أخبارأعمدة ومقالات

محاكمـة حمـدوك

 بقلم: عمـر العمر

على منوال إحدى مقولات لينين المحببة لليسار العام عبر المعمورة “
المثقفون أقرب الناس إلى الخيانة” يمكن نسج حكمة معاصرة محورها “
الموظفون الدوليون أقرب التكنوقراط إلى الإخفاق ” دون بلوغ التجربم على نسق ما أنتهى إليه زعيم الثورة البلشفية. فالعديد من المسؤولين الدوليين ممن ينتمون إلى أقطار متعددة أثاروا بأداء وبمواقف متباينة جدلا سياسياً مكثفا مصحوباً بالإحباط وخيبة الآمال على صُعد شعبية داخل بلادهم ، خارجها أو الإثنتين معا.
* * *
إبان الثورة المصرية برز اسم محمد مصطفى البرادعي موشحا بلقب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية معززاً بجائزة نوبل للسلام . ماكاد اسم البرادعي يتجذر في الطينة الشعبية المصرية حتى توارى الرجل على نحو فجائي في أحد منعطفات الثورة المثيرة للجدل مغادرا الوطن بأسره. ذلك الغياب المباغت أثار عاصفة سخط وسط من الأسئلة لدى قطاع واسع من المصريين عامة والتيار الليبرالي خاصة مثلما كان الحال عند مجيئ مدير الوكالة الدولية….المدير السابق للبنك الدولي دومنيك استراوس أصاب هو الآخر قاعدة الحزب الإشتراكي الفرنسي بفجيعة عندما جرفته نزوته الجامحة إلى التحرش بعاملة داخل غرفة فندق في نيويورك .تلك السقطة تحولت إلى فضيحة شكّلت نهاية تراجيدية لرجل كان على مسافة وشيكة من قصر الإليزيه…إبان تفشي رعب كوفيد على نطاق العالم بالتزامن مع بدايات شررات الحرب الإثيوبية إتهمت أديس أدبابا مواطنها أدهانوم غيبريسوس مدر منظمة الصحة العالمية بطعنها في الظهر عبر تزويد مقاتلي التيغراي بالسلاح. بغض النظر عن الخوض في الإقتتال الإثيوبي أو الإتهام الرسميى فإن أوساطاً دولية دمغت الرجل ذا المنصب الدولي بالإنكفاء داخل إقليميته العنصرية بدلاً عن إعلاء الروح الوطنية أو بذل جهد بغية إخماد نار الإحتراب الإهلي.
* * *
صديق ممن شغلوا منصبا داخل مؤسسة دولية اعترف بنمطية تلك المؤسسات لا تعين موظفيها على الإبداع كما لا تزكي لدىهم روح المبادرة أو إذكاء روح التجاسر على اتخاذ القرار. مدونة العمل في تلك المؤسسات تفرض دوما على الموظف بغض النظر عن موقعه داخل الهرم دور المتلقي أو المنتظر لمايأتي من المستوى الأعلى . حتى حين بروز مشكلة فما على ذلك الموظف سوى رفعها غلى من هم أعلى درجة بحيث يمكن بلوغ تلك المشكلة إلى المركز بغض النظر عن حجمها وأهمية توقيت تنفيذها. تلك نمطية تكسر الجسارة على المبادرة أو تحمّل مسؤولية القرار .
* * *
حمدوك ليس استثناءً. فإذا كانت تجربته في المؤسسات الدولية أبرز مؤهلاته للقبول به رئيسا لوزراء الثورة فإن ذلك المؤهل هو عقب أخيله. غير فردٍ ممن شغلوا مناصب حول الرجل دمغوه بالتردد بل غياب الجرأة لجهة إتخاذ القرار. أكثر من فردٍ من معاونيه على تحدثوا عن جلده على الإصغاء إبان الإجتماعات مع غياب الميل للإدلاء برأي حاسم. أحد هؤلاء رماه بالكسل مع الإفتقار إلى الصبر على النظر في التقارير. لعل مجمل هذه الصورة تفسّر حرص حمدوك على عدم الإصطدام بالعسكر مع التنازل لمجلس السيادة عن سلطات خولتها له الوثيقة الدستورية.كما قبل التوقيع على الإعلان الإنقلابي بينما يجرده من كل السلطات فجمدوك إنتاج بيئة عمل تلتزم دوما بأحقية السطة الأعلى. ذلك النهج في مجمله وليد نمطية منظومة المؤسسات الدولية.هكذا يمكن استيعاب حرص حمدوك على ما يسميه بـ ” الشراكة النموذجية”.
* * *
أحد الشخصيات المحورية إبان مشاورات البحث عن رئيس وزراء لسطة الثورة إعترف أن حمدوك برز خيارا مفضلاً من منطلق نأيه عن الوعاءات الحزبية. ذلك الشخص لم يقر بخطأ الخيار لرئاسة الحكومة بل رأى في شغل حمدوك منصب وزير العلاقات الدولية الخيار الأمثل لحمدوك والثورة والوطن. ذلك حكمٌ ؤبما تعززه حيثيات نجاحات حمدوك في إعادة فتح القنوات التواصل مع العالم الخارجي. ذلك هو إنجازه الوحيد المبهر.
* * *
شخصية سياسية كشف خروج الإمام الراحل الصادق المهدي–عطّر الله
مرقده- بانطباع غير إيجابي لدى اول لقاء بينه وبين حمدوك. أحدهم نقل عن الإمام المعروف بإيجازاته النافذة البليغة القول عقب اللقاء” هذه ساعة روليكس لا تناسب الواقع السوداني”:!
* * *
من الحِكم المأثورة عن الشيخ العبيد ود بدر- قدّس الله سرّه – توصيفه لشروط من يطلب الولاية على الناس التميز بشروط عدة قوامها أن يكون “عندو خُلق، إيدو طَلِق،عندو ضَّهر،عينو سهر، وكفو قَهَر”.ترجمة حكمة الشيخ الورع العارف بالله وفق القاموس السياسي المعاصر تستوجب اتصاف رجل الدولة الناجح بخصائص أبرزها الإستقامة بمضامينها الواسعة, الشهامة بطيفها العريض، التمتُع بحاضنة سياسية منيعة القدرة على تأمين أمن وحقوق بنات وأبناء الشعب والجسارة على اتخاذ القرار ولو اقتضى الموقف الردع .
* * *
إخضاع شخصية حمدوك وأدائه لمعايير موقد نار القرآن ينتهي حتماً إلى حكمٍ عادل في حق رئيس وزراء سلطة الثورة البازخة قبل الإنقلاب وبعده. لكل قارئ الحق في إصدار الحكم بعد الأمانة في تطبيق معايير الشيخ الحكيم على حمدوك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى