أخبارأعمدة ومقالات

أهما شارعان أم وجهتان؟!

خالد فضل

أهما شارعان أم وجهتان؟!

خالد فضل

لا أميل للإتفاق مع التوصيف الإعلامي الذي تستخدمه معظم وسائل الإعلام الخارجية على وجه الخصوص حول وجود شارعين في السودان، وانقسام بين المدنيين، في الحقيقة التوصيف الأدق هو ما عبّر عنه د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء؛ بوجود وجهتين تتصارعان حول مستقبل السودان عطفاً على مجريات الأحداث في الفترة الانتقالية، الوجهة الأولى هي وجهة الانتقال الديمقراطي، الوجهة المضادة هي محور الإنقلاب العسكري والردة عن الثورة السودانية الباسلة، هذا في تقديري هو التوصيف الصحيح، والسبب الذي يجعلني أفضل هذا التوصيف هو ما طرأ من سلسلة أحداث متلاحقة في الشهرين الأخيرين تحديداً.

أول المؤشرات هو حدوث استقرار نسبي في الظروف المعيشية للمواطنين، والتلاشي التدريجي لأزمات الخبز والوقود والغاز، مع استقرار سعر صرف العملة السودانية في مقابل العملات الأجنبية، ثم بدء عملية صرف بعض المعينات النقدية عبر برنامج ثمرات بواقع (5) دولارات شهرياً لحوالي (80%) من السودانيين المستهدفين بالدعم، ترافق مع ذلك انفتاح متواتر على العالم منذ مؤتمر باريس، وخطوات إعفاء الديون، وتقديم المنح والقروض، مع انفتاح سياسي لم يعرفه السودانيون طيلة عهد الإسلاميين المباد، فعلى مدى (30) سنة ظلّ جواز السفر السوداني محظوراً أو محل ريبة وشكوك في كثير من أهم الدول في العالم وأوسعها نفوذاً، كل ذلك ترافق مع بروز مؤشرات على إصلاح المرافق العامة والخدمة المدنية وغيرها من أوجه الحراك الإيجابي، وحتى في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، وتعديل بعض القوانين، وغيرها من مؤشرات إيجابية كانت تشير بوضوح إلى أنّ السودان قد ودّع بفضل ثورته السلمية، عهود التيه وسكة الضلال التي سارت عليها البلاد في عهد الكيزان البغيض.

أمّا أكثر الخطوات في مضمار التغيير الجذري فهو عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م واسترداد الأموال المنهوبة، تلك الخطوات الناجحة التي استعادت للشعب جزءاً مقدراً من مؤسساته المنهوبة، وفك قبضة التمكين عن كثير من المؤسسات والهيئات العامة وتحويلها لمصلحة الشعب.

هنا نصل إلى أس الخطأ في الوجهة المقابلة، وجهة الانقلاب والردة، والتي شعر سدنتها بأنّ السير في اتجاه التغيير والإصلاح وجني ثمار الثورة لصالح البناء الوطني الرشيد، كل ذلك يشكل بعبعاً مخيفاً للفئات التي تعلو عندها المصالح الذاتية والمطامع الشخصية على أي مصلحة عامة، وبالطبع على رأس قائمة الإنقلابيين جماعات الإسلاميين ومن والاهم  الذين بادت سطوتهم، وأفلت رويدا رويدا مصالحهم، وجدت تلك الفئة ذات الوجهة الخاطئة ضالتها في تحالف مريض مع سدنة الاستبداد وربائب الديكتاتورية من عسكر السلطة الإنتقالية الذين وجدوا أنفسهم في مركز القيادة والسيادة بفضل ثورة لم يك لهم فيها أي قدر من البذل والتضحية، في الواقع لم تطالهم نيران الثورة ولا لهبها القاسي عندما كانت الأسر السودانية تفقد فلذات أكبادها قنصا بالرصاص الحي في الشوارع، بل أفدح من ذلك، تثور الشبهات والشكوك المعقولة حول مسؤوليتهم عن دماء شباب شعبهم في مجزرة فض الاعتصام، والتي شكلت جريمة مكتملة الأركان يتحمل المسؤولية الأولى عنها عساكر ما كان يسمى بالمجلس العسكري وقتها، على الأقل من باب وقوع المجزرة عند عتبة بوابات قيادتهم العامة!!!! ثم هنالك شبهات الإستحواز على مقدرات اقتصادية ضخمة وموارد معدنية نفيسة، ضف لذلك علاقات مشبوهة مع أطراف إقليمية ودولية، كل هذه العوامل هي في تقديري السبب الأساسي في وجود الحالة السياسية الراهنة، فكل المنغصات للانتقال الديمقراطي مصنوعة، من عصابات (9 طويلة) مروراً بإغلاق الموانئ وقطع الطرق وتخريب آبار النفط، وصولاً إلى صناعة اعتصام الرشاوى والموز عند بوابات القصر الجمهوري، والهدف واضح وضوح الشمس في رائعة النهار كما يقال، وهذا بالضبط هو ما جعل ملايين السودانيات/ نيين يملأون شوارع المدن والأرياف حضوراً في مشاهد 21 أكتوبر المجيدة إنّه الوعي يا سادتي، وثورة يحرسها الوعي لابد بالغة ميس التغيير لا محالة ولا نامت أعين الفلول.

أدين بأقوى العبارات السلوك الهمجي الذي بدر من فئة من المتفلتين الذين اقتحموا بالقوة المؤتمر الصحفي الذي عقدته قوى الحرية والتغيير بمبنى وكالة السودان للانباء ظهر السبت 23 أكتوبر، وهو سلوك العاجزين عن مقارعة تيار الثورة الجارف وأيقونتها التي بهرت كل العالم (السلمية)، ولأن كل إناء بما فيه ينضح. وهيهات هيهات والردة مستحيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى