أخبارأعمدةأعمدة ومقالاتثقافة

نجوم صعدت ونجوم أفلت

بقلم: البخاري حبيب الله عباس

سمعنا كثير من قصص صعود الفنانين والنجوم وكيف أنهم عانوا ومروا بعقبات كثيرة حتى وصلوا وتربعوا على عرش الفن السوداني فسمعنا غير مرة أن الفنان عثمان حسين تم رفض اجازة صوته من لجنة الاذاعة اكثر من مرة وبلغت في احدى المرات ان اخبره مدير الاذاعة متولي عيد انه لايصلح ان يكون فنان وعليه ألا يضيع زمنه وزمن اللجنة ولم يقف عثمان حسين إلا بقدر ما يداوي جراح عيد في نفسه ثم يعود مرة اخرى حتى وقع في يوم موقع حسن للجنة وأجازت صوته وأصبح من حينها عثمان حسين بذات الموهبة المرفوضة وذات الاناقة ورقة الكلمات وعذوبة الألحان والمقدمات الموسيقي ولم يغير عثمان شي في أعماله بل تغير رأي اللجنة التى كانت تمثل العبّارة إلى ضفة المستمع فعندما يقال ان الفنان مجاز في الاذاعة فهذا يكفي ليكون نجم المناسبات الخاصة والعامة ويرتفع أجره
وذات القصة حدثت مع محمد عثمان وردي فنان افريقيا الاول فهذا العملاق لو عرف الناس كيف وصل إلى مسامعهم لعرفوا من أين اتت هذه العبقرية فقد كان وري كما هو معروف أستاذ رياضيات في مدارس شندي الابتدائية وكان كل حلمه ان يلتقي الفنان ابراهيم عوض وجادت الأقدار باللقاء وطلب من (الذري) ان يدله على مدخل الاذاعة ليس لإجازة صوته فهذا حلم بعيد المنال ولكن فقط ليستمعوا اليه ويبثوا له اغنية واكتفى ابراهيم عوض باخباره عن صعوبة دخول الإذاعة لم يتوقف حلم وردي وشغفه عند هذه الافادة وان كانت من قدوته ومثله الفني الأعظم لكن ثقته بنفسه كانت اكبر من حبه لفنانه المفضل وشاءت الأقدار ان تتاح له فرصة لقاء هرم فني آخر في شندي هو الفنان أحمد المصطفى الذي اعجب بصوته ودله كيف يبدأ طريقه نحو الإذاعة وكان ذلك عبر وساطات ورجاءات كثيرة فكان جواز العبور ان قدمه أحد معارفه للغناء في مناسبة زواج مولانا القاضي صلاح حسن عبد الرحمن نائب رئيس القضاء وأحد عظماء القضاء السوداني وهو من أبطل قرار طرد الحزب الشيوعي من البرلمان.

كانت مناسبة الزواج ملتقى أطياف المجتمع ونخبه السياسية والثقافية والفنية وسمحوا لوردي بالغناء في تلك الليلة فكانت ليلة العبور الاذاعة واجازة صوته وبعدها تربع وردي على عرش الأغنية السودانية لعقود وبلغت سمعته الآفاق وخلد في ثقافتنا درر من الاغاني الخالدة وطنية وعاطفية وصعد على شجي صوته عدد من الشعراء الشباب وفتح وردي نافذة جديدة في عالم الغناء السوداني وهو ذات وردي الذي كان يتغني في حواري شندي فقد بلغت سمعته الافاق وأصبح مطلوباً في القاهرة واديس ابابا ولندن وبرلين.
والسؤال الذي يلح علي في الخروج بعد كل هذا السرد، يا تري ماذا كان سيكون حال الغناء السوداني لو ركن امثال وردي وعثمان حسين لقرار شخص او لجنة مسؤولة عن اجازة الصوت؟
ماذا لو لم يكونا عاشقين للفن واثقين من مقدراتهما ؟ وكيف كانت ستكون مسيرة الشعراء الذين ظهروا معهم؟
حتما كانت ستنتهي مسيرتهما قبل أن يسمع بهما أحد فما كنا لنستمع ونستمتع بدور غنائية مثل عذبني وزيد عذابي وهجرة عصافير الخريف والطير المهاجر وقصتنا والوكر المهجور غيرها.

ياترى كم من العمالقة قبروا فنياً قبل ان نسمع اصواتهم؟ كم من اصحاب المواهب الأخرى اغتالتهم قرارات اللجان وميول الأشخاص؟
وانا اتصفح مسيرة وردي اضحك عندما استمع الى وردي عندما يغضب في إحدى بروفاته من احد العازفين عندما لم يجيد الصولة كما الفها صاحبها “لاااااااا ياساكسفون، انا ما الفتها كدا ،خلى الجعلي يخش الصولة دي بالفلوت ” وبين تلك اللحظة التى كان يجري فيها خلف اللجان والفنانين ليجيزوا صوته قد تبدو احيانا غير منطقية لكن الابداع لاحدود له وعندما يجد الفنان فرصته يكون شديد الثقة بنفسه ويقدم للفن والثقافة اكثر واكثر ،فامثال العملاقين وردي وعثمان حسين في الدول التى تحترم الفن تبحث عنهم اللجان الغناء والقنوات لتقدمهم الى الجمهور ،فالفنان دوماً واضح القسمات والملامح بارز الموهبة، فكم ياترى نجماً قد صعد وكم نجم قد اقل وانزوى بعيدا يطرب نفسه ويلعن حظه؟
من المؤكد ان هناك كثيرون في عدة مجالات قد هزمتهم التجارب وارهقتهم اللجان واقصاءهم اصحاب النفوذ ، وجريمة اغتيال المواهب لن تنتهي الا بانتهاء مرحلة حكم الأفراد واللجان دون هادي او دليل الا من رغبتهم وامزجتهم التى هي ليست بمتسع رغبات وأمزجة الامة السودانية المتنوعة والمتباينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى