنمويين وأكاديميين، من حوال العالم وبعض المؤسسات، بخصوص كتاب سن “التنمية كحرية”، رصدا محايدا ليعكس صدى الكتاب وصيت صاحبه في الدوائر المعنية. جاء ذلك في الفصل الأول من الكتاب: “تأسيس تمهيدي: أمارتيا كومار سن والصدى العالمي لكتابه: التنمية حرية.”

[3]  J. K. Nyerere. 1974. Freedom and Development / Uhuru Na Maendeleo: A Selection from Writings and Speeches, 1968-1973. Oxford University Press.

[4] في أواخر الستينات وكل السبعينات، من القرن الماضي، كانت تنجانيقا/تنزانيا مركزا لحراك فكري واسع حول آفاق وطموحات الشعوب الافريقية ما بعد الاستعمار، وقد دخل في ذلك الحراك جمعٌ كبير من المفكّرين والباحثين الافارقة وغير الافارقة (ومنهم أسماء مشهورة اليوم كوالتر رودني). صارت جامعة دار السلام مركزا أكاديميا لذلك الحراك، كما كان نيريري وقتها أحد أهم الأصوات باعتباره المنظّر والممارس للحوكمة الافريقية الجديدة. كانت أطروحة نيريري “أوجاما” (Ujamaa)، إحدى الأطروحات الرئيسية لمدرسة الاشتراكية الافريقية وإحدى الأطروحات التنموية الطازجة والأصيلة محليّا، وفيها ربط نيريري بين  النشاط الاقتصادي التعاوني والديمقراطية الشعبية وتمليك وسائل الإنتاج للمجتمعات المحلية (مع رعاية الدولة)، بالإضافة لتحرير المرأة وتحرير الفقراء بالتعليم المسنود بتطوير قدرات الإنتاج المحلي (حتى يملكوا قوتهم وقرارهم). لاحقا صار نيريري رئيس “لجنة الجنوب-جنوب”، إحدى مخرجات حركة عدم الانحياز العالمية، وبعد استقالته من رئاسة تنزانيا في 1985 كان يعتبر أحد كبار خبراء الحوكمة والتنمية في الجنوب الكوكبي، حتى وفاته في 1999. مؤخرا، صرّح خبراء  اقتصاديين عالميين ومعروفين في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (مثل جوزف ستيقلتز) بأن سياسات نيريري التنموية ودور الدولة فيها كانت متقدمة على خلاصات البنك الدولي في زمانها ولم تأخذ فرصتها كفاية بسبب الضغوط العالمية.

[5] يقول بولاني إن اقتصاد السوق ولأول مرة في التاريخ نزع الاقتصاد من حضن المجتمع، بحيث صار الاقتصاد غير راسخ في مؤسسات المجتمع وإنما مستقل نسبيا عنها عبر تسلّم دفة قيادته لجهة أحادية الوظيفة هي السوق. لكن، وبما أن الاقتصاد من الأهمية بمكان للمجتمع فإن عملية نزعه من حضن المجتمع هذه لن تحصل بدون ردة فعل من المجتمع، لأن المجتمع إما أن يكون حاضنا للاقتصاد أو أن طريقة إدارة الاقتصاد ستؤثر فيه لا محالة—باختصار: اقتصاد السوق يصنع كذلك “مجتمعات سوق” حيث تسود قيم وأولويات وثقافة متوائمة مع السوق، وهي قيم وأولويات منافية للثقافات المحلية العامة التي تعتمد على موجّهات أخلاقية وتماهيات بيئية كبيرة. بذلك فإن اقتصاد السوق يخلق أوضاعا غير متزنة اجتماعيا واقتصاديا وبيئيا، وبالتالي سياسيا، ومن دلائل ذلك تسليع الأرض والعمل والمال (وتسليع المال منه الربا). هذه خلاصة لطرح بولاني لا تغني عن الاطلاع على كتاباته المذكورة.

[6] بدأ محبوب الحق العمل على أطروحة مؤشر التنمية البشرية (human development index) منذ السبعينات، وهو من بادر بها وحرّك دواليب المجتمع الدولي (عن طريق الأمم المتحدة) ناحيتها، وقدّم لها التأسيسات الإحصائية وتبريرات المقاييس الأساسية، ورافع بأن مؤشرات النمو الاقتصادي الكلاسيكية لا تكفي لعكس أحوال التنمية والبشر في البلدان. تضامن معه أمارتيا سن لاحقا ورفد الاتجاه بمفهوم القدرات، الذي صار أيضا جزءا مهما من تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بجانب مؤشر التنمية البشرية المستمر حتى الآن وفق تأسيسات محبوب الحق. في السنوات البضع الماضية، تم تطوير المؤشر بعوامل تقيس مستوى اللامساواة (inequality) في توزيع مؤشر التنمية البشرية داخل كل بلد، بعد أن تراكمت الدراسات التنموية والاقتصادية حول أهمية قياس اللامساواة في توزيع الفوائد التنموية والاقتصادية (أو الثروة والسلطة)  في المجتمعات الحديثة. أشار الكاتب عبدالله الفكي البشير إلى محبوب الحق ودوره في تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ما نؤكده هنا أن محبوب الحق صاحب دور  أساسي وسبّاق في هذا الأمر.

[7] بناء على أفكار شوماخر، التي نشرها ومارسها قبل السبعينات، تم تأسيس منظمة تنموية، مشهورة اليوم، هي براكتكل أكشن (Practical Action) في 1969 (كان اسمها مختلفا)، ومنذ ذلك الوقت كانت المنظمة تشتغل بنموذج بناء القدرات المحلية ورفع المهارات التقانية المحلية والمؤسسات الاقتصادية المحلية والمعرفة المحلية كقاطرة للتنمية. عبر النظر لهذه التجربة الملموسة (والتي لم تحظ وقتها، ولوقت طويل، باحتفاء عالمي كافي، لكنها استمرت كعمل قاعدي جمع بين مبادرات محلية) يمكن استخلاص أن مفهوم بناء القدرات كمدخل للتنمية ليس اختراقا فكريا لأمارتيا سن أو حتى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. بل أقدم من ذلك نجد نفس المفاهيم متوفرة في كتابات محمود محمد طه.

[8] من الاكتشافات المهمة في هذا الصدد أن الصين، لوحدها، وعبر سياسات تنموية عالية وجادة التنفيذ، أخرجت أكبر عدد من الناس في الكوكب من مستوى المجاعة – أكثر من 200 مليون شخص بين 1970 و1990 – بينما المنظمات العالمية حاولت أن تنسب ذلك التحوّل الكبير عالميا إلى التكنولوجيا الحيوية التي انتشرت وقتها عبر الشركات الكبرى حول العالم (ما سمّي وقتها بالثورة الزراعية)، لكن عبر التدقيق الحسابي اتضح أن “الثورة الصينية” كانت هي التي أحدثت الفرق العالمي. المصدر:

Frances Moore Lappé, Joseph Collins and Peter Rosset. 1998. World Hunger: 12 Myths (2nd ed). Grove Press/Earthscan.

[9] في 1908، قدّم جون ديوي، الفيلسوف الامريكي المعروف بمساهماته في فلسفة التعليم، أطروحة بعنوان “المسؤولية والحرية” (Responsibility and Freedom)، شرح فيها أن الحرية والمسؤولية صنوان، يستدعي أحدهما الآخر، وأن التوسّع في الحريات يقتضي كذلك التوسع في الإقرار بالمسؤوليات المترتبة في براحات الحرية. لاحقا، قام أمارتيا سن في 1984 بتقديم محاضرة، من سلسلة محاضرات باسم جون ديوي، في جامعة كولومبيا، حول “الاختيار والفاعلية والحرية” استند فيها على إرث ديوي. ولكون سن درس الفلسفة بعد دراسته للاقتصاد، فالراجح هنا أنه كان مستندا على ديوي في تطوير أطروحته للعلاقة بين الحرية والمسؤولية كما قدمه لاحقا في كتاب “التنمية كحرية.” المصدر:

Amartya Sen. 1984. ‘Well-Being, Agency and Freedom: The Dewey Lectures.’ The Journal of Philosophy (1985),  82(4): 169-221.

[10] أدناه بعض النماذج الناقدة لكتاب سن، والتي فحصته وحاججت بالأدلة أنه ما زال ينتمي للفضاء الرأسمالي اللبرالي، ويتجاهل علاقات القوى وعوامل الاقتصاد السياسي المساهمة في دوامات الفقر والجوع والاستغلال، كما أن مصادره الفكرية الأساسية جميعها تنتمي للفضاء الكلاسيكي المؤسس للأوضاع الراهنة:
E. Bénicourt. 2004. Against Amartya Sen. L’Économie politique, 23, 72-84. https://doi.org/10.3917/leco.023.0072
V. Navarro. 2000. ‘Development and quality of life: a critique of Amartya Sen’s Development as freedom.’ Int J Health Serv.; 30(4): 661-74.
D. O’Hearn. 2009. ‘Amartya Sen’s Development as Freedom: Ten Years Later’, Policy and Practice: A Development Education Review, 8(Spring): 9-15.
[11] مصادر لتاريخ مفهوم التنمية وحوكمة التنمية، والتنمية الاجتماعية، تشير لبداياته الاستعمارية وفوقية، والتي تغيّرت تدريجيا للمستويات القاعدية عبر دراسات التنمية:
H. Zafarullah, and A. S Huque. 2005. “Understanding Development Governance: Concepts, Institutions and Processes” in A. S. Huque and H. Zafarullah (eds.) International Development Governance. New York: Dekker/CRC Press.
M. K. Smith. 1996, 2006. ‘Community development’, The encyclopaedia of informal education, Retrieved from: www.infed.org/community/b-comdv.htm.

أكتوبر 2021م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى