أخبارأعمدة ومقالات

الانقلاب .. مائة يوم من العزلة

عمر الدقير

 

الانقلاب .. مائة يوم من العزلة

عمر الدقير

بانتهاء يوم أمس أكمل انقلاب ٢٥ أكتوبر مائة يومٍ من عزلته الجماهيرية غير المجيدة .. مائة يومٍ أسرفت خلالها السلطة الانقلابية في البطش والقمع، واستطالت مخالبها لِتَتصيّد أبهى شباب الثورة بعد أن تهتدي إليهم بابتسامة الإيمان والأمل والتحدي .. وفي المقابل استطالت عزيمة مقاوميها بهتاف الحناجر وأراجيز النصر وشاراته التي تُلَوِّح بها أياديهم العزلاء.

منذ صبيحة يوم الانقلاب نهض ملايين السودانيين لمقاومته في موجات متتالية عَمّت كل أنحاء السودان وشاركت مختلف قوى الثورة في التحشيد لها والانخراط العَضَلي فيها .. بعض هذه الموجات الجماهيرية لامست أسوار القصر الجمهوري وكانت قاب هُتافَيْن أو أدنى من إعلان النصر لولا افتقارها لشرط الحسم الأساسي، وهو تماسك القوى المشاركة فيها في جبهة عريضة بقيادة موحدة ورؤية سياسية متوافق عليها.

الوفاء للوطن وشهدائه يفرض على كلِّ قوى الثورة – من أحزاب سياسية ولجان مقاومة ومهنيين ومنظمات مجتمع مدني وتجمعات نسوية وشبابية ومثقفين ومبدعين … إلخ – أن تترفع عن الصراعات الثانوية، وتُبْعِد عن الحراك الثوري مظاهر الانقسام والتشظي الحالية، والتراشق اللفظي والتخوين، ومزاعم احتكار الحقيقة والرشد السياسي، وتوزيع ونزع صكوك الوطنية والثورية والطهرانية، وكل المظاهر التي تفرزها الحسابات الصغرى التي لا تليق بهذه اللحظة من تاريخ الوطن لأن المُشْتَرَك الوطني في هذه اللحظة يفرض على جميع قوى الثورة أن تؤجل صراع تناقضاتها الثانوية، وأن تُنسِّق جهودها، الميدانية والرؤيوية، في جبهة موحدة لمقاومة الانقلاب وهزيمته.

الحسابات الصغرى لا تُشْكِّل رافعة للأهداف الوطنية الكبرى، ولا تقيم وزناً للدم المسفوح فداءً لتحقيق هذه الأهداف، بل تأْسِر أصحابها في ذواتهم بما يحاكي موقف الشاعر الفرنسي بودلير الذي خرج من منزله، حاملاً بندقية، في يومٍ شهد سقوط العديد من الضحايا وسط حشود المتظاهرين المُطالِبين بالحرية والعدالة والمساواة .. وعندما سألته جارته العجوز عمّا إذا خارجاً لنصرة المتظاهرين في هذا اليوم الرّاعِف، أجابها قائلاً: “هذه فرصة مناسبة لتصفية حسابي مع الجنرال أوبيك الذي تزوج أُمِّي رغماً عني وحرمني من حنانها وأنا طفلٌ صغير”.

معركة الشعب السوداني ليست مع جنرالٍ تزوج الأم رغماً عن ابنها الوحيد، ولكنها مع جنرالات نَفّذوا انقلاباً يَسدُّ الطريق أمام الحُلْم التليد .. الحُلْم ببناء وطن الحرية والسلام والعدالة الذي يسع جميع أهله، بلا تمييز، ويحيطهم بشروط الوجود الكريم.

#ثنائية الوحدة و السلمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى