أخبارأعمدة ومقالات

17/18يناير سمحة وسمرية وجمهورية 

خالد فضل

ها هما اليومان المتتاليان من شهر يناير يعودان , في مجرة الزمن المستمرة حتى يوم القيامة , تمضي أجيال تعقبها أجيال , ويمضي سودانيون وسودانيات يعقبهم نسلهم كذلك , لكن تبقى ذكرى مصطفى سيد أحمد المقبول حاضرة عبر الأجيال , مثلما تظل ذكرى الأستاذ محمود محمد طه كاملة الحضور تتجدد , وفي 17يناير 1996م توفي مصطفى بعد صراع مع الفشل الكلوي الذي أصابه باكرا , فامضى وقتا كبيرا من عمره المحدود في صراع بين ألم الجسد وسلامة الروح والفكر , انتصرت روح مصطفى وآبت إلى خالقها كأبهى ما يكون  الإياب , ونافح محمود وكافح , ثم نظر وفكّر , وامتلأ روحا عذبة نقية صافية , ولمع عقلا لا يخلو من لمحات روحية جذّابة , حتى حان 18ينائر 1985م عندما سمت تلكم الروح الشفافة إلى بارئها , وتدلى الجسد مطوحا من حبل المشنقة في منظر ارتعبت له القلوب الممتلئة بمعرفة الله ومحبة الخلق في كل أرجاء المعمورة وبمختلف الألسنة والثقافات , وحدهم  أصحاب النفوس المظلمة والأرواح الشريرة والعقول السقيمة هللوا وكبرّوا وابتهجوا واحتفلوا , هولاء أدمنوا شرب الدماء , ومارسوا وأد الفضائل , باسم الله يوزعون الظلم في الطرقات ؛ كما في حداء النبيل الصادق الرضي.

سمقت روح محمود , وهو الذي قضى جلّ عمره في حياة الشعور , يحيا الإسلام كقيمة , وليس كتمشدق المتخمين باسم الدين الذين يتآمرون على خلق الله ومواردهم لينهبوها , وعلى ثرواتهم ليسرقوها ( وكلوا باسم الله ) وتحت لافتة الإسلام يقتلون الأنفس التي حرّم الله إلاّ بالحق , وأنّى يكون الحق بجانب السفلة القتلة !! أنّى يكون الحق بجانب السارق ! فيما روح مصطفى الممتلئة شعورا ومحبة للناس والأشياء , تحلق في روح الكلمات فتخلق منها نغما يغوص فى مكامن الحس الواعي , يحلق باختياراته الفريدة ليمضي مرفوع الجبين محفوفا بدعوات وصلوات ودعاء الملايين , لقاطة القطن حشاشة القصوب كلات الموانئ عمال الفرن , أجراس المعابد تراتيل المنابر , مضت روح مصطفى وكل سمحة وسمرية بثبات تكسي فارسها بسالة , وست النفور أجمل الجميلات وانبل الباسلات ترتقي روحها , بينما الأصابع الخائنة الجبانة تضغط على تتك التنشين لقنص الحياة الرحبة والشعور النابض والقلب المحب الذي كان ينبض بحياة تلك السمحة وسمرية ولفتاتا غزال , ومحمود يعلي بفكره النيّر من حياة الإنسان الفرد ؛ عنده القيمة لكون الفرد إنسانا , ليس نوعا يحوز ونوع دون يتبع , كما هي مذاهب فقه القشور , كانت جبهة الحرب على محمود من خنادق الردّة تدور وهو يمضي ممشوق القوام عالي المقام , لا يهاب الردى , ومن إمتلأ قلبه إيمانا لا ترهبه المقصلة , ولن تثنيه جحافل الظلام وإن عظمت قوتها , فانظر إلى جحافل بطش البرهان الآن , وتأمل في جسارة المعصوم والريح وسبط الشهيدات والشهداء الميامين , وعلى ذلك قس الفرق بين من يحيا في القشور ومن تمكّنت فيه قيم رفعة الشعور , الفارق واضح بين القناص المرتعد والصنديد الواثق المبتهج بملاقاة وجه ربه شهيدا , هكذا كرّس مصطفى غنائه ومن قبل حياته ومواقفه كلها من أجل الغبش الرابة تهني على وعد هدير المدن التصحا وتمحى ضلام الحاصل عنّي , وكما في تعليق الجميل أزهري ( ها هم الذين عناهم مصطفى يزينون الطرقات والشوارع بانبل المعاني واسماها )

هكذا يا صاح يأتي اليومان متتاليان , وفي ذلك حكمة , فما بين مصطفى ومحمود وشيجة خلاص , وجهد وعمل خلاق مبدع ومفكر من أجل الإنسانية كلها . لهذا خلدت ذكراهما بينما ذكرى الباطشين الخاملين تذروها الرياح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى