أخبارأعمدة ومقالات

العبرة بالنتائج و ليس بالنوايا: بحمدوك أو بغيره الثورة السودانية ماضية إلى غاياتها

بكري الجاك

علم النفس الاجتماعي قدم فتوحات معرفية عظيمة في العقود الماضية وتحديدا كتابات مؤسسهDu Bois دو بويز ( في أواخر القرن التاسع عشر) عن ظاهرة ال Double Conscience التي يمكن أن تترجم الي الازدواجية الضميرية في تفسير علاقة العبيد المحررين و وأحفادهم في علاقتهم مع امريكا البلد التي استعبدتهم لاربعة قرون و في عام 1865 بعد الحرب الاهلية قالت لهم انتم أحرار و مواطنين أمريكيين لكنكم لا تتمتعون بالحقوق المدنية الكاملة للمواطنة. ظاهرة الازدواجية الضميرية مازالت تطبع و تفسر علاقة المواطنين الامريكيين من أصول افريقية و السود عموما الي يومنا هذا، و في جوهرها الظاهرة تتحدث عن هذه العلاقة المعقدة مع منظومة ظالمة في كل مستوياتها و رغم ذلك اساس مطالبة الفرد باي حق في اصلاحها هو تمسككه بمبدأ المواطنة المتساوية فيها.

من أهم الفتوحات التي قدمها علم النفس الاجتماعي الحديث هي نقل الحديث عن كافة اشكال التمييز من تمييز عرقي و نوعي و جغرافي الي أنه ليس له علاقة بالنوايا، فمثلا ليس بالضرورة أن يكون الانسان عنصريا في نواياه عندما يقوم بممارسة العنصرية و ليس بالضرورة أن يكون الرجل ينوي ان يكون ذكوريا و مسيوجنست حينما يمارس الذكورية و ال misogyny ، المهم هو نتائج افعال الناس و ليس نواياهم، فاذا كان النظام الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي يقوم بعنصرية و بتمييز مؤسسي ضد الاقليات و النساء فليس بالضرورة أن يكون هذا النظام يفكر فعليا في ممارسة التمييز العنصري و التمييز النوعي بل يكفي أن نتائج تصميماته، التي تقدم علي أنها موضوعية و محايدة، تؤدي الي تحقيق نتائج غير عادلة علي بعض الأطراف.

هذه المقدمة ضرورية لقول أنه ليس من المفاجيء أن تكون هنالك حالة احباط و جذع و عدم القدرة علي فهم لماذا فعل الدكتور عبد الله حمدوك هذه الفعلة. البشر بطبعهم يشكلون توجهاتهم و ارائهم علي أسس عاطفية و غير موضوعية في أغلب الاحايين و ما حدث هو قد يكون صادما للكثيرين و خصوصا مع عدم وجود تفسير له. أولا و قبل كل شيء يجب الكف عن التعامل مع الناس اما شر مطلق أو خير مطلق، و بناءا عليه أتمني أن يتوقف الناس من ممارسة هذا التشفي وممارسة التفوق الاخلاقي و الفكري من شاكلة “ما قلنا ليكم” لأنه لا جدوي له، فيمكن أن نأتي بمن قال أن هذه الدولة السودانية ولدت فاشلة و سترواح مكانها في آتون الفشل منذ الستينات فهل لنا أن نحتفي بنجاعة و مدي بصيرة مثل هذه الأقوال التي مازالت صحيحة بعد 65 عاما (راجعوا خطاب نهرو في لقاءه مع قادة دول عدم الانحياز في الخمسينات و تحديدا في نبوءته عن علاقة الجيوش بالحكم) . ثانيا، الاجابة علي سؤال لماذا فعل حمدوك ما فعل من توقيعه علي ورقة أدق وصف لها أنها موافقة كاملة علي الترتيبات الانقلابية و ربما أكثر هو غير ذي جدوي لأنه يدخل في محاولة فهم النوايا و الدوافع. في تقديري من الاجدي أن يكف الناس عن وصفه باتفاق فالاتفاق لا يتماهي فيه طرف مع شروط طرف آخر، ما حدث يسمي merger اندماج من غير شروط في علم الادارة و المنظمات. اندماج حمدوك في مشروع الانقلابيين هو ما حدث و الورقة التي وقع عليها هي تقنين لهذا الاندماج بين شخص واحد لم يكن له وجود في الساحة السياسية السودانية قبل عامين، تخيلوا لو وقع حمدوك مثل هذا الاتفاق مع المجلس العكسري الانتقالي في يونيو 2019 ماذا كان سيعني؟ حتما لا شيء. الغوص في نوايا حمدوك و مدي نزاهته و أنه ربما له دوافع أكبر من قدرات البشر العاديين فهمها غير مجدي، فسوءا فعل ذلك باتفاق مرتب قبل الانقلاب للتمكن من حل الحكومة الأمر الذي اراده البرهان لأن الوثيقة لا تعطيه حق حل و تكوين حكومة دون التشاور مع قوي الحرية و التغيير و هذا ما أومأ له وزير العدل قبل يومين من الانقلاب عن وجود تخريج قانوني لحل الحكومة، أو أن الانقلابيون كانو علي وشك الأقتتال و أن حميدتي قد أسيء له بواسطة قادة الجيش و ان شقيقه تدخل لوقف الاشتباك الوشيك أو غيرها من نظريات الشيخ بله الغايب. كل هذه النظريات لا تفيد في شيء بما في ذلك نوايا حمدوك و دفاعه عن نفسه في لقاءه مع قناة الجزيرة مثل قوله أنه ليس له مصلحة شخصية، وهذا كلام للاستهلاك السياسي فلا يوجد انسان علي هذه البسيطة لا تحركه مصالحه الذاتية حتي و ان كان فعل الخير لمجرد الشعور بالرضا من فعل الخير او لحصد نقاط تساعد في سجل الدخول للجنة، حمدوك له مصالح شخصية يعرفها هو افضل من غيره و اذا اردنا يمكن أن نخوض في بعضها في مقام آخر.

الأهم هو ليس نوايا حمدوك و دوافعه في فعلته بادعاءه انها نيابة عن مصلحة السودانيين الذين لم يكلف نفسه بسماع صوتهم قبل أن يوقع علي شرعنة الانقلاب.
21:20

Reply
Edit
Copy Selected Text
Pin
Forward
Select
Delete
المهم في هذه اللحظة هي النتائج التي ستترتب علي هذه التسوية التي هندسها حمدوك و اندمج فيها في معسكر الانقلابيين، صحيح أن هنالك حالة احباط و دهشة و قد يحدث تراجع في المد الثوري لفترة مؤقته نتيجة لهذه الحالة النفسية. أما من ناحية موضوعية فاذا كان هنالك محكمة دستورية فلا مجلس السيادة الجديد و لا اتفاق برهان حمدوك الذي تأسس علي العواسة القانونية التي تمت منذ الخامس و العشرين من اكتوبر و لا السلطة التي ستقوم عليها تتمتع بأي شرعية دستورية، ربما سيحتاج البرهان الي مراسيم دستورية تقنن للانقلاب و الي ذلك الحين فهذه سلطة الأمر الواقع و القوة و السلاح. و هذا النظام قيد التأسيس سيواجه بنفس مشكلة الانقلابيين قبل انضمام حمدوك حيث لا شرعية اجتماعية و لا قاعدة له حتي و ان انضم له مولانا و احزاب الأنقاذ المعروفة فثورة ديسمبر اسقطت حكومة البشير و كان حزب مولانا و مجموعة من الاحزاب الوهمية طرفا فيها. ايضا هذا النظام لا رؤية و لا برنامج له سوي خطرفات برهان و دقلو التي لا ترقي حتي الي خطب و رقيص البشير مع بعض من الكلام الرزين الذي يبدو أن له معني و ما أن تتأمل فيه الا أن تجده فارغا من اي معني أو محتوي أو قيمة و هذا ما سيقوم به حمدوك.

خلاصة القول، أن حالة الطورايء ما زالت سارية، و أن الكارتيلات التي تتحكم في مقدرات السودان و موراده و تتخفي وراء الاجهزة المسلحة و الأمنية ستظل تعمل في تخريب و سرقة الاقتصاد لصالح مافيات عابرة للحدود، القوانين المقيدة للحريات ما زالت فاعلة و سارية و اي فرد منا يمكن أن يحاكم بمواد مثل اهانة المؤسسة العسكرية أو تقويض النظام الدستوري أو قانون المعلوماتيه، هذا المناخ سوف لن يحدث استقرار سياسي و ليس هنالك اي مقوم موضوعي لتوقع حدوث انفراج اقتصادي و توسع دائرة الانتاج و دخول استثمارات أجنبية للبلاد أو تحسن في البنية التحتية، و ستظل الحياة العامة شبه مشلولة مع التردي العام في الخدمات و الصحة و التعليم و فساد و شبه انهيار جهاز الدولة. هذا هو الواقع المادي علي الأرض و ليس بمقدور حمدوك تغييره بانضمامه الي معسكر الانقلابيين فهو كان رئيس للوزراء و جالسا علي رأس هذا الخراب لعامين و يزيد، و ليته يكف عن الحديث عن الانتقال الديمقراطي و حقن دماء السودانيين و غيرها من العبارات الفارغة، فلا دم سيحقن و لا انتقال ديمقراطي سيتم و لا عدالة ستتحقق ولا انتخابات نزيهة ستقوم و لا بناء مؤسسي و اصلاح لجهاز الدولة سيتم بل سيتستمر الفساد و التهرب من العقاب. البناء لا يتم بالخطب و بالتمني و بالمرواغة و بادعاء الحكمة بل برؤية واضحة و شفافة و تشاركية يصنعها أصحاب المصلحة في التغيير من السودانيات و السودانيين و بآليات محددة و معرّفة و متوافق عليها، أصحاب المصلحة ما زالوا في الشوارع و يهتفون حرية سلام و عدالة و اذا اراد حمدوك فيمكنه الانضمام اليهم سوي ذلك عليه أن يكف عن الحديث باسمهم.

بكري الجاك
22 نوفمبر 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى