أخبارتقارير وتحقيقات

ما أوجه الشبه والاختلاف بين المبادرات المطروحة لحل الأزمة السودانية

الناظر للمبادرات المطروحة لحل الأزمة السياسية بالسودان، يكتشف أن بعضها متشابهة لدرجة كبيرة. ولكن بالمقابل، هنالك أيضا اختلافات جوهرية في المضمون خاصة فيما يتعلق بالقضايا المفصلية كعلاقة الشراكة بين المدنيين والعسكر والانتخابات وتكوين مؤسسات الفترة الانتقالية.

تقرير : الفاضل إبراهيم

آخر تلك المبادرات إعلان رئيس البعثة الأممية المتكاملة لدعم الانتقال في السودان “يونيتامس” فولكر بيرتس عن دعوة لحوار بين فرقاء الأزمة السودانية لاستعادة المسار الديمقراطي بالبلاد، فيما طرحت الهيئة الحكومية لتنمية شرق أفريقيا (إيغاد) مبادرة لتسهيل الحوار بين كافة الأطراف السودانية.

فيما قدم تجمع المهنيين السودانيين مقترحا باسم “ميثاق استكمال ثورة ديسمبر المجيدة”، شدد من خلاله على إسقاط الإنقلابين أولاً كما اشترط الميثاق أن يحصل رئيس مجلس الوزراء المدني على منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة على أن تخضع موازنة الجيش لولاية وزارة المالية، فيما أكدت لجان المقاومة، أن أي مبادرة لا تشمل خروج الجيش من السلطة غير مرحب بها.

بدورها، سلمت قوى الحرية والتغيير ورقة للمبعوث الأممي توضح رؤيتها لهدف أي عملية سياسية ذات مصداقية حسب وجهة نظرها ومتطلباتها بطريقة تلبي تطلعات الشعب السوداني الثائر ضد انقلاب ٢٥ أكتوبر.

كما تتضمن ورقة قوى التغيير تأسيس سلطة مدنية كاملة تختارها قوى الثورة والتغيير وفقاً لترتيبات دستورية جديدة تنأى بالمؤسسة العسكرية عن الحكم وتقر إصلاحات جوهرية تضمن التحول الديمقراطي المدني كما سلم الحزب الشيوعي مذكرة لفولكر تتضمن مطالب بمدنية كاملة للدولة ورفض الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا.

من جهتها، أبدت الحرية والتغيير مجموعة الميثاق الوطني، المؤيدة للانقلاب، ترحيبها بالمبادرة الأممية من حيث المبدأ، شريطة ألا تطيل الفترة الانتقالية، وأن تكون شاملة وتوصل البلاد للانتخابات في موعدها المحدد.

وكان حزب الأمة القومي أول من قدم مبادرة للأزمة، تضمنت التوافق حول العودة الكاملة إلى الوثيقة الدستورية، والالتزام باتفاق سلام جوبا، ووضع خارطة طريق لاستكمال هياكل الفترة الانتقالية الأيام المقبلة.

منذر عبد القادر حربي

تشابه المبادرات

 

يقول الأستاذ بالجامعات السودانية، منذر عبدالقادر حربي، إنه اطلع على عدد من المبادرات ولاحظ عدم وجود اختلافات كبيرة بينها فيما يتعلق بالحلول والطرح، مضيفاً “بعض المبادرات متشابهة وتختلف فقط في الصياغة وطريقة العرض والاسم، ما بين  ميثاق، مبادرة وخارطة”.

ويؤكد حربي لـ(التغيير)، أن معظم المبادرات أجمعت على إلغاء الوثيقة الدستورية التي وقعت بين قوى إعلان الحرية والمجلس العسكري، وتقريبا هناك توافق حول مدة الفترة الانتقالية بين سنتين وأربع سنوات، كذلك هناك اتفاق تقريبا حول تشكيل وأسماء وعدد المفوضيات بجانب نسبة المرأة في السلطة “40%”.

ويشير حربي، إلى رغبة معظم واضعي المبادرات في تغيير الوضع بالمجلس السيادي، بإلغاء المجلس المختلط، فالجميع يرفض وجود مجلس سيادي عسكري وإن كان هناك من يرى بعدم أهمية وجود مجلس سيادي من الأساس حتى لو كان مدني مع بعض الآراء الداعية لوجود مجلس سيادي مدني، على أن تكون مهامه تشريفية.

وفي حالة عضوية مجلس السيادة هناك من يرى أن يتكون من ثلاثة أعضاء والبعض يذهب لخمسة أعضاء، ولكن الاختلاف الكبير بحسب منذر حول آلية تشكيل المجلس التشريعي وحول النسب وتاريخ تشكيله.

 

واقعية

 

ويصف الباحث والمحلل السياسي، يوسف الأمين، في حديث لـ(التغيير)، مبادرة أساتذة الجامعات بالفضفاضة، لأنها تناولت قضايا كلية تشمل الاستحقاقات الدستورية والسلام والإجراءات القانونية والدستورية، دون الخوض في التفاصيل في شكل العلاقة بين العسكر والمدنيين، حيث دعت إلى صياغة وثيقة واحدة تجمع كل القوى السياسية السودانية، بهدف إيجاد حل منطقي ومقبول وفق ما تتوصل إليه الأطراف المختلفة.

ويعتقد الأمين، أن مبادرة حزب الأمة هي الأكثر واقعية، لكنها في نفس الوقت ستكون مرفوضة من قوى الشارع.

وقال “المبادرة تعتمد بحسب ما نشر في بعض وسائل التواصل الاجتماعي على شراكة جديدة بين العسكر والمدنيين وهذا الأمر سيكون مرفوض طبعا من قبل الشارع الثائر وقوى الحرية والتغيير “المركزي”.

وأضاف “في نظري المبادرة مقبولة، لجهة أننا في فترة انتقالية لا يمكن أن يخرج العسكر من السلطة، لأنهم ربما يقعون تحت طائلة الحساب والعقاب وهذه ليست وجهة نظري الشخصية، أنا مع الدولة المدنية الكاملة، لكنني أقول ذلك وفق حسابات المنطق”.

 

الخروج الآمن

 

ويشير الأمين، إلى أن حسابات المنطق ذاتها يمكن أن تجعل الجانب العسكري يقبل بمبادرة أساتذة جامعة الخرطوم التي ورد ضمن فقراتها قضية العدالة الانتقالية والتي تتضمن  بعض التدابير مثل الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات وربما تصل لعفو يضمن الخروج الآمن للعسكر مقابل تسليم السلطة ولكن هذه النقطة لازالت مجرد فكرة وصعب أن تجد طريقها للتنفيذ لجهة أن أسر الشهداء يتزايدون يوما بعد يوم.

وأوضح الأمين، أن كافة المبادرات، ستصطدم بالشارع الذي يريد خروجاً كاملاً للعسكر من السلطة، وهو ذات المصير الذي يواجه دعوة فولكر للحوار بين أطراف الأزمة السودانية. وقال “هنالك متغيير جديد وفاعل هم لجان المقاومة الذين يحركون الشارع هؤلا سيظلون في حالة ثورية لا أحد يدري متى تتوقف في ظل فقدانهم الثقة في كافة القوى السياسية والعسكر”.

 

دستور جديد

 

وقال رئيس مبادرة جامعة الخرطوم، علي سيوري لـ(التغيير)، إن مبادرة الجامعة ربما تلتقي مع العديد من المبادرات، لكن ما يميزها هو طرحها لقضية العدالة الانتقالية بجانب التوافق على إعلان دستوري جديد (أي تمزيق الوثيقة الدستورية)، مؤكدا على ضرورة قيام المجلس التشريعي لمحاسبة ومراقبة عمل الحكومة التنفيذية.

ونوه سيوري، إلى أن مسودة خارطة الطريق تقبل التعديل والإضافة، مؤكداً أن متطلبات نجاح الخارطة تتطلب تكوين إعلان دستوري جديد يضم جميع أجسام الثورة للمحافظة على مكتسبات الثورة ونجاح الفترة الانتقالية والوصول إلى التحول الديمقراطي ونجاح تكوين حكومة منتخبة.

وأشار السيوري، لأهمية تسمية مجلس سيادة مدني بموجب الإعلان الدستوري ويقوم باعتماد رئيس للوزراء المرشح بواسطة قوى الثورة، على أن يتولّى رئيس الوزراء تكليف مديرين عامين ووكلاء مؤقتين لتسيير دولاب العمل في الخدمة المدنية. حيث يتولى رئيس الوزراء تكليف اللجنة الوطنية لاختيار حكومة الكفاءات المُستقلة بموجب القانون يتم اعتماد قانون مؤقت تعده قوى الثورة من أكاديميين وبيوت خبرة مستقلة قانونية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي.

عبد الرحمن أحمد عثمان

 مدنية الدولة

 

يقول الأستاذ بالجامعات السودانية، وصاحب مبادرة أساتذة الجامعات المستقلين، عبد الرحمن أحمد عثمان، إن مبادرته للحل لا تناقش تفاصيل الوضع الحالي لكنها تصب في كيف يحكم السودان مستقبلاً،  مشيراً إلى أن مبادرة الأمم المتحدة التي طرحها فولكر أجابت على السؤال المتعلق بكيفية الخروج من المأزق الحالي وأن مبادرته الشخصية التي وجدت تجاوب من عدد من أساتذة الجامعات المستقلين.

وأكد عبد الرحمن، في حديث لـ”التغيير”، أن مبادرة فولكر ليست دعوة للحوار فقط كما ذكر هو شخصيا ولكنها تحمل في طياتها بحسب التسريبات تفاصيل الحل المتمثل في تكوين مجلس أعلى للأمن والدفاع يضم العسكر مع عودة عبد الله حمدوك لرئاسة الجهاز التنفيذي بصلاحيات واسعة حتى نهاية الفترة الإنتقالية.

ورأى عبد الرحمن، أن جزء مما ذكره في مبادرته يمكن أن يستفاد منه في الفترة الانتقالية، خاصة في فيما يتعلق بمدنية الدولة واختيار الوزراء والمدراء للمؤسسات مثلا وزير التعليم العالي يتم اختياره بواسطة أساتذة الجامعات ووزير الصحة بواسطة الأطباء، وهكذا وفيما يتعلق بلجان المقاومة والقوى السياسية الأخرى، أشار إلى أن مكانهم الأنسب هو المجلس التشريعي.

منذر مصطفى

فشل

 

ويصف القيادي في المجتمع المدني، منذر مصطفى، الحديث عن المبادرات في الساحة السياسية السودانية ومحاولة فلترتها ومعرفة التشابة والاختلافات بينها بالأمر عديم الجدوى لجهة أنها كلها ستفشل كونها بعيدة عن مطالب الشارع الثوري الفاعل الحقيقي.

ويقول منذر لـ”التغيير”، “نعم هنالك مبادرات كثيرة إذا جاز أن نسميها مبادرات، لكن في اعتقادي الشخصي، أن مبادرة الشارع وفق اللاءات الثلاثة لا تفاوض ولا مساومة لا شراكة، هي الأفضل وتمثل المخرج الوحيد لأنها مسنودة شعبياً ويضيف هنالك من يسعى لوصم حراك الشارع بعدم الموضوعية والصفرية، وهذا غير صحيح وسيظهر هذا الأمر قريباً جداً.

وتابع “طالما كافة المبادرات تحاول بناء دولة يجب أن تلتف حول الشارع، أي حديث خلاف هذا، ستلقى كافة المبادرات مصير النظام البائد الذي كان في آخر أيامه يتعلق بمثل هذه الأطروحات التي كانت بعيدة عن مطالب الشارع”.

ويصنف منذر القوى السياسية حاليا بثلاث مجموعات رئيسية معارضة ومقاومة وسلطة، مشيرا إلى أن المقاومة لا يمكن ان تلتقي مطلقا مع القوى العسكرية، لافتا إلى أن فرصة نجاح أي مبادرة خارج حراك الشارع تتمثل في تنازل العسكر عن السلطة .

ايوب عباس من تجمع شباب السودان، طرح مبادرة دراسة المشكلة السياسية ومن ثم وضع الحلول لها إيجاد حل سلمي للأزمة السودانية وتأسيس نظام ديمقراطي ونظام حكم جديد وفق سياسات بديلة بإحداث تحول جذري وتغيير كل يحقق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وصولا لانتخابات حرة نزيهة.

“مبادرة للتوافق السياسي لقوى الثورة، مائدة مستديرة، مؤتمر دستوري جامع يصل لرؤية مشتركة لإكمال هياكل السلطة الانتقالية حكومة تكنوقراط مستقلة ثم مفوضية الانتخابات ومفوضية الدستور وقانون الانتخابات تفضي لحكومة ذات تفويض شعبي”.

رمضان عبده تية

تعقيدات

 

فيما يقول رمضان عبدو تيه اكاديمي وباحث سياسي أن الساحة السودانية السياسية في وضعها الراهن بها كثير من التعقيدات التي جاءت بها التحويرات المغلقة والمبادرات المنكفئة على نفسها وعندما نقول مغلقة نعني تلك التي لا تقود الى احتمالات وتنبؤات.

ويشير تيه في حديث “للتغيير”، إلى ان هنالك عدد من الجهود لحل الأزمة السودانية  منها مبادرة أساتذة الجامعات عموما، مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم المبادرات الوطنية التي تقدم بها نفر من الرموز الوطنية، ومنها أيضا مبادرات الإدارة الاهلية ومبادرات المجتمع المدني الفردية والجماعية والحزبية والمستقلة.

ويضيف “حتى الميثاق السياسي الذي وقع بين رئيس الوزراء ورئيس المجلس السيادي هي أيضا مبادرة لوضع حلول للراهن السياسي بأمصال تقيه من متلازمة التدهور وامراض سوء الإدراك السياسي للمصالح الوطنية، لكن هذه المبادرات والجهود جميعها فشلت حتى الآن في أن تنهي حالة الاحتقان والخصومة الزائدة بين الفرقاء جميعا في الساحة السياسية السودانية فشلت لأنها متشابهة ولا تحمل حلول واقعية وهي مغلقة”.

وتابع “لكن ما يميز هذه المبادرات انها التقت حول عدد من النقاط حيث اتفقت على أن تكون الحكومة ورئيس وزرائها من الكفاءات التكنوقراط كما ركزت المبادرات مجتمعة على ضرورة التحضير للانتخابات والتوافق السياسي لخدمة أهداف الثورة بجانب المحافظة علي مكتسبات سلام جوبا وإصلاح بعض الثغرات في الاتفاقية، وقال “الملاحظ أن معظم المبادرات لم تركز على الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى