أخبارأعمدة ومقالات

عام من فائض «الثورة المضادة»

لا يُمكن وصف هذا العام المنصرم الذي يُفارقنا بعد ساعات، سوى بكونه شهد فائضاً من “الثورة المضادة” في أنحاء المنطقة العربية ومنها لبنان أيضاً. كما جاءنا “الربيع العربي” في موجات (عام 2010-1 وبعدها الانتفاضات اللبنانية والعراقية والسودانية والجزائرية)، حلّت علينا الثورات المضادة في رزمة متتالية أيضاً هذا العام.

مهند الحاج علي

اتسم عام 2021 بتراجع رهيب وغير مسبوق في الانتفاضات العربية، بدأ مع عودة الحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية الجزائرية في 12 حزيران (يونيو) الماضي، مروراً بإنقلاب قاده الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 تموز (يوليو)، وانتهاء بانقلاب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في 25 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. هذه الأحداث الثلاثة كان لها وقع كبير على مسار العمليات الانتقالية في هذه البلدان. في الجزائر، أكملت الانتخابات التشريعية عملية بدأت مع اعتقال رموز الحراك وتصفية قدرتهم على حشد الشارع. كما حصل في لبنان عام 2020، لم تعد الانتفاضة الشعبية والاحتجاجات في الشارع عاملاً مقرراً أو مؤثراً في السياسة الداخلية بالجزائر.

في تونس، المشهد أكثر ظلامية. ذاك أن هذا البلد الذي مثّلت الانتفاضة فيه بداية تحول كبير، صار بين ليلة وضحاها، رهينة رجل ما زال في طور اكتشاف ذاته. في بعض خطاباته وتصريحاته، يبدو سعيد وكأنه نسخة مُدورة من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. صارت خطاباته عبارة عن خلطة من الشعبوية العربية التقليدية حيال فلسطين، وتصريحات مُبهمة عن “مشاريع الإصلاحات الدستورية” و”العودة الى رأي الشعب مباشرة”، واتهامات غير محددة وتهديدات بمحاسبة من تورط في الاستيلاء على المال العام و”محاكمة كل الذين أجرموا في حق الدولة التونسية وشعبها منذ الثورة التونسية”.
حتى إن الرجل صار يتحدث عن مشاريع “قذافية الهوى” على هيئة “اللجان الشعبية” في الجماهرية الليبية، إذ أعلن تنظيم “استشارة شعبية عبر منصات إلكترونية”، واستفتاء على مشاريع إصلاحات دستورية وقانون انتخابي جديد صممها بنفسه، رغم عدم امتلاكه صلاحيات تُخوله أداء هذه المهام. وهذا يعني أن عملية اصلاح الدستور، هي بنفسها غير دستورية. طبعاً، المسار في تونس هو نحو المزيد من تصفية كل إنجازات الثورة التونسية من مؤسسات وتوزيع للصلاحيات وفقاً لدستور كان حظي بموافقة أوسع مروحة من القوى السياسية.

في السودان، ليس المشهد مختلفاً، بل يُواصل رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو مسيرتهما لاعادة الوضع السوداني لما كان عليه قبل عزل الرئيس السابق عمر البشير. رغم عودة رئيس الوزراء الحالي عبد الله حمدوك الى منصبه، يُواصل هذا الثنائي التصرف وكأن شريكهما المدني شبح خفي، بل هناك من يرى بأنه مثّل عاملاً مساعداً للانقلابيين عبر التخفيف من وطأة الضغوط الدولية. لم تُحقق عودة حمدوك أي انجاز يُذكر في ملف المعتقلين، فيما تُواصل السلطات العسكرية مواجهة الاحتجاجات بالعنف وبالعقاب الجماعي من خلال اقفال شبكة الانترنت والاتصالات الداخلية لعرقلة أي تنظيم للشارع.

واستخدام القتل والعنف والحروب الداخلية، عاد غالباً إلى صورته القديمة ابان عهد البشير، باستثناء أن الأخير كان وصل الى خاتمة صدامية مع عقوبات وملاحقات دولية وعُزلة اقتصادية خانقة، في حين فتح الانقلابيون الجدد صفحة جديدة مع العالم من خلال كذبة اسمها الشراكة مع المدنيين.

ولبنان والعراق ليسا ببعيدين عن هذه الصورة القاتمة. العراق خرج من الانتخابات بنتائج لم تُعجب حلفاء إيران، فطلبوا إعادة تصميمها. وهذا السلوك ذاته انسحب على التحقيق في تفجير مرفأ بيروت. بات اقصاء قاضي التحقيق طارق بيطار، مطلباً أساسياً لدى الثنائي الشيعي في لبنان، وإلا فتعطيل عمل الحكومة، رغم الأزمات المتتالية. يُضاف لكل ما سبق، السياسات العربية المتواصلة لتطبيع علاقات النظام السوري مع المنطقة والعالم. هذا السلوك يُمثل أيضاً جانباً من “الثورة المضادة”.

هذا العام كان قاتماً لمن ينشد التغيير في منطقة غزاها الصدأ، وبات أفضل الفرص المتاحة فيها، مقعد شاغر في قارب نجاة يُوصل ركابه الى شواطئ أوروبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى