أخبارأعمدة ومقالات

مجزرة 30 ديسمبر: تجديد روح المقاومة الباسلة ووصـمة عار في جبين الانقلابيين

محمد الأميـن عبد النبـي

مجزرة 30 ديسمبر: تجديد روح المقاومة الباسلة ووصـمة عار في جبين الانقلابيين

محمد الأميـن عبد النبـي

العنف المفرط الذي حدث في 30 ديسمبر 2021م أقل ما يمكن وصفه بأنه مجزرة فاجعة وصادمة، طبعاً ليس جديدة ولا مفاجئة، وفي ذات الوقت ليس مجرد جريمة ارتكبها النظام الانقلابي وإنما وصمة عار على جبين الانقلابيين، وهي تعبر عن حالة يأس وبؤس وخيبة أمل تعتري قادة الانقلاب نتيجة تناسي وتجاهل عظمة هذا الشعب ووعيه وصموده في مواجهة الطغيان والاستبداد، فقد كانوا يظنون- وإن ظنهم كله إثم- أن انقلاب 25 اكتوبر سيعيد لهم سلطة كاملة بعد الغدر بالمكون المدني وتبني تقسيم القوى السياسية، فلم تجدِ عملية استدعاء قوى سياسية حليفة للانقلاب، ولم تمنحهم عودة حمدوك الشرعية، ولم تعد الدعوة لميثاق لهم الشراكة المدنية لتجميل وجه الانقلاب الكالح.

خيبة الأمل هذه وراء التخطيط لمجزرة 30 ديسمبر التي تم الإعداد لها بقرارات واضحة وارهاصات مكشوفة، لتخلِّف جريمة تضاف إلى سجل مخزٍ من الجرائم التي ارتكبها ومازال، النظام الانقلابي ضد الشعب السوداني.

في المقابل، انتظمت البلاد طولاً وعرضاً مقاومة باسلة فجرها الثوار في مليونيات الجدول الثوري رفضاً للانقلاب وما ترتب عنه، قدّموا فيها ثمناً غالياً للحرية والمدنية، وهذه التضحيات العظيمة لن تضيع هدراً، فهي بلا شك “قيدومة” التحول الديمقراطي واختفاء العسكرة وللأبد في سودان العزة والكرامة.

الانقلابيون يدركون أن المواكب سلمية ولن تنزلق للعنف، ويدركون أيضاً أن السلمية هي مصدر قوتها في مواجهة الانقلاب، لذلك عمدوا إلى جر البلاد لبراثن القتل والفوضى والحرب الأهلية.

ويدركون كذلك أن استخدام السلاح في الاستحواذ على السلطة وتحريك آلات القتل التي من المفترض أن مكانها لا يتعدى حدود الثكنات أو جبهات الدفاع عن الأرض من العدو الخارجي، لن تكون آلة لتثبيت كراسي السلطة ومع ذلك يتوهمون بأن القتل والعسف في مواجهة المدنيين العزل سيبقيهم في كراسي السلطة المغتصبة، فلم يتعلموا من التاريخ.

الدولة العميقة أو الموازية شريك أساسي في القمع والعنف، ونشوة الفلول وهم يحلمون بإعادة نظامهم المباد إلى دفّة السلطة بفعل الانقلاب مرة أخرى، بعد أن عادت عقليتهم ومنهجيتهم القمعية وسيطرة على تفكير الانقلابيين.

هذا الانقلاب حتما إلى زوال لأنه ببساطة يحمل عوامل فنائه داخله، ولأنه اعتمد العنف وسيلة للهيمنة والتسلّط على الشعب، ولكن لاستعجال اسقاطه هناك استحقاقات أهمها تصاعد المقاومة السلمية للانقلاب بحشد كافة أساليب العمل النضالي السلمي، واصطفاف قوى الثورة من لجان مقاومة وثوار وكنداكات ومجموعات مطلبية ونقابية ومهنية وسياسية ومدنية، والاستعداد للانتقال الديمقراطي بتجاوز كل الخلافات، والاقبال على بناء مشروع سياسي جديد، واستيعاب حصيلة ودروس الفترة الانتقالية الماضية عبر مراجعات حقيقية للشراكة المعطوبة، والانتقال المتعثر، هذه هي اشتراطات نجاح الموجة الثورية الحالية.

الأولوية والمهمة التي لا تقبل التأجيل هي التقاء كافة قوى الثورة والتغيير في مائدة واحدة، وتجميع كل الرؤى في ميثـاق الثـورة وبرنـامج الانتقـال، الذي يتجاوز الشراكة مع العسكر، ويقطع الطريق أمام القوى الظلامية المساندة للانقلاب، ويستكمل تفكيك التمكين، ويحقِّق العدالة ويؤكد عدم الافلات من كل الجرائم التي ارتكبت في حق الوطن والشعب، فلا مكان للمشاريع الأحادية تحت أي مسوغ.

وجدير بالمجتمع الإقليمي والدولي، إن كان مازال ثمة ضمير إنساني عالمي، أن يفعّل آليات كشف وعزل وضغط ومحاسبة القتلى، فلا تكفي بيانات الإدانة، أو التعبير عن القلق، بل التضامن الصريح والرهان على الشعب السوداني، ودعم التحول الديمقراطي في السودان.

لن ينسى التاريخ أن يسجل بمداد العار مجزرة 30 ديسمبر في صفحات سوداء تلاحق القتلة والسفاحين والانقلابيين وحلفائهم، وبمداد المجد والصمود في صفحات من نور لهؤلاء الشباب البواسل الذين قدّموا أرواحهم رخيصة في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة، جيل يقدِّم نسخة جديدة من الشجاعة والإقدام والتضحية في سبيل المبادئ والوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى