أخبارتقارير وتحقيقات

السودان: «العنف المفرط» يحفر خندقاً بين الجيش والشعب

أحدث العنف المفرط الذي قابلت به الأجهزة الأمنية، الثوار السلميين في السودان خلال المواكب الرافضة للانقلاب العسكري، جفوة كبيرة بين الشعب والمؤسسة العسكرية، بل أن بعض العسكريين عبروا عن الحزن الشديد للهوة التي اتسعت بين الشعب والجيش نتيجة هذا المسلك غير المقبول.

خاص- التغيير

صورة أبطال الجيش السوداني الذين حموا الثوار أمام القيادة العامة من رصاص جهاز أمن « عمر البشير» في أبريل 2019م، تغيرت كلياً إلى الإتجاه المعاكس بعد أن هاجمت عناصر منهم الثوار قرب حديقة القرشي بالخرطوم وانهالت على النساء ضرباً بالعصي «بينهم الصحفية شمائل النور» وحاولت دهس المتظاهرين السلميين «بينهم الصحفي عثمان فضل الله» في مواكب مليونية 13 يناير 2022م.

وعلى الرغم من تشكيك ضابط رفيع يتبع للمؤسسة العسكرية في انتماء هذه العناصر التي تستقل سيارات الجيش وترتدي زيه له: «أعرف عقلية جنود الجيش وطريقة تدريبهم لا يمكن أن يقوموا بهذا الفعل»، إلّا أن الراجح هو رفض قطاع واسع من المنتمين إلى الجيش لاستمرار التظاهرات والنضال في مواجهة الانقلاب العسكري!! وقال ضابط رفيع- فضل حجب اسمه لـ«التغيير» مستنكراً: «ماذا يريدون؟»، مطالباً القوى السياسية بالاستعداد للانتخابات التي أعلنها القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان.

عسكريون يساندون الانقلاب والبعض الآخر يشعر بحزن كبير

مع وضد

بالرغم من عدم انتقاد الضابط الذي يدفع التهمة عن مشاركة زملائه في فض التظاهرات، لانقلاب 25 اكتوبر، إلا أن سياق حديثه يؤكد عدم رضا الكثيرين داخل الجيش عن القمع المفرط الذي تواجه به الأجهزة النظامية المواكب السلمية الرافضة للانقلاب.

ونفى بصورة قاطعة حمل جنودهم لذخيرة حية، وأكد استحالة خروج الجيش بسلاح «دوشكا» في قلب العاصمة. وقال لـ«التغيير» إن أي مجموعة من الجنود يرافقها ضابط تلتزم بتعليماته.

وأضاف: «القوات التي تتبع للجيش لا تنتشر داخل المدن، ترتكز فقط في محيط القيادة لحماية مقرات الجيش والنقاط الاستراتيجية».

إفادة الضابط الرفيع- حال صحت- تفتح باب التساؤلات واسعاً حول الجهة التي ينتمي إليها من قاموا بقمع المظاهرات السلمية في قلب الخرطوم، وتشير- ربما- إلى رفض عناصر الجيش لقمع المظاهرات فيتم استبدالهم بعناصر أخرى لا تمانع ضرب النساء والدهس وإطلاق الرصاص الحي بالأسلحة الثقيلة!

وفي الوقت الذي رفضت فيه معظم القوى السياسية والمدنية والشارع السوداني انقلاب 25 اكتوبر الذي قام به القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، برّر الانقلاب ضابط رفيع بأن «المؤسسة العسكرية في أي مكان في العالم تتدخل في العملية السياسية عندما يقتضي الوضع الأمني ذلك».

وأعرب عن استغرابه من النظر إلى الجيش كخطر على الديمقراطية، وأكد أن جميع الانقلابات العسكرية في البلاد كانت تقوم بها أحزاب سياسية!

الإفادات التي تحصلت عليها «التغيير» تؤكد عدم تبني جميع منسوبي الجيش لوجهة نظر واحدة، البعض يساند الانقلاب ويبرِّر له بقوة، والبعض الآخر يشعر بحزن للهزة الكبيرة التي شابت صورة الجيش للمرة الثانية منذ فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019م.

مجلس أعلى

هذا التضارب في الآراء والمواقف داخل المؤسسة العسكرية ربما كان هو الدافع الذي جعل «البرهان» يقوم بتشكيل مجلس أعلى للجيش برئاسته وعضوية أعضاء المكون العسكري في مجلس السيادة، ونائب رئيس هيئة الأركان وقادة الوحدات العسكرية «المدفعية، الإشارة، المدرعات، الموارد البشرية واللوجستية» إلى جانب قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي».

ووفق الضابط الذي تحدث لـ«التغيير»، فإن هذا المجلس ليس جديداً، كان موجوداً منذ عهد الرئيس المخلوع عمر البشير لكنه لم يكن مفعلاً، والأمر الجديد فيه هو ضم «الدعم السريع» لعضويته.

ويقع على عاتق المجلس رسم سياسات الجيش ووضع الميزانيات وبحث القرارات السرية وفق ما علمت «التغيير».

لكن السؤال هو: هل سيحسم المجلس التململ الذي يسري داخل الجيش من القمع المفرط للتظاهرات والمغامرين من ضباط الجيش الذين قد يفكروا في تصحيح المسار وصورة المؤسسة بانحيازهم للشارع الذي فقد أكثر من 70 شهيداً؟.

مصير مشترك

ليس مستغرباً لأي متابع ضم «حميدتي» لعضوية المجلس الأعلى للجيش الذي شكّله البرهان، على الرغم من أن تلك العضوية تسمح له بالإطلاع على كافة أسرار الجيش وميزانياته وإمكاناته، فيما رفض بصورة قاطعة دمج قواته داخل الجيش العام الماضي.

وليس جديداً تململ الكثير من الضباط الرفيعين للمكانة التي حظي بها قائد الدعم السريع؛ ومثّل حديث اللواء «عبد الباقي بكراوي» منفذ الانقلاب الفاشل أكبر دليل على ذلك.

قانون الدعم السريع منح قائد الجيش سلطات واسعة تشمل ضمه داخل القوات المسلحة، إلا أن ضابط رفيع أكد لـ«التغيير» أن البرهان قام بإلغاء تلك المادة بعد سقوط البشير.

من جهة أخرى يسمح قانون الدعم السريع للعام 2017م للقائد العام بتبديل قائده، الأمر الذي لم يفعله البرهان وقام بمنحه رتبة فريق أول في الوقت الذي وضع القانون رتبة فريق كأعلى رتبة للقوات!

وربما المصير المشترك الذي ربط الرجلين اللذين تعاونا في الانقلاب على السلطة الشرعية في 25 اكتوبر 2021م ليس بداية تلك العلاقات بين الرجلين الذين جمعهتهما الكثير من المهام السابقة لسقوط البشير!.

ضابط رفيع: وقوع انقلاب جديد أمر لا يمكن القطع به

بيئة شائعات

الظروف البالغة التعقيد التي تمر بها البلاد، فتحت شهية مسربي الشائعات الذين روجوا لانقلاب قادم بقيادة الضباط الإسلاميين داخل الجيش، إلا أن الضابط المساند لانقلاب البرهان، قطع بعدم مناسبة المناخ لعودة الإسلاميين، وأكد في حديثه لـ«التغيير» عدم تمكّن النظام الإسلامي من تطويع المؤسسة العسكرية رغم سنوات حكمها الطويلة: «القوات المسلحة هي التي أجهزت على نظام الإسلاميين في البلاد».

واستدرك قائلا: «التكهن بوقوع انقلاب من عدمه أمر لا يمكن القطع به!».

هل تحمل اجتماعات الرياض صفقة لإبعاد الجنرالات عن المشهد السياسي!

تحذير دولي

القمع المفرط للمواكب السلمية منذ انقلاب 25 اكتوبر وخاصة مواكب 17 يناير أكدت تجذُّر انعدام الثقة في المؤسسة العسكرية وتصاعد الرفض الشعبي لممارستها للسياسة- وفق الخبير الاستراتيجي راشد الشيخ.

وقطع الشيخ بأن ما حدث في 17 يناير لن يتكرر، وأكد أن هذا القمع مدان حتى من داخل المؤسسة العسكرية.

وقال الشيخ لـ«التغيير»: «القتل الذي مارسته الأجهزة النظامية كلفته عالية وسيؤثر حتى على مستقبل المؤسسة العسكرية في البلاد».

امتد الشجب والإدانة للعنف المعلن تحت القيادة العسكرية ليشمل العديد من الدول الخارجية من بينها إدانة اجتماع «أصدقاء السودان» الذي انعقد بالعاصمة السعودية الرياض الثلاثاء، والذي شدّد على رفض العنف.

ووفق الخبير الإستراتيجي، فإن أمريكا وحلفاؤها لن يسمحوا باضطراب الأوضاع في السودان خاصة مع وجود مهددات إقليمية كبرى.

وكانت التقارير الأممية أرسلت صوت تحذير للحركات المسلحة بعدم المشاركة في قمع المتظاهرين ما جعل العدل والمساواة تصدر بياناً تنفي فيه مشاركة قواتها في الشارع السوداني.

وتوترت العلاقات بين الجيش والحركات إثر مطالبة البرهان لها بسحب قواتها من الخرطوم والمدن الكبرى؛ الأمر الذي اعترض عليه بعضها.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى التأخر في إنفاذ ملف الترتيبات الأمنية، وهو خطأ فادح خلق مجموعة من التعقيدات لا يمكن حلها بقرار فوقي- بحسب الشيخ- الذي وصف ما حدث بـ«تضارب مصالح»، وأعرب عن تخوفه من حدوث مواجهات.

صفقة؟

مع وجود خلافات كثيرة بين حاملي السلاح في البلاد؛ الخوف صار يتسع يومياً من نذر مواجهات بين المسلحين وتتفاقم أزمة البلاد من اعتراض الانتقال الديمقراطي إلى انهيار أمني شامل يهدد وجود البلاد!

ووفق مصادر عليمة تحدثت لـ«التغيير» يبحث أصدقاء السودان في العاصمة الرياض إمكانية إقناع الجنرالات السودانيين عبر حلفائهم الخليجيين بقبول صفقة تشمل إزاحتهم عن المشهد السياسي السوداني، دون الكشف عن المقابل الذي سيعرض عليهم.

إزاحة القيادات الحالية، حال تمت، تفتح الباب أمام أسماء جديدة بدأ يتم الترويج لها حالياً.

ويبقى السؤال حول بقاء المؤسسة العسكرية جزءاً من الفترة الانتقالية أم أنها ستكتفي بالقيام بدورها في حفظ الأمن الوطني؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى