أخبارحوارات

أفورقي: «ما نشاهده من تهريج سياسي بالسودان أمر لا يصدق»

حذر من التدخلات الخارجية

أفرد الرئيس الاريتري أسياس أفورقي، حيزاً كبيراً للسودان في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، أجريت مؤخراً، واستمرت لزهاء الثلاث ساعات.

خلال المقابلة التي أجريت في 8 يناير الجاري، تحدث أفورقي عن الأوضاع في السودان، وتأثيراتها على بلاده، والأوضاع في الإقليم، وهذه بعضاً من إفاداته في هذا الخصوص بترجمة غير حرفية.

ترجمة: آمال علي*

  • الحديث عن السودان يمكن تناوله على مستويين، مستوى ينطوي على إجابة طويلة وهذا تحتاج إلى وقتٍ طويل لا يتسع لها زمن المقابلة، ومستوى يمكن تضميينه في إجابة قصيرة.
  • الإجابة الطويلة تتطلب الرجوع إلى الماضي واستصحاب الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية في تفسير ما يحدث الآن، وهذا يشكل أساس التطورات الحالية، والتي لا يمكن إدراكها إلا من خلال استصحاب هذه العوامل.
  • إن المشكلات الناجمة عن حكم الجبهة الإسلامية القومية/ المؤتمر الوطني منذ عام 1989م والمعاناة التي ترتبت على هذا الحكم تعتبر غير مسبوقة وتستعصي على القياس.
  • السودان بلد متعدد الموارد وهو بحق سلة غذاء العالم من حيث الموارد ولا يمكن مقارنته بأي دولة من دول الإقليم.
  • صحيح يمكن الحديث عن مشكلات السودان قبل حكم الجبهة الإسلامية مثل مشكلة الجنوب، ولكن خلال الثلاثين عاما الماضية تفاقمت مشكلات الجنوب، ودارفور، والشرق، وذلك بسبب الطرق التي اتبعها النظام لمحاولة معالجة هذه القضايا، وهو ما أدى إلى خروجها عن السيطرة وأدت في نهاية المطاف إلى انفصال الجنوب، وهى المشكلة التي كان بالإمكان معالجتها ضمن السودان الموحد، ذلك أن أبرز السياسيين من جنوب السودان كانوا يسعون إلى بناء السودان الجديد القائم على مبدأ المواطنة، وكانت هذه رؤية جون قرنق وآخرون ولم تكن لهم أهداف انفصالية، ولكن المعالجات الخاطئة أوصلت الجنوب إلى ما هو عليه الآن وهو موضوع قائم بذاته ويتطلب حديث طويل.
  • قضية دارفور أيضا بقت معلقة وكذلك قضايا آبيي، جنوب كردفان، والنيل الأزرق والنوبة، كلها قضايا تم تأجيل معالجاتها مراراً وتكراراً.
  • المعاناة الاقتصادية التي تسبب فيها المؤتمر الوطني عصية على القياس، ذلك أن السودان بعيداً عن البترول، فموارده الزراعية مهولة للغاية ولا يمكن مقارنتها بأي دولة في الإقليم، ولا يمكن معها تصور أن السودان يمكن أن يجوع أو يعاني اقتصادياً.

بأي منطق يمكن أن يكون هنالك صراع بين العسكريين والمدنيين؟

  • خلال الثلاثين عاما لحكم النظام السابق لم يتم حل أي مشكلة من مشاكل السودان سواء في الجنوب أو الغرب أو الشرق أو النيل الأزرق، بل تفاقمت هذه الأزمات وازدادت تعقيداً.
  • تفاقمت الأزمات إلى أن وصلت إلى مستوى لم يتحملها الشعب وخرج بشكل عفوي، دون دراسة أو قيادة سياسية أو برنامج سياسي، وأسقط النظام.
  • هذا الخروج العفوي الذي اسقط النظام خلق فراغاً سياسياً، والأزمات التي فاقمها النظام السابق بدأت تنفجر من جديد متمظهرة في أنماط إقليمية أو قبلية. فمثلا في دارفور في التسعينات كان هنالك حركتين أو ثلاثة، كم عدد الحركات الآن؟ كم عدد التنظيمات التي ظهرت كل في إقليمه، وبأي دافع أو منطق تكونت هذه التنظيمات.
  • هذه الأزمات التي تفاقمت نتيجة عدم إيجاد حلول جذرية لها من قبل النظام السابق، وتأجيلها وترحيلها، والمظالم المترتبة عليها والسخط الناجم عن ذلك تراكمت وأخيراً تمظهرت في هذا الحراك العفوي الذي اسقط النظام.
  • السؤال هو كيف يمكنك معالجة كافة هذه الأزمات والوصول بالسودان الى بر الأمان؟ في ظل إرث النظام الثقيل المتمثل في استضافة القاعدة مثلاً، واستعداء دول الجوار، مثل المؤامرات التي كانت تحاك ضد بلدنا، ما هي السبل لمعالجة كل هذه التركة الثقيلة المتراكمة للنظام السابق؟
  • هنا لابد أن تكون هنالك مرحلة انتقالية، لأنه من غير الممكن القفز مباشرة إلى إيجاد حلول لكل الأزمات دون مرحلة انتقالية.
  • هذه الأزمات المتراكمة كما ذكرت هي التي أدت إلى هذا الانتفاض العفوي للشعب السوداني، وحينها لم يكن أمام الجيش من خيار سوى الوقوف إلى جانب الشعب، لأنه هو الآخر أيضاً كانت يعاني وكانت لديه مشكلاته جراء سياسات النظام السابق، كما يصعب الفصل بين الأزمات التي تواجه الشعب والأزمات التي تواجه الجيش، وعليه فكان طبيعي أن يتخذ الجيش الموقف الصحيح بالانحياز إلى خيار الشعب ورفض الأوامر بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وهو ما قاد إلى سقوط النظام وبدء المرحلة الانتقالية.

ما تابعناه من عمر المرحلة الانتقالية عصى على الفهم والتفسير

  • ما تابعناه خلال السنوات الماضية من عمر المرحلة الانتقالية عصى على الفهم والتفسير، فمثلا بأي منطق يمكن أن يكون هنالك صراع بين العسكريين والمدنيين؟ كيف يمكن تجاوز كل أزمات السودان المتراكمة والتركيز على مشكلة الصراع بين المدنيين والقيادات العسكرية لتكون هي مركز الأزمة السياسية في السودان؟ فما هي الأسس الذي يستند عليها هذا الصراع المزعوم؟ دع عنك أمر معالجته فهذه قصية أخرى؟
  • إن المرحلة الانتقالية التي جاءت نتيجة لهذه الثورة الشعبية، ومن أجل تجاوز الآثار الناتجة عن هذه الثورة العفوية لا بد من معرفة ما هي المدة المطلوبة؟ وما هي المشكلات التي يفترض معالجتها بعيداً عن هذا التحوير للأزمات وتصويرها بأنها صراع بين المدنيين والقيادات العسكرية؟
  • إن أسوا ما يمكن أن يحدث في ظل هذه الأوضاع المعقدة والمضطربة هو التدخل الخارجي.
  • تخيل أن القوى السياسية السودانية سواء التقليدية منها أو ما تعرف بحركات التحرر، أو تجمع المهنيين والتجمعات النقابية، لديها من المشكلات المتراكمة ما يكفي، ثم يأتي العامل الخارجي ليزيد الأمور سوءً على سوؤها.
  • إن موقفنا من هذه الأزمات، أولا أن هذه قضية داخلية تعني شعب السودان بدرجة أساسية، ولكن الجهة التي يمكن أن تدير المرحلة الانتقالية هي الجيش باعتبار انه في المستقبل لن يكون طرفاً في التنافس والصراع السياسي، لكنه مهمته هو إيصال السودان إلى بر الأمان من خلال وضع خارطة طريق تستمر سنتين أو ثلاثة أو أربع، خلالها يتم التشاور الواسع حول طبيعة النظام السياسي ويتم الاستفتاء على ذلك، وبعدها يختار الشعب حكومته وعندها تغادر المؤسسة العسكرية المسرح السياسي، ونعتقد أن هذا أفضل الحلول، فهل هنالك مخرج منطقي أفضل من هذا؟ لأن ما نشاهده الآن من سفسطائية وتهريج سياسي بالرغم من ثراء الثقافة السياسية التي ميزت السودان خلال فترات الخمسينات والستينيات والسبعينات أن يصل لهذا المستوى الحالي هو أمر محزن للغاية وغير قابل للتصديق وأقرب إلى لعب الأطفال.
  • إن ما نشاهده في القنوات التلفزيونية من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم خبراء أمر محزن للغاية. السودان بلد ثرى بموارده وذو ثقافة سياسة غنية، ولكن حكم الثلاثين عاماً الماضية هي ما أوصلت السودان إلى هذا المستوى المتردي.

الجهة التي يمكن أن تدير المرحلة الانتقالية هي الجيش

  • إن هذا إرث المؤتمر الوطني، وهو ليس فقط إرث الثلاثين عامًا من الحكم بل يمكن أن نعود به إلى الثمانينات وتحديداً في عام 1983 في عهد الرئيس جعفر النميري، ومنذ ذلك التاريخ أصبح السودان مأوى للقاعدة وغيرها وهو ما أوصل البلاد إلى المستوى المتردي.
  • بالرغم من اختلافاتنا الفلسفية وغيرها مع الشيخ حسن الترابي إلا أننا كنا نتحاور كلما سنحت الفرصة، ولم يكن اختلافنا سببا في عدم الحوار، وعندما سألته عن سبب التغيرات المستمرة في عهده ودواعيها، وكانت إجابته أن واقع السودان أصبح هنالك منتج واحد وعشرون سمساراً وهذه سمات الدول على وشك الانهيار، ومحاولاتنا هي في سبيل تغيير هذا الواقع إلى عشرين منتجاً وسمساراً واحداً.
  • التقيت الترابي قبل وفاته بفترة قصيرة وذكرته بحديثنا عن المنتج الواحد والعشرين سمساراً، وقلت له أن البلاد الآن على وشك الانهيار وانتم خلال كل هذه السنوات تعملون فيما عرف بالتمكين فما هو التغيير الذي أحدثتموه، فكانت إجابته أنت محق، الآن ساءت الأمور وأصبح منتج واحد مقابل ثمانين سمساراً.
  • باختصار يمكن تلخيص ما تم إنجازه خلال الثلاثين عاما الماضية هو أن المشكلات التي كانوا يدعون حلها، تفاقمت بشكل كبير للغاية إلى أن وصل السودان لما عليه الآن، من جوع وغلاء في الأسعار وانهيار للعملة وأصبح مدعاة للسخرية من قبل الآخرين ولا يوجد أمر أكثر بؤساً وحزناً من هذا.
  • عليه لابد للسودان من الخروج من هذا المأزق وإيجاد الآليات التي تستطيع أن تجد المخارج المناسبة، وعلى التدخلات الخارجية أن تتوقف، والمسؤولية تقع بدرجة أساسية على الوطنيين السودانيين، وإذا رغبوا في ذلك فإن إدارة المرحلة الانتقالية ليست بهذا التعقيد، وعلي السودانيين الوطنيين تحمل المسئولية والاستفادة من أخطاء العقود الأربع الماضية وتحديد الوجهة المستقبلية، بدلا من تلقى الدروس والمحاضرات من الخارج مما جعل الشأن السوداني مرتع للعب الأطفال بحيث يفتي فيه من يشاء وبما يشاء.
  • لا يمكن الادعاء بأن الشأن السوداني ليس له تأثير علينا، ذلك أن دور السودان في الكفاح المسلح وبعد التحرير هو دور متداخل، وكانت الرغبة أن شعوب السودان، إثيوبيا، إرتريا، الصومال وجيبوتي تعمل سوياً ولكن هذا الحلم أندثر، ولكن لأنه لا يوجد خيار آخر غير تعاون هذه الشعوب فعلي السودان الخروج من المأزق الحالي، وهذا لا يتأتى إلا من خلال رؤية واضحة تغلق أبواب التدخلات الخارجية، ذلك أن المهمة ليست سهلة بسبب الأزمات المتعددة والمتراكمة.

ما نشاهده في القنوات التلفزيونية من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم خبراء أمر محزن للغاية

  • نحن من جانبنا وباستمرار، ليس حباً في الجانب العسكري أو ضد المكونات الأخرى ولكن من خلال تجربتنا والتي مكنتنا من التعرف على كافة السياسيين في الساحة السودانية سواء كانوا قيادات أحزاب سياسية أو قيادات حركات تحرر أو أفراد، وقد أتاح لنا الزمن التعرف على الكثير من التفاصيل، صحيح لن نتدخل فيما لا يعنينا لكن لأننا مهتمون بمصلحة الشعب السوداني وتطور السودان لذا فأننا نرى أنه لا بد من الخروج من هذا التهريج السياسي الحالي، ذلك أن الوضع الحالي وبدلاً من إيجاد حلول للمشكلات المزمنة، إلا انه يزيدها تعقيداً، ويتم تقديم أفكار تزيد من اشتعال هذه الأزمات وعندما يضاف إلى ذلك العامل الخارجي فإن الأمر يزداد سوءاً.
  • أن ما شاهدناه خلال الأعوام الماضية أمر مقلق للغاية، وهو أبرز الملفات التي تسبب لنا قلق حقيقي في هذه المرحلة، ولابد من إيجاد معالجات هادئة، ونحن من جانبنا نتشاور معهم باستمرار، ولكن على الجيش وقوى الأمن تحمل مسئولياتهم ويجب ألا تخرج الأمور عن السيطرة وتتجه نحو المواجهة أو إلى ما لا يحمد عقباه لان هذا يفاقم الأزمات أكثر، وبعد وصول السودان إلى بر الأمان -حينها يمكن لقوات الجيش والقوى الأمنية- لأن قضية الحكم لا تعنيهم بشكل مباشر يمكن أن يكونوا جزء من النظام، وهذا ما ظللنا نعمل به.
  • بالتأكيد يمكن الاسترسال أكثر في الشأن السودان بتحليل جذور الأزمات وتراكمها وتداخلها، ومن ثم إيجاد الحلول موضوعية من خلال المعرفة العميقة لهذه الأزمات، ولكن بشكل عام فأنني على المستوى الشخصي واحد من مصادر قلقي هو الوضع في السودان.

لمتابعة المقابلة كاملة:

ـــــــــــــــــــــــــــ

* آمال علي  – صحفية أريترية مقيمة بلندن

آمال علي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى