أخبارتقارير وتحقيقات

«التغيير» ترصد الردة في الحريات العامة والصحفية بعد الانقلاب العسكري

رباح الصادق: تعاملوا مع الصحافة كأنها "جريمة"

التغيير: أمل محمد الحسن

رصدت “التغيير الالكترونية” في تحقيق لها، الانتهاكات المتواصلة للسلطات الانقلابية، بحق الاعلام والحريات العامة، وهي في أغلبها تكشف حالة واسعة من القمع والخوف من التغطية الصحافية وتواصل السودانيين مع بعضهم بعضاً من جهة، والفضاء الخارجي من جهة ثانية.

وسحبت السلطة الانقلابية التردد الخاص بعدد من الإذاعات الخارجية مثل هيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي”، ومونتي كارلو وراديو سوا، وتردد إذاعة “هلا 96” المحلية.

وأُغلقت وكالة السودان للأنباء (سونا) لـ11 يوماً، الأمر الذي لم يحدث لأكثر من نصف قرن. كما اقتحمت “6” تاتشرات مبنى صحيفة الديمقراطي وأغلقته.

“نتعرض للتهديد من الأجهزة الأمنية واستخبارات الجيش”. هذا ما صرح به مصدر رفيع بإحدى القنوات الخاصة، مطالباً بعدم الكشف عن اسمه.
وقال لـ”التغيير” إن “الأجهزة الأمنية تُهددنا بعبارة: سنقوم باتخاذ إجراءات”، كاشفاً عن أن تعليقاتهم تطال حتى الضيوف!

تهديد القنوات الخارجية

 

رصدنا اعتقال عدد من ضيوف البث المباشر فور خروجهم من مكاتب قناة الحزيرة، مثل المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وهو ما يُؤكد، بحسب الكاتب الصحفي حيدر المكاشفي، رصد الأجهزة الأمنية للقنوات الخارجية.
وفي الثالث عشر من نوفمبر الجاري، اعتقلت الاستخبارات العسكرية الصحفي السابق بصحيفة التغيير، شوقي عبد العظيم بعد خروجه أيضاً من استضافة بمكاتب قناة الجزيرة بالخرطوم.
اقتيد عبد العظيم لمكان مجهول بعد عصب عينيه، حيث تم اكراهه على التوقيع على اقرار بعدم إثارة الكراهية ضد القوات النظامية!

وكشف المكاشفي أيضاً، عن تعطيل نظاميين لعمل مصور قناة التلفزيون العربي ليومين على خلفية مصادرة كاميرته لأنه اعتلى بناية عالية ليتمكن من التصوير!

من جهة أخرى، سُحب التردد الخاص بعدد من الإذاعات الخارجية مثل الـ”بي بي سي” ومونتي كارلو إلى جانب راديو سوا، بحسب ما أفادت الإعلامية درة قمبو التي أكدت سحب تردد إذاعة “هلا 96” المحلية أيضاً.

اجراءات القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان في ٢٥ اكتوبر الماضي، أعادت البلاد إلى ما قبل سقوط البشير، وفق المكاشفي، الذي أضاف أن أوضاع الحريات بشكل عام والصحفية بصورة خاصة، تعتبر اسوأ من ايام “البشير”.
وأشار المكاشفي إلى اقتحام الأجهزة النظامية لصحيفة الديمقراطي وقطع خدمة الانترنت، والتمسك بعدم إعادتها رغم صدور قرارات قضائية. ولفت إلى تصريحات المستشار الاعلامي القائد العام للجيش، طاهر ابو هاجة الذي قال إن قرار إعادة الانترنت مكانه ليس المحاكم!

سقوط الشبكة العنكبوتية

قرار قطع الانترنت، إلى جانب أسباب أخرى، تسبب في تأخر صدور عدد كبير من الصحف عن الصدور، واعتبرته الإعلامية درة قمبو بأنه انتهاك لحقوق الإنسان قبل أن يكون انتهاكاً لحقوق الإعلاميين.

اتفق مع درة والمكاشفي، رئيس تحرير صحيفة السوداني عطاف محمد مختار الذي أكد أن الصحف تعيش أوضاعاً صعبة مع انقطاع الانترنت، مؤكداً أنه حق اقرته الوثيقة الدستورية إلى جانب مواثيق الأمم المتحدة.
وأعرب مختار عن استيائه مما وصفه بأنه “ضرب وقار المحكمة”!
عادت المحكمة وأصدرت قراراً جديداً بإعادة خدمة الانترنت، واجهته السلطة الانقلابية بإرسال قوات أمنية إلى شركات الاتصالات، وفق مصادر مؤكدة تحدثت لـ”التغيير”، منعتهم الامتثال لأوامر المحكمة وسلمتهم قرارات من جهاز تنظيم الاتصالات يفيد أن الحكومة وحدها تُحدد عودة الانترنت من عدمه.
قدمت إحدى شركات الاتصالات الكبيرة عريضة جديدة للمحكمة ذكرت فيها أن عدم قدرتها على إعادة الانترنت سببه ضغوطات الأمن والحكومة، الأمر الذي لم تقبله المحكمة أيضا ورأت أن إعادة الانترنت واجبة وفورا!

أول اغلاق منذ نصف قرن

ما حدث من إغلاق لوكالة الانباء الرسمية (سونا) هو أمر لم يحدث منذ نصف قرن وفق تصريحات سابقة لمدير الوكالة السابق، محمد عبد الحميد ل”التغيير”.
ووفق روايته جاءت قوات حوالي الثالثة صباحا من يوم الانقلاب وقامت بإخراج جميع العاملين وإغلاق مباني الوكالة طيلة ١١ يوما.
“أطول إغلاق حدث في تاريخ الوكالة استمر ٦ ساعات في العملية المعروفة باسم “المرتزقة” في سبعينات القرن الماضي بحسب افادات قمبو.
وعددت قمبو أحداثاً كبيرة في التاريخ السوداني شملت عدداً من الانقلابات العسكرية (انقلاب نميري، وسقوط البشير، وأحداث فض اعتصام القيادة العامة)، مشيرة إلى أن جميع الأحداث لم تحمل “سونا” على اغلاق ابوابها!

وقطعت قمبو بأن ما حدث لسونا وصمة على جبين الانقلاب العسكري المليء بالندوب، على حد تعبيرها.

اقتحام الديمقراطي

اقتحمت أجهزة أمنية مبنى صحيفة الديمقراطي بمدينة بحري يوم الانقلاب العسكري، الأمر الذي أرسل رسائل واضحة عن طريقة تعامل الانقلابيين مع الصحف والصحفيين.
وقال أحد المحررين بالصحيفة لـ”التغيير” إن “التاتشرات” التي اقتحمت الصحيفة وضعت أقفال جديدة على المبنى، ونصبت حراسة في المدخل.
“تعاملوا مع الصحافة كـ”جريمة”، “روعوا الصحفيين الذين كانت لديهم آراء حول الانقلاب الزاحف”، هذا ما قالته نائبة رئيس تحرير صحيفة الديمقراطي، رباح الصادق لـ”التغيير”.
وعن حادثة الاقتحام، قالت إن هناك عدداً من التاتشرات “6” اقتحمت مبنى الصحيفة وكانوا يحملون قائمة بأسماء عدد من الصحفيين والإداريين على رأسهم رئيس التحرير، الحاج وراق.
وأكدت الصادق أن القوات الأمنية لم تتوقف عند مدخل مبنى الصحيفة، بل وصلت إلى منازل المدونين في قائمتهم. وأكدت” لم يتم اعتقال أي شخص منهم حتى الآن”.
وقطعت الصادق أن الصحيفة حذرت من ارهاصات الإنقلاب قاطعة بتنكيل الانقلابيين بكل من انتقدهم.
“ما حدث للديمقراطي دليل سافر عن انعدام نوايا التحول الديمقراطي أو الحرية”، كما أشارت الصادق، مضيفة أن “الإنقاذ نفسها أخذت وقتاً طويلاً لتصل إلى ما يفعله المكون العسكري الآن!

أول استدعاء لصحفي

“رفضت الامتثال للاستدعاء” هذا ما أكده مراسل الشرق الاوسط، أحمد يونس، والذي كتب في سياق تقرير ونشر في الوسائط الاجتماعية خبر استدعائه من الامين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات.
وراج في وسائط التواصل الاجتماعية أن مراسل الشرق الأوسط تعرض للاستدعاء بسبب تقرير نشره حول اصطدام المكون العسكري بصمود حمدوك.
وبرر يونس رفضه بأنه سيقبل فقط أي اجراء قانوني عبر القنوات الرسمية، مضيفاً: “اذا كان هناك اجراء أمني فلتأتي تاتشر (عربات دفع رباعي عسكرية) لتأخذني”!
وقال يونس لـ”التغيير”: قررت عدم الاستجابة لأي استدعاء هاتفي من أي جهة، مقترحاً على زملائه الإعلاميين حذو حذوه.
وزاد: “لابد أن يتم الاستدعاء من جهة قانونية مع توضيح الأسباب”.

من جانبه، أكد الامين العام المكلف لمجلس الصحافة والمطبوعات، عبد العظيم عوض، آخر أمين عام للمجلس في عهد المخلوع “البشير” أن الاستدعاء كان روتينيا.
وقال لـ”التغيير”: “لا يوجد استدعاء”! مشيراً إلى أنه طلب لقائه من اجل ترتيبات اوضاع المكاتب الخارجية، قاطعاً بأن الامر ليس له علاقة بالمحتوى!
وحول اقتحام قوات نظامية لصحيفة الديمقراطي، قطع عوض بعدم علمه، قائلاً: “لا علم لدي، اليوم سألت عن الديمقراطي والحداثة، لا أحد يملك أجوبة!”، مطالباً ادارة الصحيفة بتقديم شكوى للمجلس.
واضاف أن “ملف الديمقراطي من أكثر الملفات “النظيفة” لدينا في المجلس”.
الأمين العام لمجلس الصحافة، استدعى رؤساء تحرير ل”الجلوس معهم” وفق المكاشفي، الذي كشف عن إعلانه امتعاضه من أحد الأعمدة الصحفية “فيها شدة”!
ووصف المكاشفي هذه التدابير ب”التمهيد” للعودة لاسوأ مما كان في عهد الانقاذ!
وقال لـ”التغيير”: ما يحدث ردة كبيرة، متوقعا زيادة ما وصفها ب”،الهجمة الشرسة” على الحريات العامة إلى جانب استمرار الكبت والقمع.
“جميع الالتزامات التي قالها البرهان هي للاستهلاك السياسي فقط “كلام ساكت”! قاطعا بأن جميع التصرفات تنافي الاقوال
واتفق المكاشفي مع قمبو حول أن التضييق على كافة الحريات العامة، مشيرا إلى القمع المفرط “المميت” لمواكب الاحتجاجات السلمية.
انتفت عن الأجهزة الإعلامية المملوكة للدولة صفة القومية فور انصياعها لسلطة الانقلابيين، وفق قمبو التي كشفت ل”التغيير” أن من يدير تلفزيون السودان حالياً ضابط في الجيش برتبة عميد.
من جهة ثانية، أكدت مصادر لـ”التغيير” عن جلب سيارات الجيش فجر الانقلاب لعدد من موظفي التلفزيون القومي الذين أُقيلوا عبر لجنة إزالة التمكين لانتمائهم للنظام السابق.
وأكد الكاتب الصحفي حيدر المكاشفي سيطرة الحكومة الانقلابية الكاملة على جميع الأجهزة الإعلامية المملوكة للدولة.

تهديدات برهان

بيان القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان الذي تلاه يوم انقلابه العسكري شمل تهديدات واضحة للصحفيين وفق ما أفاد رئيس تحرير صحيفة السوداني عطاف محمد مختار.
وأكد مختار لـ”التغيير” الرفض التام لأي تهديدات بالاعتقالات أو إغالق الصحف. وأضاف أن “هذه حقوق اكتسبناها عبر ثورة ديسمبر المجيدة وليست منحة تعطى وتسحب وقتما يشاء العسكر”.
لكن مختار لم يستبعد أن تتعرض الصحافة للقمع الشديد حال مواصلة الانقلاب لخطواته في تشكيل الحكومة، متفقاً مع المكاشفي حول أن القمع “المميت” أكبر “برهان” على ذلك.
وقال مختار إن الأنظمة الشمولية تعمل بشكل دائم على تركيع الصحف أو إغلاقها.
سيواصل الشعب السوداني جنباً إلى جنب مع الصحفيين الشرفاء مناهضتهم للانقلاب العسكري وفق ما قال المكاشفي.
وأكد الكاتب الصحفي لـ”التغيير” أن الصحيفة التي يعمل بها لديها خط إعلامي واضح ضد الإنقلاب، قاطعاً باستمرارهم في هذا النهج. “لا يوجد شخص يمكن أن يؤيد انقلاباً عسكرياً ويقف ضد التحول الديمقراطي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى