أخبارأعمدة ومقالات

حمدوك بين رمزية الإنتقال وشرعنة الإنقلاب

خالد فضل

حمدوك بين رمزية الإنتقال وشرعنة الإنقلاب

خالد فضل

لا أتصور د. عبدالله حمدوك خائنا , هذا وصف ربما انطوى على شطط شديد , في ثقافتنا السياسية دوما هناك ميل لهذا الشطط , طول فترات الإستبداد , والأنظمة الشمولية , وغياب أسس التنشئة الديمقراطية ؛ تجعل من الفرد فينا يحمل بذرة ديكتاتور صغير , يتضخم مع العلو التدريجي في المناصب أو نوع المهنة , خاصة ما ارتبط منها بحمل السلاح, لهذا نحن خلافيون جدا , ننطوي على فضائل فردية شتى , لكننا نفشل في توظيفها جماعيا في العمل العام , يبدو أننا نشتغل على نواقصنا , فنجد مثلا أكثر من مائة حزب سياسي وعشرات الحركات السياسية المسلحة في بلد يفتقر نحو 60%من مواطنيه إلى خدمة الكهرباء , ويحتاج حوالي 80%منهم إلى دعم نقدي بواقع خمس دولارات شهريا ؛ حسبما خطط مشروع ثمرات ! ٍ

د. عبدالله حمدوك , ربما يكون قد أخطأ التقدير , ارتكب جلطة سياسية فادحة , هذا أمر واضح , هو لم يقرأ جيدا حيوية الشارع الثائر , ربما كان قد ضاق ذرعا بمراوحة الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية المجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير  , هذا ضيق وبرم شاطره فيه الكثيرون , وعلى رأسهم بعض القوى التي ساهمت بفعالية في تكوين التحالف والنشاط الثوري الذي قاده , مثل تجمع المهنيين السودانيين والحزب الشيوعي السوداني بينما لم تحظ لجان المقاومة بموقع في التحالف أصلا .

بيد أنّه من ناحية أخرى , نجد أن طبيعة العمل السياسي والتحالفات بصورة خاصة ؛ تتعرض دوما للإهتزازات والإنقسامات والمكايدات الحزبية الضيقة , ولا يمكن تصور نموذج لممارسة سياسية ديمقراطية بدون تلك المناكفات والمحاصصات , فإذا توهمنا وجود عمل سياسي ديمقراطي على مزاج ومقاس كل واحد منّا , فهي الدعوة الصريحة للإنقلاب والشمولية , لأن قائد الجيش يقرر ما يراه وما يقدّره , وليس بالضرورة أن يكون تقديره سليما.

وهنا تكمن ورطة د. عبدالله حمدوك , فهو قد فكّ أسره من سيطرة قوى الحرية والتغيير بطبيعتها السياسية المدنية القابلة للأخذ والرد والمراجعة والضغط , ولكنه وقع في قبضة الجنرالات , الذين يديرون السياسة عن طريق التحكم , ولعل ديباجة الإعلان السياسي الذي وقعّه مع البرهان تشير بوضوح إلى المرجعية الخاطئة , فكيف لقائد الإنتقال الديمقراطي المدني أن يؤسس خططه السياسية على مرجعية قرارات ( قائد الإنقلاب العسكري ) ؟؟ صحيح قد يكون د. حمدوك قد رأى في خطوته تلك ما يحقن بعض دماء شبابنا وشاباتنا من الثوّار , وصحيح أنّه أراد عدم خسران بعض النجاحات والإختراقات في التعاون الدولي , وعدم العودة لمربع العزلة والعقوبات.

لكن مع ذلك فإنّه أخطأ في تقدير حجم رغبة هذا الجيل الشاب من السودانيات والسودانيين في التخلص مرّة واحدة وإلى الأبد من ربقة العساكر والشمولية , إنّه جيل شديد الإيمان بالمدنية ؛ وهو محق فيما يراه , لهذا جاء الرد سريعا جدا على الإنقلاب وقبل إذاعة بيان البرهان , وتواصل الرد الحاسم والمبدع لحظة توقيع الإعلان السياسي المار ذكره , وجاء التعبير اللحظي ( حمدوك النيي الشارع حيي) كأصدق رد فعل على تصورات حمدوك , وما ينطوي عليه وعي الثوّار.

وقد تكون مطالب الشارع عالية وسقفها شاهق , لكن تبقى العبرة في مشروعية ومنطقية وعدالة تلك المطالب , ولأننا بعد 55سنة من سيطرة العسكريين على الحكم لم يعد هناك مجال للمناقشة حول جدواهم , بل يثور السؤال إلى أعمق , حول جدوى القوات العسكرية نفسها بتكوينها الراهن , فمن أسف ورغم طول خدمة قائد الجيش مثلا لنحو أربعين عاما كما قال , ظلّ طيلة تلك الخدمة يزود عن أنظمة حكم استبدادية شمولية قاهرة , أزهقت خلال سنواتها الطويلة مئات الألاف من الأرواح السودانية العزيزة , وسالت فيها أودية الدماء , في الجنوب سابقا حتى انفصل مأسوفا عليه , وفي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق , هذا القتل المستمر للسودانيين بوساطة قوات القمع الرسمية للدولة السودانية , يجعل التفكير معقولا في عمل دراسة جدوى لوجود هذه القوات بحالتها هذه.

من هنا تأتي أهمية هيكلة وإعادة تأسيس قوات سودانية مسلحة وأجهزة نظامية أخرى على أسس جديدة وعقيدة جديدة ومنظور جديد لدورها , هذا هو وعي الأجيال الشابة , وهي تعلم وتقدّر أن دافع جمدوك ربما كان نبيلا في إتجاه  حقن الدماء , لكن نبل المقصد وحده لا يؤسس للمستقبل ! فهاهو الدم يسيل في منطقة جبل مون بدارفور , وهاهي أعداد الشهداء في المظاهرات تزيد كل يوم جديد , إنّها طبيعة السلطة العسكرية , وليس بالضرورة سوء طوية البرهان أو الكباشي , هذا هو الوعي الذي أشرق في عقول هذا الجيل , فهو يهزأ من القتل , يشيّع الشهيد /ة وهو يغني لهم بأن على سكتكم سائرون , أمّا العلاقات الخارجية والمجتمع الدولي  فإنّهم يحللون ويقرأون جيدا , ويتخذون قراراتهم بروية , فإذا تيقنوا أنّ هذا الجيل من النساء والرجال السودانيين قد اختطوا سكتهم وعمدوها بدمائهم فلا سبيل سوى التعامل مع الواقع , خاصة إذا كانت الشكوك المعقولة تدور حول سيرة قادة الإنقلاب ودورهم في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب .. إلخ  !

في تقديري أخطأ حمدوك من حيث أراد الصواب , وعليه أن يكون شفافا مع شعبه ويصارحه  فلربما غٍمض علينا أمر !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى