أخبارأعمدةأعمدة ومقالات

حول مشروعية تمثيل الثورة السودانية: ما قبل أي ميثاق او اعلان سياسي أو إعلان دستوري

بقلم: بكري الجاك

السؤال حول مشروعية التمثيل، أو من يمثل من، قديم قدم صراع الانسان حول بلورة و تأطير مصالح متعددة و متضاربة و متنافسة في مجتمع تعددي plural society من حيث المواقع الإجتماعيه التي تحددها عوامل من بينها النوع و الطبقة و الاثنية و الجغرافيا و الخيارات الفردية. هنالك طريقتان مجربتان للإجابة علي مشروعية التمثيل: أولهما الإنتخاب المباشر او الغير مباشر، و الإنتخاب هو من صميم العملية الديمقراطية التي يجب أن تصون نزاهة و شروط الإنتخاب و التنافس الحر بواسطة قوانين و آليات و اجرءآت تضمن صحة التعبير عن إرادة المُمَلثلين بشكل حقيقي. و حتي آلية الإنتخابات في الديمقراطية الليبرالية لا تخلو من اشكالات في التعبير الحق عن ارادة المُمَثلين ( الناخبين) فالقضايا الفنية مثل سجل الناخبين و كيفية تقسيمهم في كليات انتخابية و مواعيد الإنتخاب و المدة التي تفتح فيها الصناديق يمكن أن تؤثر في عكس إرادة الناخبين، خذ مثلا أن من يصنع القانون يمكن أن يحدد شروط من يحق له التصويت، و هذا المبدأ يعطي المُشرِّع ( المنتخَب) الحق في تحديد الناخبين. ثانيهما، التفويض التوافقي الذي يمكن أن يحدث في ظروف عادية مثل أن يقبل الناس بتقديم فرد أو افراد للحديث باسمهم و ايضا يمكن أن يحدث في ظروف استثنائية مثل حالة الحرب أو كحالة الثورة السودانية. بالطبع يمكن ان يحدث جدل حول ما اذا كانت فكرة التفويض بالتوافق أو بالقبول و التراضي هي شكل من اشكال الإنتخاب مثل الفوز بالتزكية و دون طعن مع فارق وجود العملية الإجرائيه. الرد علي مثل هذه المقارنة سهل فعادة اللجوء الي التفويض التوافقي يتم في ظل ظروف يصعب فيها تحديد و حصر المُمَثلين اي ال constituents من أصحاب المصلحة و الفاعلين السياسيين.
هذه المقدمة ضرورية لأن الثورة السودانية الآن قد احرزت تقدم كبير في نضح أدواتها و في تجذير مطالبها و في نجاعة تحليل و تعميم فهم مشترك حول أصل مشكلة الإنتقال الديمقراطي في البلاد التي يمكن ايجازها في الاختلال البنيوي المتمثل في وجود و هيمنة المؤسسة العسكرية علي الاقتصاد و السياسية و في حركة تنظيم المجتمع مما يعني أن الاجسام النظامية قد امتصت الدولة بالكامل و تقوم بدورها الآن في كل المناحي. عليه، اصبحت هذه المؤسسات الأمنية نفسها عرضة للاختطاف بواسطة عصابات مافيا و كارتيلات تستغل مشروعيتها المؤسسية التاريخية لاكتساب شرعية اجتماعية و سياسية للقيام بانشطة تتفوق علي الدولة ( أو فوق الدولة) و تدعي الحق الكامل في تحديد و معرفة مصلحة شعوب السودان، بالرغم من أنها في واقع الأمر تحمي مصالح شرائح ضيقة باستخدام العنف المؤسسي في قمع اي محاولة لتصحيح هذه الوضعية المختلة. هذا الوضع جعل الدولة السودانية برمتها في حالة اختطاف بواسطة هذه الكارتيلات التي تتخفي خلف منظومة الصناعات الدفاعية و الشركات الأمنية و تتحالف مع شركات ( عصابات) عابرة للحدود من روسيا و دول اخري و تعمل علي نهب موارد السودان و الحصول عليها بتكلفة تقل كثيرا عن سعرها في الاسواق العالمية حيث و لا يعود عائد هذه العمليات التجارية بأي منفعة للسودانيين.
من واقع حوارات طويلة مع ما يفوق الاربعين لجنة مقاومة و نقابات و قوي سياسية و العديد من الفاعلين السياسيين تكشّف لي أن الاجابة علي مشروعية تمثيل الثورة الآن هو التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الحراك الديسمبري العظيم. ما حدث في ٢٠١٩ في اعقاب أحداث فض الاعتصام كان بمثابة تفويض توافقي ثوري لقيادات في قوي الحرية و التغيير لاستكمال مطالب الثورة عبر عملية سياسية تفاوضية انتجت الوثيقة الدستورية و الشراكة مع بقايا الانقاذ من غير الحادبين علي انتقال ديمقراطي حقيقي او حتي تغيير جزئي في بنية علاقات السلطة و الثروة. و بعيدا عن التقييم المستفيض لتجربة الشراكة الا أن الحقيقة الماثلة تجلّت في اضعاف قوي الثورة لنفسها بعوامل ذاتية عديدة ( اضافة الي عوامل موضوعية اخري) من ضمنها الغيرة و التعجل و تقديم ماهو برامجي علي ماهو تأسيسي و اقصاء العديد من الآراء القيمة و من ثم الانفراد بصناعة قرارات عامة دون مشورة و شفافية و مراجعة، هذا كان منذ الأيام الأولى للتفاوض و إلى وقت الانقلاب علي الشراكة في ٢٥ اكتوبر 2021. محصلة هذه التجربة الآن تقف حجر عثرة أمام بناء حلف ديمقراطي ثوري للتعبير عن كافة مكونات الثورة بتفويض توافقي ثوري يكون اساسه المباديء التي تقوم عليها الثورة من شاكلة مدنية الدولة الكاملة و كفالة الحريات العامة وو ضع آليات واضحة و محددة لتحقيق العدالة ( اجتماعية و نوعية و انتقالية) ولبناء دولة المواطنة المتساوية. بقية المطالب من توحيد الجيوش و اعادة تشكيل الجيش السوداني وفق عقيدة جديدة و خروج الجيش من الحياة السياسية و الاقتصاد و تفكيك دولة المظالم هي تابع لشرط تحقق المدنية الكاملة للدولة.
الشاهد أن عملية البناء التنظيمي للجان المقاومة التي تمتد في الـ ١٨٩ محلية هي مسألة مهمة و ايجابية، فهي بداية لتأسيس تجربة ديمقراطية قاعدية تبدأ فيها صناعة القرارات العامة من القواعد و هي تجربة مفيدة في اعادة تنظيم المجتمع علي اسس حداثية تستوعب و تتجاوز القبيلة و العرق و الاثنية، و هذه العملية يمكن أن تكون بمثابة اللبنة التي سيبدأ منها تكوين المجالس البلدية و إنتخاب مجلس تشريعي حيث لابد من تمثيل كل محليات السودان في اي شكل تشريعي تفرزه الثورة السودانية. ما يجب أن ننتبه اليه أن هذه العملية ستجاوب علي بعض الاسئلة المتعلقة بمشروعية التمثيل عبر تكوين اجسام قاعدية ذات قيادة منتخبة الا أن هذه الأجسام لا تمثل كل قوي الثورة الفاعلة و ليس من الحكمة تضييق ماعون المشاركة الثورية و توطين نهج الإنفراد بالقرارات العامة الذي كان سببا في تضعضع الثقة بين مكونات القوي الثورية. كما أن هذه العملية سوف لن تجاوب علي سؤال من يحق له الحديث باسم الثورة السودانية و تمثيلها بالكامل. حواراتي مع لجان المقاومة و المئات من الفاعلين تؤكد الوعي بهذا التحدي و الرغبة في ايجاد صيغة موضوعية تأخذ الظرف الثوري الاستثنائي في الحسبان دون الاخلال بمبدأ المشاركة القاعدية أو التذبذب في المطالبة بأهداف الثورة التي يعرفها طوب الارض المخضب بدماء السودانيين من الثوار.
خلاصة القول أن عملية تمثيل الثورة السودانية و قيادتها تتطلب التواضع علي نموذج يمزج بين الانتخاب كوسيلة للتمثيل و التصعيد للقيادة مثلما يتم في عمل اللجان و بعض الكيانات النقابية و ما بين التوافق الثوري لتشكيل حلف ديمقراطي ثوري اساسه الرؤية الثاقبة المتسلحة بفهم طبيعة الصراع مستصحبة العبر من تجارب الماضي، لا سيما السنوات الثلاث الماضية. هذه ليست دعوة للوحدة المجانية بل هي ضرورة ثورية لتمتين الصف الثوري الديمقراطي و قيادته لتحقيق أهداف ثورة ديسمبر. الوصول الي مثل هذه الصيغة يتطلب فتح الفضاء العام لحوارات موضوعية جادة و خلاقة اساسها الصدق و الامانة لبناء الثقة و لفهم طبيعة تعقيد ما جري علي أن تبتعد من أمراض السياسة السودانية المعروفة التي توغل في شخصنة الشأن العام و الغيرة الاحترافية و ادعاء التفوق الاخلاقي و الأحقية الثورية. الظرف الثوري جد خطير و علينا أخذ الامور بما يتطلبه هذا الواقع. ما لم تتم هذه الخطوة فلا أري أن هنالك فرص كبيرة لاي ميثاق أو إعلان سياسي أو إعلان دستوري أو اي مبادرة لتحقيق اهداف الثورة، هذا هو واجب تحضير الارض الذي يسبق الزراعة و الا فأن هذه المواثيق و المبادرات ستصتدم بعقبة السياسة السودانية الكؤود التي لا تميز بين الأمنيات و الممكنات، أعني الخروج من المجرد الي الآليات التي تترجم الأهداف المجردة الي برامج و خطوات و اجرءآت و أنشطة.

بكري الجاك ١٩ يناير 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى