أخبارأعمدة ومقالات

الوعي ما استطعتم

أنس مصطفى

أنس مصطفى

“ثمانية قتلى وثلاثون جريحاً”، هكذا يلخَّصُ الموت في وسائل الإعلام.

تمرُّ علينا هذه الأيام ذكرى مرَّة، هي ذكرى استشهاد سبعة مواطنين في مدينة كسلا برصاص القوات النظامية بينهم طفل ربما كان عائداً من مدرسته، خرج يومها وزير الإعلام الأستاذ فيصل محمد صالح ببيان مضطرب مفاده أن المتظاهرين حاولوا الدخول إلى مناطق حساسة (أمانة الحكومة وكوبري القاش) وحدث اشتباك قُتل على إثره هؤلاء المواطنين ورجل أمن، كان ذلك بحضور وكلاء نيابة، وكأنَّ هذا يضع القتل في سياق مقبول.

ما حدث في شوارع كسلا يومها لم يكن مطابقاً لرواية وزير الإعلام، ما حدث بدا وكأنه تعمُّدٌ لقتل المتظاهرين لدى خروجهم في المسيرة احتجاجاً على قرار رئيس الوزراء بإقالة الوالي، ما لم يذكره البيان أن قوات الأمن لم تكتف بإطلاق الرصاص على المتظاهرين أمام أمانة الحكومة، بل تعقَّبت حتى العربة التي حملت المصابين لإسعافهم وأطلقت عليها الرصاص أمام مستشفى كسلا.

موت هؤلاء المواطنين تتحمل مسؤوليته في المقام الأول الحكومة التي لم تستطع كفَّ أيدي أجهزتها الأمنية عن حصد أرواح المواطنين حتى بعد قيام الثورة، ولم نسمع بنتائج تحقيقٍ قد أعلنت أو قصاص قد تم وقد مرَّ عام على الفجيعة.

ما نزال في هذا الوطن المحزون في حاجة إلى منح الموت شيئاً من هيبته، هذا القتل المجاني لا يودي بحياة القتيل وحده، بل يحطِّم أسراً بأكملها، لكننا بتنا نتعامل معه مثل أي حدثٍ صغير عابر لا نلقي له بالاً، حدث هذا بعد انحدارنا إلى درك الخطاب العنصري الذي عمَّ السودان في السنين الأخيرة ولم يسلم منه الشرق، هذا الخطاب الذي كثيراً ما يضرمه السياسيون تحقيقاً لرغباتهم السلطوية، ولا سبيل لكبح جماح هذا الدَّاء سوى بنشر التعليم والوعي، هذا ما يجب أن يكون في مقدمة أولوياتنا بعد الثورة، ألا يكون هناك طفلٌ واحدٌ في السودان خارج حجرة الدرس، لأن هذا هو الطريق الذي يحرر أجيالنا القادمة من نير الاستغلال، استغلال السياسي، وزعيم العشيرة، ورجل الدين وسيِّد الطائفة.

خسرنا أرواحاً غالية في كسلا يومها نتيجة لقرارات سياسية غير مدروسة مثل قرار رئيس الوزراء بإقالة الوالي في توقيت كارثي، لكنه ضعف قراءة الواقع ودوران رئيس الوزراء في فلك الحاضنة والمستشارين بعيداً عن المواطنين الذين يحكمهم من خلف أسواره العالية وتقاريره الأمميَّة.

كان الشرق (في سلام) أصلاً، ولم يكن يحتاج سوى تنمية عاجلة لكن الحكومة بشقيها وبمجلسها الأعلى للسلام فاجأت أهله الآمنين بجحيم جوبا مما قاد إلى احتقان قبليٍّ غير مسبوق وعلو صوت الخطاب العنصري والكراهية، لم يكن من الحكمة وقتها القيام بكل ذلك؛ توقيع المسار، تعيين والٍ في الإقليم الشرقي ينتمي إلى أحد مكوني البجا المتخاصمين ثم عزله، لكن أبت يد الحكومة إلا أن تعمل ما استطاعت من الفتوق في نسيج الشرق الاجتماعي ثمَّ مضت الإدارات الأهلية دون هدى في بحر الاستقطاب القبلي الذي لن يقود إلى أيِّ شيءٍ يمكن الاحتفاء به، فالكلُّ خاسرٌ في النهاية وإن حقق نصراً مؤقتاً.

الآن علينا التعلم من أخطائنا، فشرق السودان هو موطن كل سكَّانه الذين يلزمهم احترام بعضهم البعض ثانيةً، وعلى الساسة أن يكفوا عن بناء أحلامهم على رفات المواطنين، فبعد عام على الرحيل الفاجع لهذه الأرواح لا يزال الساسة حيث هم، يتقلدون المناصب ويديرون الصراعات، يختصمون اليوم ويتعانقون غداً، ما يجمعهم هو نفسه ما يفرقهم، ستعود مياههم إلى مجاريها لكن لن يكون في وسعنا أبداً أن نعيد أولئك الضحايا إلى ذويهم، لن يعود ذاك الصبي إلى والديه بعد انتهاء اليوم الدراسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى