أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

دولة الكارتيلات والعصابات العابرة للحدود

بقلم: بكري الجاك

التعريف المتوافق عليه علميا في العلوم السياسية أن حزب الكارتيل السياسي هو الحزب الذي يستخدم كل موارد الدولة لضمان ديمومة وضعية اجتماعية و اقتصادية في ظل كل نظام سياسي، و تعريف الكارتيل اقتصاديا هو المنظومة التي خلقت من مجموعة اتفاقيات رسمية بين مجموعة من المنتجين لسلعة أو خدمة معينة للسيطرة على العرض كوسيلة للسيطرة على الاسعار، و من منظور آخر فإن الكارتيل يمكن أن يكون في صيغة أي مجموعة من الشركات أو الدول التي تعمل سويا وكأنها منتج واحد (single producer) لسلعة محددة من اجل التحكم في سعر السلعة التي ينتجونها لتفادي اي منافسة في السعر. أما في سياق الاقتصاد السياسي سياسة الكارتيلات تعني أن مصدر ودافع القرار السياسي هو مصالح مجموعة من الشركات أو الاجهزة أو العصابات التي تعمل من خلال واجهة لضمان استمرار واستدامة مصالحها.

في ظني أن الصراع السياسي في السودان في الوقت الراهن قد تخطى مرحلة تصنيفه في مربع التحالفات القائمة على الايدولوجيا والرؤي والمبادئ إلى مرحلة سيطرة ال cartel politics سياسات الكارتيل على المشهد برمته. المعنى المباشر لهذا التحليل أن هذا الانقلاب الذي واجهته البرهان الآن ليس هو محض تحالف انقلابي يدعي أنه يعمل على تصحيح مسار الثورة و لتفادي الاختناق السياسي والأثني كما ورد على لسان المتحدثين باسم هذا المشروع في وسائل الاعلام وفق نقاط الحديث (talking points) التي يبدو انها قد اعدت لهم ببراعة احترافية. الشاهد أن حقيقة هذا الانقلاب هو أن هذا التحالف هو تحالف كارتيلات تسعى إلى السيطرة على النظام السياسي بما يضمن استدامة مصالحها. فمجموعة شركات المنظومات الدفاعية (من بينها جياد وزادنا وسوداتل وسودابست) والتي اشترط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مراجعة عشرة منها بواسطة مراجع قانوني معترف به دوليا لضمان استمرار السودان في برنامج الدول الفقيرة المثقلة بالديون والمعرفة اختصارا بالهيبك HIPC (Heavily Indebted Poor Countries) و قد أكملت الحكومة الانتقالية مراجعة اثنين من هذه الشركات ورفضت البقية السماح بمراجعتها.

هذا الموضوع مقرونا بضعف التدفقات النقدية لشركات الصناعات الدفاعية جراء تطبيق سياسة توحيد سعر الصرف هو من الأسباب الخفية للانقلاب، مع العلم أن البنك المركزي كان قد رفض توفير خطاب ضمان لهذه الشركات للدخول في عملية استيراد واسعة بايعاز من رئيس الوزراء. وقد علمنا هذا اليوم أن البرهان قد قرر وضع يده على كل احتياطات السودان من النقد الاجنبي ووضعها تحت تصرف منظومة الشركات الدفاعية.

و للمضي قدما بهذا التحليل علينا القبول او التدبر في أن ما يحرك الصراع السياسي في الوقت الراهن من قبل القوى المعادية للانتقال الديمقراطي ليس بالضرورة هو معسكر الاسلاميين وتغلغلهم في جهاز الدولة والأجهزة الامنية وإن كان هذا واقعا ملموسا، بل في حقيقة الأمر يمكن القول إن المحرك الاساسي لهذا المعسكر هو مصالح الكارتيلات التي تخشي أن أي عملية ديمقراطية حقيقية ستفضي إلى مبدأ حق الشعب في معرفة موارده وكيفية توظيفها واتخاذ القرارات التي تحدد كيفية توظيف هذه الموارد وما يتبعها من شفافية ومحاسبة.

في هذا السياق حتى عملية ارجاع الكيزان إلى جهاز الدولة هي محض عملية استغلال لعدم وجود عمق سياسي واجتماعي لهذا التحالف الانقلابي. عمليا استخدام دولة الكارتيلات كمفهوم تحليلي يعني أن العوامل المحركة لهذا الصراع هي السيطرة على الموارد واستغلالها بواسطة مجموعة صغيرة توظف جهاز الدولة كواجهة لتبرير و تقنين عملياتها التي لا تغني احد سوى حفنة من المنتفعين. هذه الشركات يفوق عددها ال 250 شركة وعائداتها تتجاوز الاثنين مليار دولا سنويا.

أما شركات الدعم السريع اي شركات ابناء دقلو التي ايضا تعمل في الذهب والثروة الحيونية وغيرها فقد جعلت من بعض الدول في صدارة الدول المصدرة للذهب في حين أن هذه الدول ليس بها منجم واحد للذهب مثلما حولت منظومة الشركات الدفاعية بعض الدول كدول مصدرة للحوم مع أن هذه الدول في حقيقة الأمر تستورد لحوم من السودان. و بما أن الكارتيل عادة لا يعمل بمعزل عن عصابات دولية فيبدو أن كارتيلات الدولة السودانية قد وجدت هواها في بعض المافيا الروسية التي يقال إنها تدير ملف الحملة الاعلامية الآن في الخرطوم اذا صحت التقارير، و هذا يعني أن دولة الكارتيلات هذه قد بدأت تلعب على التناقضات الدولية.

خلاصة القول إنه إذا صحت الحقائق التي يقوم عليها هذا التحليل فعلينا الكف عن الاعتقاد أن هنالك فرق بين البرهان وأي ضابط رفيع أو صغير في ما يسمي بالجيش السوداني مثلما يتوهم أو يتوسم البعض في خروج ضابط نزيه يحيد سلاح هذه المؤسسة القاتلة ويحولها لمصلحة الشعب. في ظني أن مثل هذه التوقعات محض امنيات وأنه لا يوجد شيء اسمه القوات المسلحة سوي واجهة للاستهلاك الاعلامي و كل هذه المؤسسة اصبحت ضالعة في سياسة الكارتيلات بل هي في حقيقة الأمر مجموعة كارتيلات.

الدعم السريع و مجموعة أبناء دقلو كارتيل آخر وليس هنالك فرق بين هذه الكارتيلات سوي التنافس على الموراد التي هي في الاصل مقدرات وثروات الشعب السوداني. أهمية هذه الخلاصة أن تحالف الكارتيلات ليس له أي وازع أخلاقي أو منطق تسبيب موضوعي سوى كيفية السيطرة على الموارد وهذا التحالف يمكن أن يفعل اي شئ للدفاع عن هذه المصالح وقد يقتل ويشرد (كما فعل) إذا استدعى الأمر، وقد يتراجع و يعمل في الخفاء إذا كان ذلك هو الوضع الامثل لحماية هذه المصالح.

وعليه، ولكل من يتوقع أي شئ من الجيش اذا ما تم ابعاد البرهان الرجاء اعادة التفكير في هذا المنطق. فهذه ليست مؤسسة بل محض كارتيل مصالح فما بعد البرهان هو محض برهان آخر. التحدي الأكبر هو أن التعاطي مع هذه الكارتيلات العابرة للحدود حينما تسيطر على جهاز الدولة سيتطلب استراتيجية متعددة المداخل.

في تقديري أنه آن الاوان للعمل على إعلان الدعم السريع كقوة ارهابية و العمل علي محاصرة موراده في كل مكان، اعتقد ايضا أنه آن الاوان الي محاصرة منظومة الصناعات الدفاعية و شركاتها و اعلانها شركات لغسيل الأموال و دعم الفساد المؤسسي و الأرهاب و العمل علي السيطرة عليها بواسطة آليات دولية اذا استدعي الأمر، كما علينا محاصرة البرهان و من علي رأس هذه الشركات بقرارات نافذة للسيطرة علي أموالهم و حظرهم من السفر و اعلانهم كشخصيات ارهابية مطلوبة دوليا.

بكري الجاك 31 اكتوبر 2021

‫2 تعليقات

  1. حليل السودان يا بكري الجاك
    لو استمر الحال علي ما هو عليه
    سنعود إلى فترة دولة محمد علي
    عبيد وذهب وباشبوزق ممثلين في البرهان وحميتي وكورجة الحركات المسلحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى