أعمدة ومقالات

حتى لا يصبح الوقت متأخراً «2»

قضايا لا تحتمل الانتظار

جمال عبد الرحيم
لقد سبق أن نشرنا الجزء الأول من هذا المقال بتاريخ 28/12/2021، ولحظتها لم نكن نتوقع أن تستمر أزمة الحكم الناتجة عن انقلاب البرهان وحميدتي إلى وقتنا هذا. إن نضالات قوى المقاومة ضد انقلاب البرهان وحميدتي والمستمرة منذ انقلابهما المشئوم وحتى اليوم، أربكت حسابات الانقلابيين وحلفائهم، فقد كانوا يتوقعون انهياراً في طاقة الشارع بحكم تطاول أمد الأزمة، وعبر استخدام سيناريوهات القتل والعنف المفرط. لذا أصبحوا فاقدين لأخذ زمام المبادرة، وها هو شهرهم الثالث ينقضي بدون أن يشكلوا مجلس وزرائهم أو ينجزون عملاً ذا شأن عدا التمادي في القتل والاعتقال والتنكيل بكل الوسائل.
لقد نجح الشارع المقاوم في الحفاظ على حرارته واستعداده للذهاب بالمعركة حتى النهاية، ضارباً في ذلك عزلة قاتلة على النظام، وكاشفاً بؤس المستوى الأخلاقي والفكري والمهني لقادته وإعلامييه ومناصريه، وفاضحاً لهم أمام العالم بأسره. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم ينجح الشارع المقاتل في تحقيق الهدف الأساسي من الحراك، الذي هو ابعاد الانقلابيين عن المشهد السياسي في البلاد وتشكيل مكونات الحكم المدني من مجلسي سيادة ووزراء ومجلس تشريعي.
إن انتصار الشارع في معركته ضد الانقلابيين يشترط توحد قواه عبر تكوين حاضنة جديدة تعالج الثغرات ونواحي القصور التي أظهرتها تجربة قوى الحرية والتغيير السابقة، والتي مثَّلّ إبعاد لجان المقاومة عن مسارح التفاوض والوساطات، نقطة ضعف لا زلنا ندفع في أثمانها. يصبح بالتالي مسألة ضم هذه اللجان للحاضنة السياسية مسألة مركزية في انجاح الحراك الحالي، خاصة بعد ان بدأت قطاعات في لجان المقاومة تنزع نحو العنف وتخوين الشركاء من الأحزاب.
ونحن نستكشف في دروب الخروج ونقرع على أبواب الحلول، يلزمنا الرجوع لبدايات الثورة لاستصحاب دروسها والاستفادة من أخطائها، حيث أن أسوأ أخطائها لا زال قائماً! لقد تسبب التأخر في الاتفاق على خارطة طريق الفترة الانتقالية والبرنامج السياسي والاقتصادي لقوى الحرية والتغيير والاتفاق حول الوثيقة الدستورية، ثم التلكوء في تسمية رئيس الوزراء ووزرائه وأعضاء المجلس السيادي، تسبب في أحد أكبر أخطاء التجربة، حيث انفتح الباب على مصراعيه للقوى التي تتأبط شراً للثورة لتجميع أطرافها ومراكمة قواها لتدخلنا في هذا المطب الذي نحن فيه اليوم.
لقد حان لقوى الثورة تجاوز هذا الخطأ المتكرر اليوم قبل الغد، إذ أنه من الخطأ الفادح أن تتولى قيادات الثورة بكل مكوناتها، تحريك كتل جماهيرية عالية التعبئة، بدون تصور واضح للبديل العملي المحدد، فالشعارات التي يسير خلفها الشارع الآن، لا تفاوض، لا شراكة، لاشرعية، إنما تمثل موقفاً وليس بديلاً يملأ الفراغ.
إن البديل الذي نقصده، يعتبر حزمة كاملة، تتضمن مواثيق وبرامج عمل وخرائط طريق توحد رؤى الجميع وتضبط ايقاعهم؛ ومن ثَمَّ، وعلى ضوئها، يتم اقتراح أسماء بعينها، لشغل المناصب الأساسية في منظومة الحكم المُبتغى. سيؤدي انجاز هذه المهة، بما تحققه من إيضاح لأهداف الحراك وقادته، سيؤدي إلى تكاتف الشارع الملتهب وتوحيد قوى المقاومة بشكل أصلب، وتوسيع دائرتها، وارباك حسابات الطغاة، الذين ليس لديهم حجة ينافحون بها قوى الثورة غير أنها متنافرة الأهداف، مشتتة الاتجاهات.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، سيُقَوِّي اعلان ذلك البديل موقف أصدقاء السودان في المجتمع الدولي الذين ينظرون للثورة وشعبها بعين الرضا والتضامن حتى الآن، لكن سيصعب عليهم المساعدة في حالات تراجع حركة الشارع، حيث دفتر أجندتهم مشغول بأحوال غيرنا، من كوريا الشمالية مروراً بايران وليس نهاية بأوكرانيا! سيدفع تراجع الشارع هذه القوى الصديقة للقبول بأنصاف الحلول تفادياً لنشوء فراغ سياسي يصعب عليهم التأثير على مآلاته؛ وهذا أحد دروس التاريخ التي لا ترحم.
علينا أن ندرك أنه من الصعب للغاية لثورتنا أن تنجح بدون أن تكون هنالك روافع دولية قوية. فهؤلاء الذين استباحوا بلادنا، لا يهمهم كثيراً عدد من يقْتِلون منا، ولا الكيفية التي يقتلوننا بها، لكن يضيرهم في اللحم الحي إن انقطعت تلك الأيادي الخارجية التي فتحت لهم خزائنها وسهلت لهم تهريب مقدرات شعب ووطن. ونحن، عندما نَصِرّ على إدخال القوى الدولية في موازيننا السياسية لا نشكك في مقدرات شعبنا وشبابه على تحقيق الانتصار، وإنما نستهدف تخفيض كلفة ذلك الهدف، وتقصير المسافة المؤدية إليه.
وإننا وإذ نُثَبِّت أهمية وقوف القوى الدولية معنا وتأييدها لنا في صراعنا مع الطغيان، لا يغيب عن ناظرنا أن مصالح تلك القوى هي العامل الحاسم في اتخاذ هذا الموقف من ذاك، وليس أمنياتنا ورغباتنا. لكن لا يجب أن يغيب عن ناظرنا أيضاً أن قضية الديمقراطية وحقوق الانسان ودعم القوى التي تناضل من أجلها، تحتل حيزاً في ثقافة تلك الدول والمبادئ التي تحكم حركتها.
إضافة لذلك فإن سلمية ثورة السودان ونصاعة أهدافها في الحرية والسلام والعدالة وجدت تعاطفاً واسعاً في دوائر صنع القرار في تلك الدول، وقد رأينا بأنفسنا ذلك الحماس الذي تم بموجبه إزالة اسم السودان من قوائم الارهاب بأقل تكلفة ممكنة، وتلك الوعود بالمساعدة التي بدأت في التحقق وانقطعت إثر الانقلاب المشئوم. وبالقوى الدولية، نقصد بدون مواربة دول الترويكا والاتحاد الأوروبي، فالقوى الأخرى مثل روسيا والصين، ليست في حساباتنا أصلاً، فهي في تضاد جذري مع كل ما يتعلق بقيم الحرية وحقوق الانسان.
من حق شعبنا على الدول الصديقة أن تقف بجانبه في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان وتُضيِّق الخناق على مصادر قوة الطغمة الحاكمة. عليها إدراك أن سوداناً ممزقاً أو محكوماً بواسطة عصابة من فاقدي الأهلية المهنية والأخلاقية والسياسية، سيؤدي إلى زلزال أمني في كل المنطقة؛ ليس لأحد مصلحة فيه، باستثناء العصبة الحاكمة. كما عليها إدراك أن انتصار الانقلابيين سيرجع بالسودان لعهود ما قبل الدولة القومية، حيث القبيلة هي الحاضنة الاجتماعية، ومليشياتها هي المؤسسة العسكرية والسياسية.
لقد بلغ تدهور الحال ببلادنا حد أن يصبح فرداً لم يرث لقباً اجتماعيا أو مهنياً أو سياسياً أو اقتصادياً، بل لم يتلق حتى قدراً من التعليم، ولا يملك أي خبرة في العمل العام، يصبح قوة اقتصادية هائلة، بوضع اليد وبالحديد والنار، وذلك في وجود كل الأجهزة النظامية، ورغم أنفها. يقوم ذلك الفرد الآن باستباحة تثير الذهول لمنشآت الجيش والدولة ومواردها، والإيغال عميقاً في كل مجالات الإقتصاد، بما في ذلك المصارف؛ كما يملك رهن اشارته فيوضات مالية مكَّنته من شراء ذمم المئات من النظار والعُمَد والمشائخ، إضافة لأفراد عشيرته التي أصبحت تمتلك الآن أراضي لا حصر لها في أرقى أحياء العاصمة. ذلك ما كان من أمر الاقتصاد، أما من ناحية القوة العسكرية، فقد أصبح ندَّاً قويَّاَ للجيش النظامي، الذي يبدو أن مصيره الذوبان داخل ملشياته إن سارت الأمور بوتائرها الحالية.
لقد قدمنا في حلقتنا الأولى من هذا المقال مجموعة من الاقتراحات التي كنا نتمنى أن تقف عليها القوى الفاعلة في الشارع، وتحيلها فوراً لأجندة أعمالها. ونسبة لأهميتها من وجهة نظرنا، رأينا ايرادها مرة أخرى مع بعض الاضافات والتعديلات التي فرضتها المستجدات في الساحة السياسية، أملاً في أن تجد حظاً من الاعتبار لدى صناع الأحداث:
(1) نرى أن يتم تكوين مجلس سياسي باسم مجلس قوى الثورة نقترح أن يُكَوَّن من 200 عضواً يمثلون كل القوى المناهضة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، ويراعى أن تمثل فيه لجان المقاومة وأسر الشهداء بنسبة 50% على الأقل. هذا الترتيب سينجح في رأينا في حل قضية التأخُّر في تشكيل المجلس التشريعي، حيث نرى أن تمثل عضوية هذا المجلس لاحقاً نصيب قوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي المتفق عليه سابقاً.
(2) العمل على أن تكون أعمار المشاركين من ممثلي التنظيمات السياسية و المجتمعية في ذلك المجلس دون الخمسين عاماً، تأكيداً للروح الشبابية للثورة؛ بدون أن يعني ذلك قطع طريق المشاركة ممن هم أعلى أعماراً من ذلك، في حال الاحتياج لهم.
(3) يتم اختيار ممثلي لجان المقاومة وأسر الشهداء من منسقياتهم مع وضع الاعتبار للثقل النسبي لكل تنسيقية مقاومة، كما ترشح القوى الفاعلة ممثليها أيضاً، بتركيز خاص على الشباب.
(4) يراجع المجلس السياسي (مجلس قوى الثورة) المقترح شكل الشراكة مع المكوِّن العسكري على ضوء ما طرأ من مستجدات، وفي تقديرنا أن أفضل صيغة ممكنة للشراكة هي مجلس السيادة بتركيبته ومهامه السابقة، مع ابعاد العناصر الانقلابية عنه. البديل الآخر يتمثل في تكوين مجلس للدفاع الوطني، يضم القوات المسلحة وجهازي الاستخبارات والشرطة، إضافة لوزراء الوزارات السيادية.
(5) يراجع المجلس الوثيقة الدستورية ويتولى سد نقائصها.
(6) يُشَكِّل المجلس السياسي لقوى الثورة، مجلساً لقيادة العمل الثوري باسم المجلس المركزي لقوى الثورة ونقترح ان يُكَوَّن من نحو 50 شخصاً، نصفه أو أكثر من لجان المقاومة وأسر الشهداء، ونصفه الآخر من الفاعلين الآخرين. ولزيادة فاعلية أجهزة الحكم لن يضم مجلس قيادة العمل الثوري هذا، أييٍّ من أولئك الذين تم اختيارهم في المجلس التشريعي. تجدر الاشارة هنا إلى أن المهام المطلوبة من مجلس قيادة العمل الثوري هذا، لا تختلف كثيراً، عن تلك التي كانت ملقاة على المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير.
(7) تشكيل هيئة باسم مجموعة الاتصالات الدولية مكونة من سفراء ودبلوماسيين وناشطين في أروقة المنظمات الدولية ومُلِمِّين بدهاليز السياسة في الغرب، وذلك لمخاطبة الجهات الحكومية وغير الحكومية في الدول المؤثرة والمتضامنة مع ثورتنا، كأمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، والطلب منها دعم ثورة السودان بمختلف الأشكال، بما في ذلك الضغط على الكيانات الخارجية التي تساند الانقلابيين، وإيقاع عقوبات صارمة ومباشرة على الانقلابيين.
يرى كاتب هذه السطور الابتعاد بقدر الامكان عن التفاوض مع الجهات الكسيحة المعروفة، كالامم المتحدة، الاتحاد الافريقي، الجامعة العربية، الايغاد وخلافه. طالما أن الدور الأجنبي مرغوب للغاية، علينا أن نتوجه صوب الدول الأقرب الينا، وهي الأكثر تأثيراً على المستوى العالمي.
(8) يحدد المجلس ترشيحاته لعضوية المجلس السيادي والوزراء والمفوضيات والمجالس، إلخ وذلك وفقاً للمنهج المقترح أدناه:
مقترح منهج لاختيار مرشحي مجلسي السيادة والوزراء والمفوضين وبقية الوظائف العليا:
نسبة لما شاب إجراءات تعيين الوزراء وأعضاء مجلس السيادة السابقين، من تأخر من ناحية وعدم رضا من ناحية أخرى، نرى أن يقدم كل مكوِّن من مكوِّني المجلس السياسي لقوى الثورة، ثلاثة مرشحين على الأكثر أمام أي وظيفة من الوظائف المقترحة، مشفوعة بمعلومات كافية عن المرشح. يستعرض المجلس الأسماء المرشحة للإلمام بجدارتها، ومن ثَمَّ، يجري المجلس السياسي تصويتاً سرياً حُرَّاً على الأسماء المقترحة لينتج من خلال ذلك تسمية ثلاثة أشخاص أمام كل وظيفة من الوظائف المحددة.
(9) استناداً على المقترحات أعلاه، سيكون لدينا بعد الفراغ من مهام المجلس السياسي المقترح، مجلساً من نحو 50 عضواً لقيادة العمل اليومي به تمثيل لكل قوى الثورة، إضافة لذلك سيكون لدينا مجلساً تشريعياً مكتملاً، ومجلساً للوزراء، جاهزين لقيادة الفترة الانتقالية. سيشكل هذا الاقتراح مصدر ضغط على الانقلابيين باعتبار أن حجتهم الأساسية في مؤامرتهم هو تشرزم المدنيين وفقدانهم للبوصلة التي من المفترض أن تقود لانجاح الفترة الانتقالية.
(10) يفترض السيناريو المشار إليه أعلاه، تجميداً لإتفاق جوبا مع الجبهة الثورية، باعتبار أنها لا تمثل القوى الحقيقية الممسكة بالسلاح، كما أنها، وبتشكيلها لمركز آخر خارج المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، قد جمَّدت عملياً إتفاق جوبا. من ناحية أخرى فإن الاتفاقية أصلاً أصبحت محل رفض أغلبية المسارات التي عناها التفاوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى