تقارير وتحقيقات

المبادرة الأممية.. لإزاحة العسكر أم لتثبيت دعائم انقلابهم بالسودان

منذ انقلاب العسكر على السلطة الشرعية في السودان؛ ما عادت الحياة في عاصمتها الخرطوم إلى سابق عهدها. تغطت الشوارع بالتظاهرات شبه اليومية، يتزامن معها إغلاقاً لغالبية الجسور التي تربط المدن الثلاث مع انقطاع كامل أو جزئي لخدمات الاتصالات والانترنت.

التغيير:  أمل محمد الحسن

وعمَّ الحزن البلاد التي فقدت أكثر من 60 شهيد وشهيدة أغلبهم في ريعان الصبا، بوجوهٍ مليحة طغت على الأسافير، فتحولت إلى سرادق عزاء كبير، لأمهات يبكيك حزنهن، وأصدقاء في عز الفجيعة، هذا بالإضافة إلى منشورات مجاورة عن القمع والعنف والسرقة على أيدي الأمنيين.

وسط كل هذا الاحتقان السياسي مع تمسك العسكر بكراسي السلطة، في مقابل الغضب الجماهيري المواجه بالعنف المفرط والإنكار المعلن، وبعد استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك؛ زاد المشهد السوداني قتامة وتعقيداً، ما دفع فولكر بيرتس، رئيس البعثة المتكاملة لدعم الانتقال بالسودان (يونيتامس) لتقديم مبادرة لمحاولة إنقاذ الأوضاع قبل انفراط كامل “يصومل” البلاد.

رفض قاطع

فور إعلان بيرتس لمبادرته؛ رفضها جملة وتفصيلا تجمع المهنيين السودانيين “نؤكد رفضنا التام لهذه الدعوة التي تسعى للدفع تجاه التطبيع مع مجرمي المجلس العسكري الانقلابي وسلطتهم الفاشية”. ولم يتوقف التجمع عند رفض المبادرة، بل مضى يتهم بيرتس نفسه بمحاولة شرعنة الإنقلاب!  ومخالفته للمهام الموكلة إليه من الأمم المتحدة “ممارسات السيد فولكر تخالف أسس ورسالة المنظمة الدولية في دعم تطلعات الشعوب في الحرية والسلم والعيش الكريم”.

بابكر فيصل: تواصل بيرتس مع المؤتمر الوطني يخالف الدستور

ويأخذ التجمع على بيرتس، أيضا، مساواته لجنرالات الإنقلاب بقوى الثورة في مؤتمره الصحفي الذي عقده الاثنين وفق المتحدث الرسمي باسم التجمع وليد علي الذي أكد أن المقاومة السلمية في السودان تاريخيا اثبتت قدرتهاعلى القضاء على كافة الديكتاتوريات، عبود ونميري، وحتى العنيف منها مثل عهد البشير.

وقال علي ل”التغيير”: مواقفنا مبدئية غير خاضعة لمقاييس الربح والخسارة السياسية، مشيراً إلى أن قوى الثورة الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

اجتمع في ذات موقف المهنيين رئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، في رفضه لمبادرة فولكر وأيضا كال إليه الاتهامات بمحاولة حماية المكون العسكري!

ووفق تسجيل صوتي لعبد الواحد نشره على صفحة الحركة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك؛ قال إن تفويض فولكر انتهى بانهيار الوثيقة الدستورية بعد انقلاب العسكر عليها.

وزاد موضحاً: فولكر رفض معاونتنا في إقامة لقاء الحركة التفاكري متعللا بأن تفويضه يشمل الوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا فقط.

الناطق الرسمي باسم تجمع المهنيين: أي صوت لا يتسق مع لاءات الشارع نشاز

على التضاد

اتخذ رئيس حركة/ جيش تحرير السودان، مني اركو مناوي، الموقع على اتفاق سلام جوبا، موقفا نقيضا ل”نور” مسارعا لتثمين دور البعثة الأممية، ومتهما في الوقت ذاته “النخب السودانية بالفشل في إدارة الحوار.

وكتب مناوي الذي انضم في العام الماضي لجماعة “الميثاق الوطني المنشق عن الحرية والتغيير، في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر “الحوار هو العنصر المفقود والذي فشلت فيه النخبة السودانية وافشلت معها السودان” متمنيا ان يقبل السودانيون بعضهم البعض قبل اللجوء للآخرين!

ترحيب مشروط

في الوقت الذي رحب مناوي بمبادرة فولكر للحوار، والتي شاركه فيها المكون العسكري ،بحسب تصريحات رئيس بعثة اليونيتامس في مؤتمره الصحفي ، اتخذت الحرية والتغيير موقفا وسطا، يمكن وصفه بالترحيب المشروط .

فالحرية والتغيير التي اعتبرت مبادرة الأمم المتحدة أمرا جيدا ربطت قبولها لها بمعرفة تفاصيلها.

التجمع الاتحادي أحد أهم مكونات الحرية والتغيير أمن على أن موقفه يتوافق مع الحاضنة السياسية، لكنه فصل أكثر في شروط قبوله للمبادرة رابطا إياها بإبعاد العسكر عن السلطة واسقاط الإنقلاب.

وقال رئيس التجمع الاتحادي بابكر فيصل ل”التغيير” لن نوافق على أي مبادرة لن تبعد العسكر من العملية السياسية وسنواصل النضال مع الشارع السوداني.

بابكر فيصل

وأكد فيصل عدم معرفة تفاصيل المبادرة التي يبدو أن اليونيتامس ستكون فيها مجرد “مسهل” للعملية الحوارية، مشيراً إلى أنها ستكون مقبولة حال لبت رغبات الشارع.

وأعرب فيصل عن استغرابه من إشارة بيرتس لرفض المؤتمر الوطني للمبادرة، قاطعا بأن تفويضه يقع في إطار الوثيقة الدستورية التي أكدت حل الحزب الذي اسقطه الشعب السوداني بثورة ديسمبر واقصاءه من الحياة السياسية “تواصله مع المؤتمر الوطني مخالفا للدستور”!

وحول موقف تجمع المهنين الرافض للمبادرة؛ أكد رئيس التجمع الاتحادي أنهم يملكون الحق في اتخاذ قراراتهم وفق تقديراتهم الخاصة؛ مستدركا ضرورة ةمعرفة التفاصيل قبل اتخاذ موقف نهائي.

وأضاف فيصل في تصريحات خاصة ل”التغيير”: الوضع الراهن لابد أن ينتهي وفق حل سياسي يلبي شعارات الشارع”

الواثق البرير: لا بد أن يرفع العسكر وصايتهم عن الشعب السوداني

تفاؤل حذر

الحلول السياسية للأزمة السياسية التي تمر بها البلاد وفق رئيس بعثة اليونيتامس لا تتم إلا عبر الحوار الذي سيبدأ بصورة منفردة مع بعض الأحزاب قبل إنطلاق حوار مائدة مستديرة يضم الجميع.

ووفق ما علمت التغيير فقد وصلت بعض القيادات السياسية دعوات خاصة للجلوس مع السيد بيرتس للتفاكر، فيما لم تؤكد ذات المصادر بداية الاجتماعات بعد.

مقترح بيرتس للجلوس مع الجميع؛ يعتقد حزب الأمة القومي أنها تشابه مشروعة للتوافق السياسي الذي ابتدره بلقاء كافة المكونات المدنية وحتى العسكرية للتعريف بخارطة الطريق التي تقدم بها كرؤيته الخاصة للحل.

وحول رفع المواكب المليونية لشعار اللاءات الثلاث؛ يؤكد الناطق الرسمي للحزب، الواثق البرير بأن تلك الشعارات لا ترفض مبدأ الحوار، وإنما ترفض الجلوس مع أسماء بعينها.

الواثق البرير

وأعرب البرير عن تفاؤله من توصل المبادرة الأممية للاختراق المطلوب لفك الاحتقان السياسي الذي تمر به البلاد.

وقال برير لـ”التغيير” لابد أن يرفع المكون العسكري وصايته عن الشعب السوداني ويسمع صوته ويسمح باكتمال التحول المدني الديمقراطي.

وأضاف البرير “يمكن للمبادرة أن تبحث ما يفعله المكون العسكري في مستقبل السودان”.

يقظة “ترس”

اتفقت لجان المقاومة بصورة مبدئية مع ما ذهب اليه التجمع الاتحادي والأمة؛ في رفضهم للمبادرة حال اعادتها ذات مشاركة المؤسسة العسكرية في حكم الفترة الانتقالية.

وقال عضو لجان مقاومة بحري ل”التغيير”: أي مبادرة لا تهدئ الشارع ستكون مجرد حبر على ورق.

وأكد أن لجان المقاومة لم تتوصل بعد لرد قاطع حول المشاركة من عدمها في مبادرة بيرتس “لابد من النزول للقواعد وجمع آرائهم ومواقفهم أولا قبل إصدار قرار”، مشيرا إلى عدم تلقيهم دعوة رسمية حتى الآن.

وزاد عضو تنسيقية لجان بحري: نحن على ثقة أن الشارع السوداني سيتجاوز لجان المقاومة حال ذهبت في اتجاه يخالف تطلعاته!

لقاء بيرتس السابق مع لجان المقاومة يعكس مدى أهميتها وفاعليتها في المشهد السياسي السوداني بعد أحداث انقلاب 25 أكتوبر، وأنها صارت مكونا لا يمكن تجاوزه أو اتخاذ قرار بدون موافقته.

تنتظر مفوض الأمم المتحدة في الخرطوم مهمة شاقة في التقريب بين أطراف ومكونات العملية السياسية في السودان وسط تباينات كبيرة بين أطرافها في قبولها الحذر لمبادرته وتخوينها له، وبين وجود مكونات بعيدة عن القيادة المركزية، في وقت يمثل عامل الزمن أمرا جوهريا كما أشار الأمين العام لحزب الأمة.

ويتطلع المجتمع الدولي لنجاح بيرتس في إعادة البلاد إلى مسار التحول الديمقراطي، ويتطلع الإقليم إلى عدم انفلات الأوضاع الداخلية في بلد يعاني من عدم استقرار حاد في أوضاع جيرانه شرقا وغربا.

ويتطلع الشعب السوداني إلى استقرار الأوضاع الأمنية والاقتصادية بعد أن زادت المشقة وشظف العيش مع زيادات في أسعار الكهرباء وتوقف الخبز المدعوم والدعم العالمي للبرامج الاجتماعية.

ويبقى التساؤل القلق من مدى مقدرة بيرتس في إنجاح مبادرته وتحقيق التطلعات الدولية والإقليمية والمحلية، وإنزال الخرطوم من الصفيح الساخن الذي يغلي تحتها؟!

تعليق واحد

  1. مجموعة اسئلة من الذي شق صف قوى الحرية والتغيير ولماذا اختلفت وانقسمت ولماذا لم تحل مشكلات البلاد، ولماذا لم تشكل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية. من الذي اتاح الفرصة للجيش بالتدخل. يكتمل التحول الديمقراطي بقيام النتخابات لكن توجد قوى سياسية لا تريد انتخابات تريد فترة انتقالية الى مالانهاية لماذا. اي جهة ترفض المبادرة الاممية هي جهة غير ديمقراطية ولا تبحث عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى