أخبارأعمدة ومقالات

كلّ البلد دارفور

خالد فضل

كلّ البلد دارفور

خالد فضل

عندما ضجّت شوارع الخرطوم يومها بالهتاف الداوي، ضمن سياق مواكب الثورة السودانية الصحيحة أخريات العام 2018م ومطالع العام 2019م، كان الوعي سيّد ذاك الهتاف، ورداً مباشراً على أباطيل وأكاذيب نظام البشير المباد؛ والذي يسعى للعودة عبر انقلاب البرهان، كانت الشابات والشباب في الشوارع يردون على أكاذيب النظام بهتاف (يا العنصري ومغرور كل البلد دارفور)، ولا يحبط أحد من مناصري قضية أهلنا في دارفور، كون فئة صغيرة من طالبي الوظائف قد نالت مرادها عبر ما يسمى بسلام جوبا، فترى القائد منهم يتآمر ضد الثوار، يناصر العسكر ويستجديهم ويسوغ لهم الانقلاب، هذه فئة معروفة عبر تاريخ النضال البشري ضد الظلم، ولم تخلُ منها مسيرة ثورة إنسانية، لذلك تؤخذ مواقف هذه الفئة في السياق، ولكن تظل القضايا الجوهرية هي محل النظر والعمل.

لقد تحفظّ كثيرون على سلام جوبا، وانتقده أشخاصٌ ذوو بصيرة، ورفضته قوى سياسية ذات وزن، ومع ذلك كان الأمل معقوداً بأنّ مسيرة الانتقال الديمقراطي، وانسراب الوعي الثوري رويداً رويداً في شراييين الوطن سيُعالج القصور ويسد الثغرات، وأكبرها ثغرة الترتيبات الأمنية، وهيكلة القوات النظامية، وكان يمكن تسليم المتهمين للمحكمة الجنائية الدولية وما يشكِّله ذلك الأمر من شعور بالارتياح لدى الضحايا، وفي ذات الوقت يشكل ردعاً للمتورطين، أو الذين يتورطون في ارتكاب الجرائم ثم يفلتون من العقاب، لكن جاءت طامة انقلاب البرهان في 25 أكتوبر 2021م لتضع حاجزاً وتصنع سدّا جديداً في وجه ذاك النهر الثوري الواعي، لقد عادت صفوف الثوار والثائرات لتنتظم ضد القهر والقمع والانقلاب، وزُجّ بالمئات منهم في المعتقلات، وهم الذين كانوا وظلوا في صفوف مناهضة عنصرية العسكري المغرور يعبئون بهتافهم الشارع ضد البشير ونظامه الفاسد، ويتوقون لفجر سودان جديد خالٍ من المظالم، مثلما فعلوا في ملحمة اعتصام القيادة، الآن يواجه الثوّار وقائع الردة، وشعارهم الأثير (الردة مستحيلة)، ولكنهم في صراعهم ذاك الماجد ضد القهر والانقلاب تظل فجائع دارفور في عمق الجرح النازف.

صحيح لم تتوقف الأعمال الإجرامية والقتل والنهب والترويع طيلة فترة حكومة الإنتقال، ولكن، ورغم قساوة الوقائع وجسامة الفظائع- كما في محرقة الجنينة- ظل العشم موجوداً بأنّ أفق الحلول السلمية ما يزال ممكناً، وأنّ طبيعة السلطة آخذة في التغيير نحو المسار المدني الديمقراطي الذي يشكل الحاضنة الأساسية لأي حلول مستدامة للنزاع الدموي في دارفور وفي كل البلد، لتجيئ كارثة الانقلاب وتعيد البلد كلها إلى مربع التوقعات المتشائمة، وبالطبع تعاد سيرة الحلول ذات الطبيعة الأمنية القاصرة والمنحازة، وتعيد سيرة زعماء القبائل والمساومات والترضيات والرشاوى، تلك الممارسة الإنقاذية التي عمقّت الأوضاع، وأفرزت واقع اليوم اللئيم.

لقد ازدادت وتيرة العنف في دارفور وفي مناطق أخرى مثل جبال النوبة وغرب كردفان، وصارت أخبار القتل والترويع والنزوح مادة ثابتة في الأخبار السيئة عن بلادنا، ومع قصور أفق الحلول، والاختناق السياسي الماثل، وضمور فرص العمل الجماهيري الثوري الواعي، وتقييد المنابر… إلخ، في ظل هذه الظروف يعاني أهلنا في دارفور، في جبل مون وغيره من مناطق؛ من القتل والسلب والتدمير، ويتشعّب الصراع، وتظل المأساة متجددة كل يوم، وفي كل يوم من أيام الانقلاب المشؤوم تبتعد بلادنا عن طريق التقدم وتعود أدراجها لمربع الفجيعة، لهذا يبدو الحل في العودة لمسار الثورة لتسقط ثالث ورابع وعاشر حتى يستقيم أمر التحول الديمقراطي المدني الكامل، وحتى تلفظ بلادنا كل عناصر الارتزاق والمطامح الذاتية، ساعتها فقط ستعود إمكانية الحلول لمأساة بلادنا وتهدأ مواجع ومواجد شعبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى