أخبارأعمدة ومقالات

ثانياً: المشهد بعد اتفاق البرهان– حمدوك

عبد الرحمن الغالي

ثانياً: المشهد بعد اتفاق البرهان– حمدوك

عبد الرحمن الغالي

(1)

عاملان دفعا العسكر دفعاً للاستيلاء على السلطة. عامل داخلي وعامل خارجي. أما الداخلي فهو خوف قادة الجيشين: الجيش السوداني والدعم السريع من المساءلة على جرائم ارتكباها قبل الثورة وبعدها لا سيما فض الاعتصام. ثم الخوف من زوال الامتيازات السياسية والاقتصادية ( الشركات والاستثمارات الخاصة– الذهب الخ) هذا فضلاً عن مخاوف قائد الدعم السريع على مصير جيشه.

أما العامل الخارجي فهو التحريض- المستمر من بعض دول المحور والاقليم وروسيا للمكونين العسكريين أو لأحدهما حسب ارتباط كل دولة بكل مكون– لاستلام السلطة.

كل حجج الانقلاب الأخرى إنما هي مبررات واهية، فتداعيات سلام جوبا ومشكلة مسار الشرق صناعة عسكرية والحكومة الحزبية بدلاً عن المستقلة كذلك والانفلات الأمني والفشل الاقتصادي كل ذلك وغيره للمكون العسكري النصيب الأوفى فيها.

(2)

لم تبذل القوى السياسية جهداً في مخاطبة تلك المهددات التي كان من الواضح أنها ستفضي للانقلاب. لم يتحدث أحد بجدية عن خطة للعدالة الانتقالية توازن بين الاستقرار وتحقيق العدالة ولا عن  دمج كل الجيوش في الجيش القومي بعقيدة عسكرية واحدة وتركيبة قومية لجيش مهني غير مسيس عبر خطة ممرحلة عملية متفاوض عليها عبر حوار قومي.  هذا اذ استثنيا التنبيه المتواصل للإمام الصادق المهدي عليه الرحمة والرضوان على تلك القضايا.

كان يمكن للقوى السياسية أن تبتدر تلك العملية التصالحية التطمينية لتمنع ارتماء العسكر في أحضان دول المحور واسرائيل.

لذلك تضافر العاملان: مخاوف ومطامع القيادة العسكرية من جهة والتحريض الخارجي فوقع الانقلاب.

(3)

وبعيداً عن نظرية المؤامرة فقد لعب حمدوك ( ولا أغفل الأدوار السالبة والمستهترة للقوى السياسية والمهنية) دوراً سالباً هيأ البلاد لهذه الكارثة بالآتي:

  • لم يستغل الزخم والتأييد الشعبي الكبير والسلطات الكبيرة التي منحتها له الوثيقة الدستورية ليتمدد فيها ويحجّم دور المكون العسكري بل تنازل طواعية عن حقه في إدارة السلام والاقتصاد والعلاقات الخارجية للعسكر، بل قبل أن يكون عضواً في الآلية الاقتصادية التي رأسها حميدتي.
  • عمل على تجاهل حاضنته السياسية بل وعلى تمزيقها ربما طمعاً في التحرر من قيودها في الالتزام ببرنامج وشعارات الثورة أو لعدم اتفاقه مع تلك البرامج أو لأي سبب آخر . وبغض النظر عن السبب كانت النتيجة إضعاف تأثير الحاضنة كجسم يحرس أهداف الثورة. ومرة أخرى لا أبرئ الحاضنة من الضعف والانصرافية وتغليب الأجندة الخاصة.
  • طريقة إدارته التي تميزت بسلبيات كثيرة منها الغموض والتحرك المنفرد والتردد وعدم مصارحة الشارع بالمشاكل كل ذلك حيّد الدور الشعبي الداعم في مواجهة المكون العسكري كما خلق فجوة ثقة فيه: مرة في قدرته ومرة في نواياه. هذا مع البرود تجاه قضايا الشعب الحقيقية وانصرافه لأجندة أعطت الانطباع باختلال سلم الأولويات عنده، فقد حدثت مشاكل قبلية واحترقت أطراف السودان المختلفة فلم يخرج ليقف مع مواطنيه في أقاليم السودان المختلفة. ولم يقم طوال فترة حكمه بزيارة جماهيرية لأية ولاية ولم يعقد مؤتمرات صحفية مفتوحة يجاوب فيها على استفسارات الصحافيين والرأي العام.
  • ثم جاءت مبادرته لحل الأزمة الوطنية التي قدم فيها تشخيصاً للأزمة تضمن تعداد أوجه الفشل في المرحلة الانتقالية ولكنه عندما أراد علاج الأزمة انصرف عن التشخيص ليقدم وصفة تقوم على تكوين كتلة انتقالية جديدة لحل الأزمة. وبرز ما يقصده حينما شكل آلية لمبادرته ضمت رموز من المؤتمر الوطني في الإدارة الأهلية والطرق الصوفية، فاتضح جوهر مبادرته وهي: فشل الفترة الانتقالية (من حيث التشخيص) وتوسيع قاعدة الكتلة الانتقالية لتضم الجميع بما فيهم رموز من النظام البائد ( من حيث العلاج) وهذا يتناغم مع المكون العسكري في أمرين:

الأول: تحميل القوى السياسية مسؤولية فشل الفترة الانتقالية بسبب صراعاتها.

الثاني: الانتقال لحاضنة جديدة تقلص نفوذ الحرية والتغيير أو تستبعدها بالكلية.

وبالطبع كان العسكر قد عملوا على استبدال الحاضنة السياسية بعد اتفاق جوبا بالتحالف مع الحركات المسلحة وتكوين مجلس الشركاء والذي كان مبرر تكوينه هو حل الخلافات ولكن عندما نشبت تم حله!!

كل ذلك أشار إلى توافق أجندة حمدوك مع أجندة العسكر في إضعاف الحرية والتغيير بالاستعانة بالحركات المسلحة عبر شركاء السلام اضافة لاستعانة العسكر بالادارة الأهلية والطرق الصوفية وبعض انتهازيي النظام البائد وبلغ قمة ذلك في اعتصام القصر تمهيداً للانقلاب.

كان تلاقي أجندة حمدوك مع أجندة العسكر واضحاً بالنسبة لي ولكني كنت أظن أن إخراج حل الحكومة وإضعاف (قحت) وتمديد أمد الفترة الانتقالية وموعد تسليم رئاسة السيادي للمدنيين يمكن إخراجه بصورة مدنية أكثر ذكاءً من رعونة الانقلاب العسكري الذي يعني بالنسبة للعسكر مغامرة كبيرة بفرص نجاح محدودة يمكن أن تطيح بمكتسباتهم. أما بالنسبة لحمدوك فإن مسايرة الانقلاب تعني احتراقاً كاملاً.

(4)

واجه الشعب السوداني الانقلاب منذ لحظته الأولى بقوة وبسالة وتلقائية وتوحد هزت الأرض تحت أقدام العسكر وسادتهم الاقليميين، كما كان للموقف الغربي والأمريكي تحديداً دوراً معارضاً حاسماً ربما لم يكن في بال صناع الانقلاب ورعاته الاقليميين أعاد للأذهان مواقف إدارة بايدن التي اختلفت مع بعض دول الخليج في التطبيع مع سوريا وحرب اليمن وأزمة لبنان واختلفت مع مصر في ملف حقوق الانسان وغيرها ومع اسرائيل.

ارتبك الانقلاب فلم يستطع التقدم في اجراءاته تحت ضغط الشارع ، فلم يعيّن مجلس السيادة ولا شكّل حكومة وزاد الضغط الأمريكي على دول المحور وتوالت الادانات وتعليق عضوية السودان في الاتحاد الافريقي  والعقوبات الاقتصادية وتعليق المساعدات وبدا واضحاً فشل الانقلاب بعد عزلتيه الوطنية والدولية واحجام الحلفاء عن الجهر بمساعدته .

في تلك اللحظات اقترحت على بعض النافذين الساعين في المبادرات الوطنية الطرق على الحديد وهو ساخن قبل أن يعين البرهان تحت ضغط حاضنته العسكرية او الاقليمية رئيس وزراء او مجلس سيادي يعقد المشهد ويصعد الرفض الذي سيعقبه الدم. اقترحت أن يتصلوا بالوسطاء الأمميين والافارقة ويعلنوا أنهم عملوا ما في وسعهم ولم يثمر جهدهم وعليه تدعوا الوساطة الخارجية الاطراف للجلوس للطاولة المفاوضات لا سيما وان جميع الاطراف الخارجية وقتها كانت تصر على عودة الوثيقة الدستورية ورئيس الوزراء وحكومته. كان الهدف من هذا المقترح:

– قطع  الطريق على تعيينات الانقلابيين التي يصعب تراجعهم عنها.

– ضرورة الوساطة الخارجية لانعدام الثقة في المكون العسكري مما يستوجب ضامناً خارجياً له قوة حماية الاتفاق بشروط جزائية

– فجوة الثقة وتزايد الغضب الشعبي يتطلب رافعة خارجية لصعوبة الجلوس مع العسكر أثناء القتل والاعتقال.

– توفر الوساطة الخارجية فرصة لايقاف القتل أثناء الاحتجاجات كما توفر تهيئة المناخ باطلاق سراح المعتقلين وكل ذلك كان ممكناً قبل التمادي في القتل في المواكب التالية.

كنت أرى أن الحد الأدنى المقبول للقوى المدنية الديمقراطية هو العودة لما قبل 25 أكتوبر من حيث رئاسة الوزراء والحكومة والوثيقة الدستورية والوظائف التي تم اعفاء شاغليها بقرارات البرهان ثم بعد ذلك تنخرط الأطراف في مناقشة جذور المشكلة في حوار حر في جو محمي.

للأسف لم يحدث ذلك بل حدث الأسوأ: أعطت المبادرات الوطنية زمناً للعسكر وانتهت برضوخ تلك المبادرات لكل شروط العسكر.

(5)

مثّل أتفاق البرهان/ حمدوك ضربة للشارع السوداني ولدعاة التحول الديمقراطي ومن أهم نتائج تلك الضربة:

o       حرق رمزية حمدوك كرمز مدني غير حزبي يقبل به الجميع  ويوحدهم رغم عيوبه.

o      احباط قطاع محدود من جماهير الشعب وما يتبع ذلك من مخاوف تحييد هذا القطاع.

o      أهم الضربات هي شرعنة الانقلاب خارجياً وترحيب أغلب المجتمع الدولي بالاتفاق وما يتبع ذلك رفع للعقوبات وأعطاء الضوء الأخضر للكفيل بتمويل حكومة الأنقلاب بعد أن افلح الضغط الغربي في كف أيدي دول المحور ولو في الظاهر. رفع حمدوك عبء معارضة الانقلاب عن الدول والمنظمات التي اكتفت بمظهر الاتفاق دون جوهره الذي شرعن الانقلاب.

o      فتح الباب للانتهازيين لمباركة الأنقلاب بعد امتناعهم عن ذلك وبعد ورفض الكثيرين لقبول تعييناته.

ولكن رغم ذلك فلن يكون الطريق ممهداً أمام الانقلابيين:

– فالشارع السوداني ما زال رافضاً في أغلبيته الساحقة للانقلاب.

– وحراك الشارع لم يهدأ بل أستفزه الاتفاق، والتعامل مع الشارع بالعنف له كلفة شعبية اذ يزيد السخط وعزلة الحكومة داخلياً ويعيد الضغوط الخارجية أما اذا تعامل الانقلابيون مع الحراك باللين فسيزيد ذلك من زخم الحراك وتمدده.

– كما ان غياب حاضنة سياسية سيعقد من المشهد وربما أتاح ذلك تسلل عناصر من النظام البائد والاسلامويين الذين سيزيد ظهورهم من عزلة النظام.

– وكسنة الانقلابات العسكرية: اذا استتب الأمر للنظام الانقلابي فلا بد أن يحدث الخلاف على قيادة النظام بين رأسي المكون العسكري هذا فضلاً عن التحديات السياسية  والاقتصادية  والأمنية والاجتماعية المعقدة في ظل شح الموارد وغياب الكادر السياسي ودعوات العصيان المدني المتكررة وفتور الحماس الوطني للعمل ضمن منظومة الحكومة الجديدة اذا استطاع حمدوك تشكيلها في وقت سريع.

– أي نظام يعتمد في بقائه فقط على حاضنة أجنبية دون قاعدة أجتماعية أو سياسية سيكون عرضة للزوال في عالم تتسارع فيه التغيّرات.

هذه بعض تحديات وتعقيدات المشهد وسنتابع في المرات القادمة آفاق الحلول والمخرج من هذا المأزق الراهن ان شاء الله تعالى.

تعليق واحد

  1. العسكر سلب السودانيين الكثير من حقوقهم الأساسية وكلما سلب حقا للشعب تشجع ليسلب المزيد منه ومن هذه الحقوق التي سلبها العسكر من الشعب بدون وجه حق :
    الحقوق الاقتصادية
    حيث ينال كل عسكري ما بين ثلاثة أضعاف الى خمسين ضعف ما يناله المواطن المدني من الاقتصاد وتشمل الرواتب ودعم كل السلع وتأمين صحي كامل ومكافات وهبات وبعض العسكر أصبح لديهم كوتونات اقتصادية لا تخضع لسلطة الدولة وهذه سرقة علنية وفساد علني لهذا يرفضون مكاشفة المدنيين بميزانيتهم بل ويقومون بانقلاب عسكري حتى يحافظوا على هذه المكاسب والذي يجمع البرهان وحميدتي هو المصلحة الاقتصادية فقط
    الحقوق الاجتماعية
    حيث ينال العسكر الأولوية في معاملات الدوائر الحكومية والخدمات العامة التي تقدمها الدولة فأصبحوا وكأنهم أعلى درجة من المواطن وأصبح المواطن مهمشا مما فتح باب واسع للرشاوي والخدمات التي تقدم خارج اطار النظام وكل هذا بسبب امتيازات العسكر والتي لا وجود لها في دول العالم المحترمة الا في الدول التي لا قانون فيها
    الحقوق الدينية
    سرق العسكر الحقوق الدينية للسودانيين عندما تحالفوا مع الاخوان المسلمين وادعوا انهم يحكمون باسم الدين فتسببوا في تشويه الدين وأعلى هذا التشويه هو تشويه معنى الحكم الاسلامي بأكمله وأبسط هذا التشويه أن العسكري عندما يرفع هذه العصا الصغيرة التي تجعله معتوها ويقول الله أكبر ينفجر الشعب في الضحك فعبارة الله أكبر أصبحت تعني النفاق والكذب ولا تعني معناها المقدس الحقيقي
    الحقوق السياسية
    ويتمثل سلب العسكر للحقوق السياسية للشعب تدخلهم في السياسة وقيامهم بالانقلابات العسكرية وأن تصبح السلطة السياسية في أيديهم وبما أن نظامهم لا يحترم حقوق الشعب فيجب أن يكون نظام استبدادي دكتاتوري يمسك بكل السلطات في يده فليس هناك استقلال للقضاء ولا حرية للحكومة المدنية ولا حياد للسلطة التشريعية لأن هذه السلطات اذا كانت حرة فلا يمكن أن تعطي العسكر الحق في سلب حقوق الشعب وحمدوك يكذب على الناس عندما يقول انه سيكمل التحول الديمقراطي لأن الديمقراطية نظام وليست اجراءات شكلية من انتخابات وغيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى