أخبارأعمدة ومقالات

نحو مقاربة واقعية للخروج من الأزمة الراهنة بالبلاد

جمال عبد الرحيم صالح

نحو مقاربة واقعية للخروج من الأزمة الراهنة بالبلاد
جمال عبد الرحيم صالح

لقد تنبأنا في مقال منشور لنا بصحيفة (الديمقراطي) بتاريخ 7 ديسمبر 2020 تحت عنوان: (الجبهة الثورية: دور “السلبطة” في العمل السياسي) بأن اتفاق جوبا الموقع بتاريخ 3/10/2020 لن يجلب العافية بتاتاً لبلادنا، فهو لم يكن غير خدعة قام بها العسكر لتغيير موازين القوى لصالحهم. خدعة انطلت على قوى الحرية والتغيير ببساطة متناهية، حيث لم تقف تلك القوى لتسأل نفسها أسئلة مشروعة وبديهية قبل أن تورط نفسها في تلك البيعة الخاسرة، أسئلة من شاكلة:

ماهو وزن جبريل ابراهيم بعد أن سحقت قواته في قوز دنقو وأخرج من  الميدان ومن الشارع منذ عهد بعيد؟

ماهو وزن مناوي أركوي بعد أن فقد كل تأييد له بدارفور، ولم تطلق قواته طلقة حتى ولو في الهواء خلال فترة السنوات الطوال التي أعقبت تخليه عن التحالف مع نظام المقبور البشير؟

ما هو وزن أشخاص مثل التوم هجو والجاكومي ومبارك أردول، ومن يمثلون، بل كم عدد السودانيين الذين سمعوا مجرد سماع بهذه الأسماء؟

تمر الثورة الآن بمنعطف حاد للغاية ومحفوف بمخاطر جمة، لا يحتاج المرء معها لذكاء استثنائي ليدرك مراميها المتمثلة في الإنقضاض النهائي عليها؛ حيث أن تسلسل الأحداث التي تناسلت في الماضي القريب يؤكد تلك النية المبيتة للإنقضاض على تلك الثورة. فقد بدأت هذه الأحداث، كما هو معلوم، بغض الأجهزة النظامية بصرها عن التسيب والفلتان الأمني، ثم أعقب ذلك محاولة انقلاب عسكري استخدمها البرهان وحميدتي ذريعة لشن هجوم على المكون المدني بأسباب واهية ومصطنعة. ومن بعد ذلك تواصل مسلسل الأحداث ذات الطبيعة الأمنية لتشمل الهجمات الإرهابية التي لم يُعرف حتى الآن طبيعتها؛ وكل ذلك مقروناً بأزمة سياسية/أمنية تتمثل في أحداث الشرق التي كان واضحاً جداً تآمر المُكَوِّن العسكري في تحريكها، أو على الأقل في الاستفادة منها في حربه المفتعلة مع قوى الحرية والتغيير، والزعم بأن كل هذه الاضطرابات ناتجة عن عدم كفاءة المدنيين!

يدل على ترابط هذه الأحداث وترجيح احتمالات مقصوديتها، ذلك الصمت لدى الجهات الأمنية عن التعرض للطبيعة العامة لتلك الأحداث وتوضيح بعض خباياها. بل في الواقع،  إختار الجهاز الاعلامي للمكون العسكري ممثلاً في صحيفة القوات المسلحة، بدلاً عن إجلاء الحقائق عنها، إختار التدخل السافر في السياسة عبر الهجوم على قوى الحرية والتغيير ودعوة القائد العام للجيش نفسه للإنقلاب على السلطة المدنية، وهو خط إعلامي لا يوجد أدنى شك من أنه يعبر عن موقف القيادة العسكرية.

حول مزاعم فشل الحكومة المدنية:

لقد تبنت الدوائر المعادية للثورة خطاً دعائياً مبنياً على زرع فكرة مفادها أن حكومة السيد/ حمدوك حكومة فاشلة أو عاجزة، وهو زعم غير صحيح عندما ننظر للحقائق الماثلة، حيث أن ما أنجزته حكومة الثورة في الجانب الإقتصادي، أقرب للمعجزة. إذ لأول مرة، ومنذ زمن بعيد، ورغم خواء الخزائن، وتشويه الاقتصاد الذي ورثته الثورة، ورغم الحرب الاقتصادية التي يشنها العسكر في شقيهما: البرهان وحميدتي، رغم كل ذلك تحسنت مؤشرات الاقتصاد بشكل ملموس، حيث استقر وضع العملة الوطنية، وازداد توفر السلع الأساسية، وتحسنت المواصلات بشكل مبهر، وبدأ معدل التضخم في الانحسار، وبدأت التدفقات النقدية في التزايد سواء عن طريق حصائل الصادر أم تحويلات المغتربين أم منح المجتمع الدولي. صحيح أن البون لا يزال شاسعاً بين دخول الناس ومنصرفاتهم، إلا أن الصحيح أيضاً أن مدخولاتهم بدأت في التحسن بشكل أو آخر.

هذا فيما يلي الإقتصاد، أما فيما يلي السياسة الخارجية، فما حققته حكومة السيد/ حمدوك أشبة بالمعجزة أيضاً، حيث توقفت تماماً زيارات الاستجداء الروتينية لدول الخليج، وخرج السودان نهائياً من المقاطعة الدولية، بل وصل النجاح في إدارة الحكومة للسياسة الخارجية حد أن يصدر الكونغرس الأمريكي حصانة سيادية للسودان تجعله في مأمن من أي محاسبات أو مقاطعات سببها النظام البائد بحماقاته وجهل قادته. كما بلغ نجاح السياسية الخارجية للحكومة المدنية، درجة أن يقاوم السودان، على ضعفه الذي وضعته فيه  الانقاذ، يقاوم تلك الضغوط الهائلة عليه، من أمريكا وأصدقاءها، باشتراطهم وربطهم إدماج السودان في المجتمع الدولي باعتباره ثمناً لتطبيعه العلاقات مع اسرائيل. لقد عاد السودان بقوة  للمجتمع الدولي بدون أن تفرط الحكومة المدنية بذرة كرامة، فأي نجاح أكثر من ذلك؟

ليست هنالك حكومة مبرأة عن نواحي الضعف هنا أو هناك، إلا أن تكبير نقاط ضعفها وأخطائها والزعم الكاذب بفشلها إنما هو أمر مقصود في سبيل أن يكتسب أعداؤها مشروعية لهم.

حول فشل المكون العسكري:

من غرائب السياسة السودانية، في أشكال تجليها الأخيرة، أن يتولى قادة المكون العسكري، تحديداً البرهان وحميدتي، الهجوم على الحكومة المدنية بتهمة الفشل! ومصدر علامة التعجب هذه، أن المكوِّن العسكري هو الفاشل فعلاً في إكمال واجباته. حيث هو الذي يصر على تعطيل إكمال مؤسسات العدالة ومن ضمنها لجنة الاستئنافات لأحكام لجنة إزالة التمكين، وهو الذي فشل في القضاء على الجريمة المتزايدة، وهو الذي فشل في دمج القوات المتبعثرة بمختلف مسمياتها في الجيش الوطني، وهو الذي فشل في أداء دوره  تجاه أحداث الشرق التي شكلت تهديداً للدولة نفسها وليس لحكومة حمدوك، وهو الذي فشل في تحسين مخصصات الجنود والضباط بينما يتحكم هو في 80% من الجهات الاقتصادية الربحية.

ويسألونك عن اختطاف الثورة:

من أغرب الحجج التي يسوقها أعداء الثورة الذين هم أعداء الشعب، ذلك الزعم الركيك بأن هنالك جهات اختطفت الثورة! مع العلم بأن هذه الثورة تحديداً، سمتها الأساسي الوعي ووضوح الرؤيا. ثورة شارك فيها ملايين البشر من ذوي الوعي المدفوعين بوازع الوطنية والرغبة في الديمقراطية والتقدم، متصدين فيها لأفظع أعمال القتل، ومقدمين في ذلك مئات الشهداء والمصابين والمفقودين؛ هؤلاء هم من سلموا أمرهم طوعاً للجهات التي نظمت وقادت تلك الثورة، سواء تجمع مهنيين أم أحزاب أم مجتمع مدني، وذلك بدليل كل المسيرات المليونية التي غمرت الشوارع، فكيف يتم اتهام قادة تلك الثورة باختطافها؟

في الواقع جاء الاختطاف من المكون العسكري الذي لجأ إليه الثوار طلباً للتدخل حماية لهم من قوى آخرى كانت تزرع الرعب في البيوت والشوارع وتمزِّق في حشا الأمهات وتفطر في قلوبهن. لجأ الثوار للجيش ليحميهم وليس ليقودهم، فهو مؤسسة من مؤسسات الدولة، واجبها الأساسي حماية الشعب والمحافظة على وحدة أراضي الدولة، وليس التدخل في العمل السياسي. والعلاقة بين الجيش والشعب علاقة متبادلة، في إطار الدور المناط القيام به من جهته؛ حيث وقف ذات الشعب من خلف جيش بلاده وهو يستعيد قطعة عزيزة من أرضه وهي منطقة الفشقة، وذات الموقف سيقفه الشعب يوم ينادي المنادي لتحرير أجزاء عزيزة أخرى من أجزاء الوطن.

إن موافقة الشارع على اشراك المكون العسكري في منظومة الحكم إنما كان باعتباره ضامناً لوحدة البلاد وسيادتها، ليس إلا، وليس ليكون وصياً عليها.

رؤية في إتجاه المخرج من الأزمة:

إضافة لمبادرة السيد رئيس الوزراء، هناك مبادرات من قوى عديدة في الشارع، أهمها وأكثرها مشروعية مبادرة مركزية قوى الحرية والتغيير؛ كما أن هنالك مبادرات من شخصيات وطنية، من ضمنها ما طرحه الدكتور الشفيع خضر من مقترحات يمكن أن تمثل مخرجاً عملياً من الأزمة، وذلك بطرحه لمقترحات محسوسة قابلة للتنفيذ مبنية على أساس مبادرة السيد/ رئيس الوزراء، ومستندة على الوثيقة الدستورية باعتبارها المرجعية الأساسية فيما يخص تنظيم حكم الفترة الانتقالية. لقد لخص الدكتور الشفيع مبادرته في التالي:

إعادة تكوين مجلس السيادة ليتكون وفق ما أقرته الوثيقة الدستورية، أي من11  عضوا، و مراجعة أداء كل أعضاء المجلس، بحيث يستعاض صاحب العطاء المتدني، بمن هو أقدر على مواجهة الأوضاع الراهنة.

التقيد بما نصت عليه الوثيقة الدستورية وتكوين مجلس الوزراء من كفاءات مهنية بعيدا عن المحاصصة الحزبية أو الجهوية. يمكن للجميع التقدم بالترشيحات، مع ترك أمر حسم الإختيار لرئيس الوزراء.

تفعيل قانون «مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020» المجاز بتاريخ 22 أبريل 2020، لأداء دوره في إصلاح المنظومة العدلية والحقوقية وتفكيك بنية التمكين فيها، بعيدا عن تدخلات لجنة التمكين وأي من السلطتين السيادية والتنفيذية.

مراجعة ما تم من تعيينات في مرافق الخدمة المدنية المختلفة، وضبط ذلك عبر لجنة الإختيار ومفوضية إصلاح الخدمة المدنية.

التأمين على ضرورة وجود وفاعلية لجنة إزالة التمكين باعتبارها الآلية الأنسب، والمتفق عليها حسب الوثيقة الدستورية واعتمدها مجلسا السيادة والوزراء، لفكفكة نظام الانقاذ الذي لم يترك جهازاً من أجهزة الدولة والمجتمع إلا أعمل فيه معول الهدم.

النظر بالإهتمام اللازم في الإتهامات الموجهة ضد لجنة إزالة التمكين والتحقيق فيها ومراجعة أداء اللجنة من حيث تركيبتها ومناهج عملها وإقتراح التعديلات الضروروية في قانونها، مع إعادة تشكيل وتفعيل لجنة الإستئنافات، إعلاء للعدالة وسيادة القانون.

تكوين المفوضيات القومية المستقلة فورا، مع إعطاء أولوية لمفوضيتي صياغة الدستور والمؤتمر الدستوري والانتخابات. المفوضيات القومية، إضافة إلى تحقيقها لمهامها المعروفة، فإنها أيضا ستحقق توسيع المشاركة في أجهزة الانتقال وأجهزة إدارة الدولة.

إضافة لما قدمه الأخ الشفيع خضر من مقترحات أقدم من جانبي مقترحات أخرى أراها ضرورية في إتجاه تجنيب العملية السياسية من الأخطار المحدقة بها. مع علمي التام بأن ما سأقدمه من مقترحات سيكون محبطاً لقوى التغيير، إلا أن الوضع المعقد الذي يواجهه الوطن الآن، يستدعي إعلاء العقل على العاطفة، وترجيح البدائل حسب توازنات القوى الموجودة، وذلك حفاظاً على البلاد وشعبها:

أولاً: تجميد العمل باتفاقية جوبا، لاعتبارات جمة، أهمها أنها تجاوزت قوى رئيسية كالقوى الفاعلة في شرق السودان، كما أنها استبعدت الحركات الأكبر والأهم والأكثر تنظيماً كحركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور. من ضمن الاعتبارات الأخرى أن ما خصص للحركات الموقعة على الاتفاقية من أنصبة في مؤسسات الحكم لا يتناسب مطلقاً لا مع حجمها السياسي ولا مع قدراتها العسكرية؛ واضعين في الاعتبار أن هناك قوى أكبر وزناً وأكثر تأثيراً، لديها مطالبها أيضاً في قسمة السلطة، تلك السلطة التي لم يتبق في كيكتها ما يشبع كل الأفواه!  إضافة لما ذكرناه من اعتبارات، فإن إتفاقية جوبا أصبحت ميتة من الناحية السياسية، حيث كوَّن أطرافها الأساسيين مركزاً آخر، باسم قحت 2، يريد التفاوض أيضاً! فليس هناك في عالم السياسة، مفاوضاً جدِّياً يفاوض محاوريه من منبرين مختلفين.

ثانياً: أرى أن يتم التوافق بين القوى الفاعلة على مد فترة رئاسة البرهان حتى نهاية الفترة الانتقالية، وذلك لأسباب أراها وجيهة في نظري، تتمثل في تخليصه من جزء من الضغوط الواقعة عليه من المؤسسة العسكرية، للإنقضاض على الحكم. بل أنني أعتقد جازماً بأن أحد أقوى دوافع البرهان للاتكاء على الفلول والمكونات القبلية في معاركه الحالية مع المدنيين هو الخروج بهذه النتيجة، أي استمراره في الرئاسة. في تقديري أنه، و باسناد أمر رئاسة السيادي له، بالتوافق طبعاً، سيصبح ممكناً أكثر من ذي قبل تنفيذ المطلب الشعبي في إصلاح المنظومة الأمنية. من الضروري أن يشمل أي اتفاق على تمديد فترة رئاسته، حزمة من التعهدات من جانبه، أهمها القبول بوضع برنامج عمل واضح المعالم يتم بموجبه إدماج كل الحركات المسلحة داخل الجيش، كما عليه لجم تلك الأصوات داخل القوات المسلحة التي تغذي في التفكير الانقلابي، وتشيطن في المدنيين.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى