أخبارحوارات

الصديق الصادق لـ«التغيير»: صححنا موقف حزب الأمة الذي أربك المشهد السياسي

الصديق الصادق: لابد من سيطرة الحكومة التنفيذية والأحزاب السياسية على الأجهزة النظامية

ضمت قائمة المعتقلين السياسيين ضمن الإجراءات التي صاحبت انقلاب الجيش في 25 أكتوبر، القيادي بحزب الأمة القومي الصديق الصادق المهدي، والذي جرى اعتقاله في اليوم التالي للانقلاب.

وكشف “المهدي” في مقابلة خاصة مع (التغيير) التفاصيل التي صاحبت اعتقاله، بجانب تحليله للمشهد السياسي الراهن.

حوار: أمل محمد الحسن

بحسب “المهدي” فإن قوة مشتركة مدنية – عسكرية هي التي نفذت أمر الاعتقال، وقال: “حضرت إلى منزلي قوات بعضها يرتدي الزي المدني وبعضها الأخر يرتدي الزي العسكري وقادوني معصوب العينين لمعتقل لم أراه إلا ساعة الخروج”.

مفاجأة غير سارة

وأضاف: “على الرغم من الارهاصات الكثيرة التي كانت تؤكد تخطيط القيادات العسكرية لإحداث تغيير كبير على المشهد السياسي في السودان إلا أن تنفيذ الأمر جاء مفاجئا.

وعلى حد قوله، لم يتوقع القيادي بحزب الأمة القومي قيام القائد العام للجيش بانقلاب عسكري مباشر بعد ثورة ديسمبر.

والتي قال انه ادهشت العالم و”تغزل فيها رؤساء دول” اعجبوا بنضالات وتضحيات الشباب والشابات، والتزامهم في ذات الوقت بالسلمية التامة.

رئيس الحزب المُكلف، سعى لإبرام اتفاق بين “برهان» و”حمدوك» بناءً على تكليف سابق

وطوال 26 يوما قضاها المهدي في المعتقل لم يتم التحقيق معه – بحسب ما ذكر – وأضاف: “لا سألوني لا سألتهم”، وبعض الضباط الذين كانوا يمرون على زنزانته أخبروه أن هذا مجرد تحفظ.

وبقي “المهدي” في حبس انفرادي لم ير الشمس خلاله إلا مرة واحدة، تم إخراجه لمدة 10 دقائق فقط.

فترة الحبس الطويلة كانت فرصة نادرة للقيادي الشاب بحزب الأمة، للتوقف والتأمل والتفكر في المشهد السياسي العام والأمور الخاصة.

ويصف “المهدي” تلك الفترة بقوله: “الحياة العصرية تشبه الدوامة نادرا ما نتوقف لنفكر”.

ولتمضية الوقت بعيدا عن حساب الأيام والتفكير في الوضع الخارجي قام بقسمة اليوم إلى نصفين؛ نصف يقضيه في الرياضة ونصف آخر للقراءة.

وأضاف: “كنت أركض واقفا في مكاني، وأقوم بتمارين ضغط وغيرها، وبالنسبة لي الرياضة كانت مفيدة لإزالة الضغط النفسي والتوتر وتهيئة لما اقوم به في النصف الآخر من اليوم”.

وتابع: “نصف اليوم الآخر كنت اقضيه في القراءة، كنت أفتح عددا كبيرا من الكتب حتى لا أشعر بالملل، واقرأ في كل موضوع بعض الوقت”.

وأردف: “قرأت كتبا حول فقه الزكاة وكتابا باللغة الإنجليزية (افريكا مومينت)، ومرجعاً في تفسير القرآن الكريم إلى جانب كتبا أخرى متنوعة”.

«الأمة» وإرباك المشهد

حزب الأمة القومي أصدر بيانات كثيرة رافضة للانقلاب وتدعو للخروج في مليونيات مناوئة للإتفاق الذي تم بين القائد العام للجيش ورئيس الوزراء المعزول عبد الله حمدوك.

ذلك في الوقت الذي كان رئيس حزب الأمة القومي المُكلف فضل الله برمة، هو أحد مهندسي هذا الاتفاق والمدافعين عنه أيضا.

ذلك الموقف خلّف حالة من الارباك في المشهد السياسي، وهو ما أكده ووافق عليه “المهدي” وأضاف: “اتفق أن هناك ارباكا في المشهد السياسي بسبب ذلك الموقف”.

الحديث حول مواقف حزب الأمة القومي التي تبدو ازدواجية لحد كبير، جعلت ملامح القيادي الشاب بالحزب تتغير، وصار وجهه أكثر انزعاجا.

حيث برر سعي رئيس الحزب المُكلف، لإبرام اتفاق بين “برهان” و”حمدوك”، بأنه جزء من تكليف سابق من الحزب وضعه في لجنة ضمت الأمين العام للحزب وآخرين قبل الانقلاب العسكري.

وذلك لعقد لقاءات مع جميع المكونات السياسية والعسكرية، تمهيدا للقيام بمصالحات سياسية تهدئ الاحتقان الذي كان يخيم على المشهد السياسي في ذلك الوقت.

لكن يبدو أن الانقلاب العسكري لم “يجُب” المهام التي سبقته بالنسبة للأمة.

حيث ذهب فضل الله برمة، والواثق برير، لحضور توقيع الاتفاق في 21 نوفمبر الماضي، وتفاجأوا – وفق الصديق – بتغييرات في ديباجة الاتفاق.

وأشارت تلك التغييرات إلى أن البنود تستند على إجراءات القائد العام للجيش، وتشرعن الانقلاب، وهو الأمر الذي لم يحاطا به علم من قبل، فانسحبا من الاحتفال.

خطأ الرئيس المُكلف

“المهدي” اعترف بخطأ مباشر من رئيس الحزب المُكلف وهو عدم عودته بمسودة الاتفاق ليتم مناقشتها داخل الحزب وابداء الرأي والموقف الموحد منها داخليا، وقال: “كان لك خطأ اجرائي”.

وأضاف: “استدركت أجهزة الحزب هذا الخطأ من جانبها وقامت بتصحيحه عبر إصدار بيانات تلزم جميع منسوبي الحزب، يشمل ذلك الإلزام رئيسه المكلف والأمين العام، برفض الانقلاب والاتفاق السياسي”.

هناك اسراف في استخدام العنف واسترخاص للدم السوداني

لكن حزب الأمة القومي وقع في موقف آخر يثير التساؤل والحيرة في مشهد سياسي معقد ومربك للغاية، وذلك عندما التقى بعض رؤساء الحزب في الولايات برئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

ذلك اللقاء الذي تم دون التشاور مع الأمانة السياسية، وبحسب “المهدي” كان ذلك تصرفا يلزم “ضبط الأداء” وفق آليات الحزب.

وتابع: “موقف حزب الأمة الآن بجانب بقية أحزاب الحرية والتغيير وبجانب لجان المقاومة الرافضة للانقلاب والاتفاق السياسي في ذات الوقت، واعتبار أن المواكب الجماهيرية السلمية هي وسيلتها الأولى لمناهضة الوضع الراهن”.

نبوءة الإمام

“الديمقراطية حتمية” قالها “المهدي” بحماس عال، وارجع ايمانه القاطع بانتصار الجماهير على الانقلابيين بأنها “نبوءة” والده إمام الأنصار الذي كتب كتابا بعنوان “الديمقراطية عائدة وراجحة”.

وما يجعله متأكدا أيضا – بحسب ما أوضح – هو طبيعة الشعب السوداني الذي لا يقبل الذل والإهانة.

وعبّر عن ذلك بقوله: “إن جادت بخيط العنكبوت تنقاد، وكان عاقت تقطع سلسل الحداد”، وأضاف: “السودان سبق الوطن العربي بثورة أكتوبر 64 ثم ثورة ابريل وأخيرا ثورة ديسمبر”.

وفي ديسمبر الحالي أكملت الثورة 36 شهرا، واستمرار الثورة بذات القوة دليلا جديدا يضيفه “المهدي” إلى يقينه بعودة الديمقراطية وانتصار إرادة الشعوب.

كذلك من مشاهداته الخاصة ابان خروجه في مواكب 21 أكتوبر “الضخمة” التي لم ير فيها شخصا يطلب أن يتم توصيله أو اطعامه، في إشارة مقارنة خفية بينها ومعتصمي القصر.

وقال: “الآن جميع هذه المكونات تصطف في المعارضة”، لكن هل يعود الحزب الشيوعي لداخل الحاضنة السياسية؟ ذلك أمر تمناه “المهدي”.

وهو لا يرى الآن أي فوارق كبيرة في المواقف بينهم والحزب العجوز، إلا انه أكد أن الأمر في الآخر يعود لقرارات الشيوعي ولا يفرضها عليهم شخص.

معتصمو القصر

وبذكر معتصمي القصر كان لابد من الحديث عن الأخطاء الكبيرة داخل الحرية والتغيير التي جعلت البعض ينقسم ويلجأ للاعتصام في القصر الجمهوري ويطلق على حزب الأمة القومي وأحزاب تحالف قوى الحرية والتغيير “4 طويلة” متهمين إياهاهم باختطاف المناصب والثورة.

وقبل أن يرد “المهدي” على الوضع الراهن عاد بالحديث إلى الوراء، عندما جمد حزبه عضويته داخل الحرية والتغيير.

وأكد أن الحزب كانت لديه اراء سالبه في التحالف لكن بعدما عاد الجميع للتوافق حول ميثاق سياسي واضح يرى أنه انتبه “أي تحالف قوى الحرية والتغيير” إلى الأخطاء التي أسفرت عن وجود ما وصفها بـ “3 تروس” تعمل معزولة عن بعضها.

وتمثل هذه التروس الأحزاب السياسية، والجهاز التنفيذي والشباب في لجان المقاومة.

وقال: “كانت جزرا معزولة احتاجت لربطها سويا، وهو ما انجزه الميثاق السياسي”.

فيما يرى أن بعض الذين انفصلوا عنهم وذهبوا لاتفاق “قاعة الصداقة” ثم “القصر” كانوا سبباً لإنقسامات داخلية في احزابهم.

وأضاف: “مثلا ساطع الحاج، حزبه الوحدوي الناصري كان معنا في الميثاق، الحاج ذهب وحيدا للجنة الفنية والتي منها خرج اعتصام القصر”.

وتابع: “حتى الحركات المُسلحة كانت ممثلة داخل الميثاق، انسحب منها رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم قبل يوم واحد فقط، ولاحقا وضح موقفه الداعم للانقلاب العسكري”.

وأردف: “أما مني اركو مناوي، فقد خرج سابقاً من داخل الجبهة الثورية مكونا جبهة منفصلة أضاف اليها مسارات الوسط والشمال ليتحول من حركة، لجبهة ثورية أخرى”.

واعتبر “المهدي” أن الموقف الحالي للحركات المسلحة من اتفاق “برهان حمدوك” ستنتظر الحرية والتغيير إلى أن يخرج منهم.

واستدرك مبررا وجودهم في الحكومة الحالية بقوله: “لديهم خصوصية منحها لهم اتفاق سلام جوبا، وعلى أي حال ننتظر ردهم”.

اتفاق حقن الدماء

تبرير رئيس الوزراء لتوقيعه على الاتفاق السياسي كان أول بند فيه هو سعيه لـ”حقن الدماء”، وعلى الرغم من توقف استخدام الرصاص المباشر “إلا أن القوات الأمنية باتت تستخدم القنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيلة للدموع بديلاً عن الرصاص.

وتتعمّد خلالها إصابة المتظاهرين في وجوههم لتبتر اعضائهم”، ورأى “المهدي” أن اتفاق رئيس الوزراء كان فرديا لم يشاور فيه حاضنته السياسية ولا أي جهة، بينما منصبه في الأصل تنفيذيا والحرية والتغيير هي من أتت به.

ارتفعت نبرة صوت “المهدي” وهو يتحدث عن اسراف الأجهزة النظامية في عنفها تجاه المتظاهرين.

وقال: “العنف تجاه المتظاهرين وقتلى جبل مون، تكشف عن استرخاص للدم السوداني الغالي، حيث سقط في جبل مون 200 قتيل، ومنذ الانقلاب العسكري قُتل 43 شاب وشابة”.

نبوءة الإمام ستتحقق والتحول الديمقراطي حتمي

وعاد “المهدي” ليستنكر المنطق الذي خرجت منه منطق حقن الدماء بقوله: “كان من الأساس ألا تقوم ثورة”.

وأضاف: “الأصل أن يتم حقن دماء السودانيين الغالي والمقدس، ولكن الشعب الذي خرج في ثورة ديسمبر لديه مطلوبات هي أولى بالتحقيق، وشباب وشابات الثورة السودانية يحملون دماء إخوانهم الشهداء أمانة ولن يقبلوا سوى بسلطة مدنية كاملة للدولة السودانية”.

وتابع: “حسابات الانقلابيين جاطت بعد أن شاهدوا جماهير الشعب تهتف ضد حمدوك، لأنهم اعتقدوا أن الاتفاق معه سيهدئ اشتعال الشارع السوداني”.

العالم يتغزل

لا يرى “المهدي” في مباركة العالم لاتفاق (برهان- حمدوك)، موقفا دوليا واضحا ومبلورا من الاتفاق السياسي الذي رفضه الشارع السوداني بصورة عنيفة.

وقال: “رؤساء الدول الغربية على رأسهم الأمريكي والفرنسي وبريطانيا وألمانيا جميعهم تغزلوا في الثورة السودانية ولن يجرؤ أحدهم على الوقوف أمام برلماناتهم أو شعوبهم ليبارك الانقلاب”.

وتابع: “اتفاق (برهان- حمدوك) بالنسبة لهم مجرد خطوة نحو إصلاح وضع الانقلاب الذي حبس الانقلابيين انفسهم فيه.

وأشار “المهدي” إلى أن بعض الذين حاولوا دعم الانقلاب من دول إقليمية، تم حسمهم عبر “البيان الرباعي”.

ومن وجهة نظر القيادي بحزب الأمة، قد يحصل الانقلابيون على بعض الدعم العسكري، لكنهم لن يحصلوا مطلقا على دعم مالي.

فيما أعتبر أن تصرفات الانقلابيين التي تجافي قوانين حقوق الإنسان في العالم مثل الاعتقالات السياسية، واعتقال الجرحى من داخل المستشفيات، ستلقي عليهم سخط العالم.

وقال: “الدعم العالمي للثورة مهم ليخرجها من عنق الأزمات الاقتصادية واعفاء الديون، وداخليا لم يتلق حزب الأمة دعوة من رئيس بعثة اليونيتامس للقاء أو تشاور حول الاتفاق الثنائي، مثلما حدث مع حزب المؤتمر السوداني”.

وللقيادي الشاب بحزب الأمة نظرية صرح بها في آخر مؤتمر صحفي للحرية والتغيير قبيل الانقلاب بوكالة السودان للانباء، قال فيها إن توقف تهريب الذهب لثلاثة أشهر فقط سيمنح البلاد استقرارا اقتصاديا جيدا.

لكنه يرى أن الانقلاب نبه القوى السياسية، وحزب الأمة بينها، إلى العديد من جوانب التقصير التي ستسعى لرتقها.

وأضاف: “من حسنات الانقلاب أنه جمع القوى السياسية والشارع وردم الهوة بينهم”.

وطبقاً لما ذكر فإن المفاجئة التي حدثت له عند سماع نبأ الانقلاب نبهته إلى بعد الحكومة التنفيذية والأحزاب السياسية عن السيطرة على الأجهزة النظامية على رأسها “جهاز المخابرات الوطني”.

الآن ومن مقاعد “المعارضة” ينظر الصديق الصادق المهدي، إلى جميع قرارات الانقلابيين مثل تعيينات “فلول” النظام المُباد في أجهزة الدولة على أنها قرارات لن يتحكموا فيها.

لكن ذلك لن يمنعهم من رصدها لتصحيح المسار بعد إعادة الأمور إلى نصابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى