أعمدة ومقالات

اختبار الزنازين

أمل محمد الحسن

شهد الخميس إطلاق (4) وزراء من حكومة عبد الله حمدوك المقالة، وفي المقابل اعتُقل (4) آخرون، ثلاثة منهم ينتمون لحزب المؤتمر السوداني، وهم شريف محمد عثمان وحمزة فاروق ونادر صالح، إلى جانب عضو لجنة إزالة التمكين طه عثمان.

الإفراج عن بعض المعتقلين واعتقال البعض الآخر، قرارات تحتاج لقراءة متأنية في المشهد السياسي بالغ التعقيد الذي تمر به البلاد بعد الانقلاب العسكري على الحكم الانتقالي في 25 أكتوبر الماضي.

يمكن وصف إطلاق الوزراء باعتباره “قولة خير” للمفاوضات التي تدار حالياً بين العسكريين وحمدوك بوساطة غربية واقليمية لتشكيل حكومة جديدة.

أما قائمة الاعتقالات التي شملت قيادات حزب المؤتمر السوداني، فلا يمكن وصفها سوى أنها عملية تكميم للأفواه التي تعارض بشراسة الاتفاق مع المكون العسكري، وتمضي لأبعد من ذلك لتطالب بمحاسبة العسكريين الذين نفذوا الانقلاب، وفق بيان لحزب المؤتمر السوداني، وهو كان أول بيان يصدر عن حزب سياسي بعد أحداث 25 أكتوبر.
بحسب مصادر مطلعة، التقى نفر كبير من أحزاب عديدة مساء الأربعاء بقيادة رئيس أحد الأحزاب العقائدية القديمة، وبحضور قيادات حزبية وغير حزبية، وممثلي حركات مسلحة، وكان الصوت الأعلى لصالح التسوية مع العسكر، والصوت الذي قاوم ذلك حمل اهله للزنازين!

التقى قيادات المؤتمر السوداني، رئيس بعثة اليونيتامس في اليوم التالي، الخميس، وبعده اعتُقل ثلاثة من قياداته!

اللقاء مع فولكر تناول وصف الوضع الراهن الذي يرفض حزب المؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، والمهنيين وضعه في خانة الأزمة السياسية، ويشددون على أن وصفه الصحيح هو: انقلاب عسكري!

ويبدو أن بيرتس شاركهم الرأي، وقال في اجتماعه معهم إن تعريف أحداث 25 أكتوبر وفق القاموس الأمريكي “انقلاب عسكري”.

بعد اللقاء مع بيرتس، اعتُقلت قيادات الحزب، وعضو لجنة إزالة التمكين، ليصبح معظم قيادات المؤتمر السوداني، ابتداءاً برئيسه، عمر الدقير، واثنين من وزرائه، إبراهيم الشيخ وخالد عمر، داخل السجون، فهل سيتم تقديم الحزب مثالاً للعُصاة؟ وتُترك قياداته حتى اكتمال تشكيل الحكومة كما يرغب المتفاوضون، عظة وعبرة لمن يعتبر؟!

المفاوضات الحالية حال نظرنا اليها عن قرب هي بين رجلين؛ أحدهما يمسك كافة زمام البلاد في يده، يمارس سلطات الإقالة والتعيين في كل يوم جديد، ويأتمر بأمره كل حملة السلاح، مقابل آخر يقبع سجيناً وحيداً لا يملك حق الخروج من باب منزله، أو حق الالتقاء بمن يريد! هو مشهد مختل في اقل وصف!

الانقلابيون يُصنفون من يستحقون الحرية ومن لا يستحقونها بدرجة توافقهم معهم! كل من يقول خيراً للعسكر، أو يصمت لن يقترب من الزنازين، وبالمقابل كل من يرفض أو يطالب بخروج الشارع أو يطالب بمحاسبة العسكر على الانقلاب، ستفتح له الزنازين وهي تصرخ في وجهه ألم يأتكم نذير؟

المشهد غاية في التعقيد، إلا أن الأمر الجلي أن الانقلاب العسكري هو ردة وانتكاسة في مسيرة التحول الديمقراطي بالبلاد! لن تحيا هذه البلاد حرة طالما زنازينها تفتح لتكميم الأفواه لا لمحاسبة المجرمين.
وفي واقعنا اليوم، الزنازين وحدها تخبرنا صدقاً، من هم انتهازيو السلطة، والكراسي، ومن يقفون مواقف الحرية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى